قاومت الشاعرة الأمريكية مي سارتون «May Sarton» كُل التسميات، التي أشارت إلى تورطها في كتابة الأدب السحاقي الفاضح؛ إذ تميزت بصورها الأنثوية المُثيرة وجرأتها الغريبة، قائلة وقتها إنها تنقل عالمية الحُب البشري، وإن عملها لا يقتصر على شريحةٍ واحدة من الإنسانية فقط، أنقذها بعض النقاد عندما اعترفوا بأسلوبها الهادئ المُهذب والمُثقف، ومنظورها السياسي الواعي والصريح، في حين دفعها الآخرون إلى نوبات من الاكتئاب بسبب انتقاداتهم الحادة غير المُنصفة لأهميتها.
تدور موضوعاتها، خاصة موضوعات شِعرها حولَ العزلة، الحُب، الصداقة، الزهور، السلام الداخلي، الشيخوخة، الشك، الولع بالأنا والانغماس في الذات.. قضت وقتا طويلا في باريس، حيث أثرت أجواء المدن الفرنسية في طبيعتها المُرهفة وتعبيرها الشعري الرقيق.
اشتهرت مي سارتون بإنتاجها الغزير وموهبتها الفريدة الحساسة، والأهم من ذلك أنها صادقة ومُتحررة، تُثير التفكير وتُنعش الوجدان، لقد قيل إن قصائد سارتون قوية جدا في إيمانها واستجابتها الإيجابية للحالة الإنسانية، لدرجة أنها ستصمد أكثر من الشعر المُعاصر الساخر لأذننا. سوف يشرح تصويرها الأدبي تركيبتها الغامضة في ما بعد.
ترى سارتون أن المرأة تخفي الوجه الحقيقي لنفسها، من أجل إرضاء المُحيط وتوقعات المُقربين منها، لاسيما أن المرأة كانت وما زالت مُتعة للرجال، الذين يلعبون بالأرواح والعواطف، دون أدنى ثقافة تهتم بالتعامل والتهذيب، فكتبت: كم مرة نظهر في الحياة، خاصة نحنُ النساء، كشخصٍ آخرَ غير أنفسنا الحقيقية؟ لقد تعلمنا أن نكونَ أكثر إرضاء للناس؛ لذا نرتدي الوجه ونظهر السلوك الذي نعتقد أن الآخرين يتوقعونه، بدلا من أن نكون ما نحنُ عليه حقا. وألحقت قولها بقصيدة مُحببة (الآن أصبحتُ نفسي) بدأت بما يلي: «الآن أصبحتُ نفسي/ لقد استغرق الأمر وقتا/ وسنوات عديدة وأماكنَ كثيرة/ لقد انحللتُ وارتجفتُ/ارتديتُ وجوه الآخرين/راكضة بجنون كما لو كانَ الوقت هُناك عجوزا رهيبا» ثم تختمها راضية عن حالها، قائلة: «هُناك وقت والوقت شاب الآن/في هذه الساعة الوحيدة/ أعيش كُل نفسي ولا أتحرك/أنا المُطاردة، التي ركضت بجنون/أقفُ بلا حراكٍ وأوقف الشمس معي!».
فتحت الشاعرة من خلال قصائدها أعين القُراء على الوحدة المُثمرة أو بالأحرى العزلة الهادفة ودورها في خلق الذات، شفاء النفس وتنقية الفكر من الضجيج وإزالة ما هو شائنٌ وضبابي من الذهن؛ بغية الحفاظ على التوازن الفكري والروحي معا، إذ فرقت بين الوحدة المَرضية والعزلة الرشيدة، قالت: «إن الوحدة هي فقر الذات، العزلة هي ثراء الذات». فالعزلة تنقذ المرء من التشتت، الضياع وفقدان المعنى أو مركزية الذات وجوهرها؛ لذلك لَمْ تكن في أي مكان مع المؤسسة الأدبية، على الرغم من أنها غالبا ما كانت تُعاني من مرضٍ جسدي واكتئاب مُبرح؛ ما فاقم عزلتها واستفز تحدياتها الصعبة مع الحياة، لكنها بقيت توحي بجزء حميمي وشُجاع من أيامها.
