كتب الشعراء قصائد كثيرة بمناسبة رأس السنة الهجرية، لارتباطها بحدث مفصلي في تاريخ الإسلام، فمن هجرة الرسول إلى المدينة بدأ التاريخ الإسلامي والتحول الأكبر في الدعوة التي أصبحت دولة. ولكن رأس الميلادية لم يحظ بهذا الكم من التفات الشعراء إليه، إلا بعد الحملة الفرنسية على مصر وتوالي الاستعمارات الغربية للبلدان الإسلامية، وبداية الازدواجية في التأريخ بالميلادي أو الهجري.
وكانت القصائد التي تكتب في العام الجديد لا تخرج عن تهنئة الحاكم به كقصيدة حفني ناصف: «وافـى يُقـبِّلُ راحتيكَ العامُ… وحـنَـتْ إليكَ رؤوسَها الأيّامُ/والدّهرُ أقسمَ لا يَجيءُ بغِيرِ ما … ترضى، وكم بَرَّتْ له أقسامُ».
وفي سنة 1888 نشرت جريدة «الأهرام» قصيدة من أوائل ما كتب أمير الشعراء أحمد شوقي وهو في العشرين من عمره يدرس الحقوق في فرنسا يهنئ الخديوي فيها أيضا بالعام الجديد. وبعيدا عن تهاني الشعراء ومجاملاتهم بمناسبة مقدم السنة الجديدة التي كانت في أغلبها نظم بارد متكلف، ظهرت مبكرا بذور الذاتية في القصائد التي تناولت هذا الموضوع، فكان التساؤل الوجودي حاضرا على الدوام، والحيرة بين عام مضى لا يرى فيه الشاعر، بل الإنسان العادي إلا تراكم خيبات وانتكاسات، وعام جديد يأمل خيره ويرجو أن يكون أفضل حالا من أخيه الذاهب، فنقرأ هذه الحيرة والتساؤل عما يحمله العام الجديد قبل أكثر من قرن (سنة 1913) للشاعر اللبناني إلياس فياض: «أيّها العامُ مرحبا … بالمُنى فيكَ والأرَبْ/قل فما أنتَ حاملٌ… بينَ بُرديْكَ مِن عجَبْ/رايةَ السِّلْمِ أمْ تُرى … رايةَ الحرْبِ والحَرَبْ».
وهذه الثيمة المشكّكة لا تزال الأكثر دورانا على ألسنة الشعراء إلى وقتنا الحالي، ويلخص هذا الوقوف بين الخوف والرجاء ما جاء عند مي زيادة: «هذه أمانينا نلقي بها عند قدميك/فلا تدُسْها فتُلاشينا/بل ضمَّها إليك فتُحيينا»، وإن كان ما حلّ بالبلدان العربية من مآسي الاستعمار وجرائمه صبغ قصائد العام الجديد بالسواد، أو في أحسن الأحوال بالريبة بما يأتي به، فالشكوى عند الشعراء دائمة مما فعله بهم العام الماضي، والخوف والحذر من أن يبقى الأمر على حاله، فهذا أحمد محرم يقول: «بِرَبِّكَ أَيُّها العامُ الجَديدُ… أَفيكَ مِنَ الأَماني ما نُريدُ/تَتابَعَتِ الخُطوبُ فَكُلُّ قَلبٍ… حَزينٌ في جَوانِحِهِ كَميدُ/أَلا يا عامُ بَشِّرنا بِخَيرٍ… فَأَنتَ عَلى مَتاعِبِنا شَهيدُ». ولا يتجاوز الشاعر المهجري زكي قنصل العزف على هذا الوتر الراجف الخائف فينشر قصيدة مطلعها: «مضى العام يا قلبي وأقبلَ عامُ… أيأْتي مع الفجرِ الجديدِ سلامُ» ويختمُها بعد أن طاف حول المآسي التي تحيط بالعالم العربي مخيّرا العام الجديد بين أمرين: «نريدُكَ يا عامَ الرّجاءِ محبّةً … وسِلْما وإلّا لا عليكَ سلامُ». ولكن الأحوال لم تتحسن، بل ازدادت سوءا في هذه المنطقة من العالم، التي لم تنعم بالاستقرار في ظل تكالب الاعداء وتخاذل الأبناء، فيكتب زكي قنصل في رأس سنة أخرى: «يا عامُ قلبُ الحقِّ مكسورٌ فهل قرّرْتَ جبرَه/وكرامةُ الإنسانِ سَفسطةٌ وشِرعَتُه مَعَرَّة».
وهل يمكن ذكر هذا التاريخ الموجع الذي عانى منه العالم العربي، دون الوقوف عند أم المآسي «القضية الفلسطينية» التي هي اليوم أشد حضورا نتيجة ما يحدث في غزة من جرائم ستخجل منها البشرية طويلا. ففلسطين كانت حاضرة في قصائد العام الجديد، إذ هي الأمنية الجمعيّة في مقابل الأماني الذاتية، ونستحضر قصيدة عمر أبو ريشة بعنوان «عام جديد» التي نشرها بعد عشر سنوات من النكبة جاء فيها: «وحدي هنا في حجـرتـي والـلّيـلُ والـعـامُ الـولـيــدْ/وحدي وأشـباحُ الـسّـنينِ الـعَشرِ مـاثـلـةُ الـوعـيـدْ/مِن صيحـةِ الـوطـنِ الـطّعـيـنِ ورقدةِ الـوطـنِ الـشـهيـدْ/ وكـآبـةِ الـشّـيـخِ الـطـريـدِ ودمـعـةِ الـطّـفـلِ الـشـريـدْ»، بل إنّ مأساة فلسطين كانت إرهاصاتها حاضرة حتى قبل النكبة، وبعقد كامل أيضا، فقد نشر الشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة سنة 1938 قصيدة يخاطب فيها العام الجديد جاء فيها ذكر فلسطين حين قال: «يا عامُ هل فيكَ خيرٌ… للمسلمينَ يُرجّى/سِيمتْ فلسطينُ خسفًا …عجَّ الحِمى منهُ عجَّا/هذا عن الأهلِ أُقْصي … وذاكَ في السِّجنِ زُجَّا».
لذلك لن نتفاجأ حين نجد شاعرة مثل نازك الملائكة وهي المنعزلة بطبعها الفائقة الحساسية، تتمنى ألا يأتي العام الجديد، بل ألا يقترب منها أصلا فتكتب في «قصيدة على أبواب العام الجديد»: «يا عام لا تقربْ مساكننا فنحن هنا طيوفُ/من عالم الأشباح، ينكرنا البشرْ/ويفرّ منا الليل والماضي، ويجهلنا القدرْ/ونعيش أشباحاً تطوفُ/نحن العراة من الشعور، ذوو الشفاه الباهتة/الهاربون من الزمان إلى العدمْ».
أما بعد النكبة فلا يمكن لقصيدة كتبت في العام الجديد وتَعرِض للشأن العامِّ أن تتجاوز هذه المأساة، وإن لم تكن تقريرية مباشرة، فهذه ابنة نابلس الفلسطينية الشاعرة فدوى طوقان، تنشر إحدى أشهر قصائدها «صلاة إلى العام الجديد» التي قُرّرت في ما بعد في كثير من كتب المناهج المدرسية في العالم العربي، وتقوم قصيدتها على فكرتين أساسيتين هجو العام الذي مضى فهو «بعد أن جرّعنا من كأسه المرّ الحقود/ بعد أن أوسعنا لؤماً وغدراً وجحود/غاب عنّا وجهه الممقوت، لا عاد لنا. تفاءلت في المقابل بالعام الجديد حالمة ككل الراجين أن يكون القادم أجمل «يا مُطِلاً أملاً عذب الورود/ يا غنياً بالأماني والوعودْ /ما الذي تحمله من أجلنا؟ ماذا لديكْ؟/أعطنا حباً، فبالحب كنوز الخير فينا تتفجرْ/أعطنا حباً فنبني العالم المنهار فينا من جديدْ». ولكن لا كنوز الخير تفجّرتْ ولا العالم المنهار في النفوس المنكسرة أعيد بناؤه.
أما شعراء القصيدة الحديثة التي ارتدت شكلا تفعيليا جديدا، فقد ازداد إحساس الاغتراب عندهم، واتسع مدى المفارقة بين عالَم يحتفل بمقدم العام الجديد بالزينة والرقص والبهجة، ونفوسهم المنكسرة بخيبات بعضها فوق بعض، يلخصها رفيق خوري بقوله: «عام آخرْ/مركبةُ الموتِ الفضّية/ لا تسمعُ أجراسَ العيدْ/ تخترقُ الصّوتَ الأغنيّة/عامٌ آخرْ/ يا عمري الضائعَ ماذا همَّ/ مجيءُ ألوفِ الأعوامْ» وهذه النظرة السوداء إلى السنة الجديدة يلاقيه فيها أدونيس في قصيدة له بعنوان «المتشردون» يرسم فيها لوحة لا ألوان فيها محاطة بالهدم والتشريد والفراغ الكبير «في أول العام الجديدْ/قالت لنا آهاتنا:/شدّوا الرحال إلى بعيدْ/أو فاسكنوا خِيَم الجليدْ/فبلادكم ليست هنا/نحن الذين على الدّخيلِ تمرّدوا/فتهدّموا وتشرّدوا/أكل الفراغُ نداءَنا».
لذلك لن نتفاجأ حين نجد شاعرة مثل نازك الملائكة وهي المنعزلة بطبعها الفائقة الحساسية، تتمنى ألا يأتي العام الجديد، بل ألا يقترب منها أصلا فتكتب في «قصيدة على أبواب العام الجديد»: «يا عام لا تقربْ مساكننا فنحن هنا طيوفُ/من عالم الأشباح، ينكرنا البشرْ/ويفرّ منا الليل والماضي، ويجهلنا القدرْ/ونعيش أشباحاً تطوفُ/نحن العراة من الشعور، ذوو الشفاه الباهتة/الهاربون من الزمان إلى العدمْ». وتتفاقم وطأة العام الجديد على الشاعر إذا كان غريبا، فالابتهاج بالسّنة المقبلة يعني احتفالا والاحتفال يستلزم اجتماعا، وأنّى للشاعر المنفي عن وطنه، أو الغريب أن يهنأ بالعام الجديد وحده، فلن يكون حاله أفضل من حال الشاعر العراقي عدنان الصائغ وهو يصف نفسه «يسقطُ الثلجُ على قلبي في شوارعِ رأسِ السنةِ/وأنا وحدي محاط بكلِّ الذين غابوا/ كلَّ عامٍ الأذرعُ تتعانقُ وأنا أحدّقُ عبرَ نافذةِ المنفى إلى وطني كعصفورٍ يرمي نظرتَهُ الشريدةَ إلى الربيعِ من وراءِ قضبانِ قفصِهِ»، أو تلك الأمنيات الموجعة التي صرخ بها مظفر النواب ـ ومن أجدر منه بوصف إحساس الشاعر المنفي – في قصيدته «ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة»: «أيْ إلهي إنَّ لي أمنيةً/ أنْ يسْقُطَ القمعُ بداءِ القلبِ/ والمَنْفَى يعودون إلى أوْطانِهمْ/ ثُمَّ رُجوعي../ يا إلهي.. يا إلهي.. يا إلهي../ إنَ لي أمنيةً ثالثةً/ أنْ يَرْجِعَ اللَّحْنُ عراقيّاً/ وإن كانَ حزينْ».
ولعل الشاعر الوحيد الذي شذ عن هذه الألحان الجنائزية في بداية العام الجديد كان نزار قباني فهو من أكثر الشعراء احتفاء بدخول السنة الجديدة، فيتمنى مثلا لو كانت معه حبيبته في مدريد في رأس السنة، ويخاطبها في قصيدته «إلى حبيبتي في رأس السنة»: «أنقل حبي لك من عامٍ إلى عام/كما ينقل التلميذ فروضه المدرسية إلى دفترٍ جديد/أنقل صوتك ورائحتك ورسائلك/ورقم هاتفك وصندوق بريدك/وأعلقها في خزانة العام الجديد/وأمنحك تذكرة إقامة دائمة في قلبي» ويطلب منها في قصيدة أخرى أن لا تبحث عنه ليلة رأس السنة قائلا «لن أكون معك/ولن أكون في أي مكان/إنني لا أشعر بالرغبة في الموت مشنوقاً/في أحد مطاعم الدرجة الأولى/حيث الحب طبقٌ من الحساء البارد لا يقربه أحد». وباستثناء هذا الصوت المغرد خارج السرب بقي الشعراء ينظرون إلى العام الجديد بريبة وتوجس، ولكنّنا رغم سوداوية الشعراء ذوي النفوس الحساسة محكومون في النهاية بالتفاؤل فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
شاعرة وإعلامية من البحرين