كتبت سارتون حينئذٍ: «أعرف الحُب بوصفهِ عزلة/أعرف العزلة بوصفِها حُبا/أعرف الوقت بالضوء لا بالظل». تقول الكاتبة بيفرلي أندرسون بتمجيدٍ وتقدير: إن سارتون هي أحد أنبيائنا وحكمائنا، كانت مُدافعة قوية عن تنمية روح الفرد، تمييز الحقيقة وعيش الحياة، سارتون مُهمة. بينما أيدت عزلتها الشاعرة إليزابيث بيشوب، حينما اقترحت أن كُل شخص لا بُد أن يعيشَ – في الأقل- فترة طويلة من العزلة في الحياة، لأن أصوات الفرد الداخلية تصبح مسموعة في العزلة الحقيقية الخصبة، وعليه يستجيب المرء بشكلٍ أكثر وضوحا لحيواتٍ ثانية بشرط أن ندرك الخط النفسي الرفيع بينَ العزلة والوحدة. رُبما كانت الكاتبة ماريا بوبوفا مُحقة عندما شعرت بأن العالم ينبض فعلا بالبهاء، لكن هذا العالم قادر أيضا على ارتكاب جرائم وحشية تَقشعِر لها الأبدان، بما فيها القساوات اليومية الصغيرة التي تملأ أيامنا وتسهم في تدميرها شيئا فشيئا، والأرجح تُسهم في تحطيم أولئكَ الذين لا يستطيعون تحمل التعايش مع الازدواجية، حيث يعتبر أحدهم الفرار، أو الانسحاب أمرا مفروغا منهُ في ظل دائرة الكراهية الآخذة بالاتساع والغياب الحتمي للحُب.
يفشل الإنسان في كُلِ مرةٍ يحاول فيها أن يكونَ مُتحضرا على هذه الأرض، ما هي إلا فترة قصيرة حتى يثبت وحشيته وطبيعته البربرية البدائية، التي لا يقوى عليها إصرار الفلسفة، ولا يسيطر عليها عمق الأدب بعلومه الواسعة الدافعة بهِ إلى التقويم والتشذيب، فضلا عن التخلص من رغبة السطو والاستلاب؛ لذلك فإن الحروب الفظيعة لا تزال نابضة بقوةٍ في أنحاء العالم كافة، سواء أكانت ظاهرة أو مختبئة وراء مفردة «الناعمة». أقل ما يمكن أن نصفها به هي حروبٌ مسكونة بالموت الجحيمي، وهو أمر لا مفر منه حتى لو تغلب النسيان على الذاكرة المقاومة..
«يأتي الموت على أقساط، لكن في بعض الأحيان، يمكن أن تكون الدفعات الأولى شديدة الانحدار، ورُبما أكثر إيلاما للأشخاص من حولهم. أنا أعتز بها كذلك؛ هل يمكن للمرء أن يحافظَ على صورة الحُب عندما يفقد الكثير؟» تتساءل مي سارتون ثم تُجيب عن التساؤل بطريقةٍ مُختصرة غير واضحة: «نعم، لأن المرء عندما يعيش مع شخصٍ ما، هُناك شيء غير ملموس تماما، كما لو كانَ في مجرى الدم لا يتغير في حياته».
حافظ الشعراء الاعترافيون ومن بينهم سارتون على مستوى عالٍ من الدقة والحرفية في البناء الشِعري ليصبحوا ذوي تأثير علاجي شاف للقُراء ولأنفسهم قبل كُل شيء.
تشكو ممن ينتظر أن ينظرَ أحدٌ إلى حديقتهِ الشخصية، مُشيرة إلى أن الإنسان يصنع الحديقة لنفسه وليسَ لغيره، تشمل هذهِ الرؤية الشعر أيضا، التشبيه يُعنى إلى حد بعيد بالشعر، أي أننا سنستمر في كتابة القصائد، وإن نظر إليها أحدٌ أو لا، إلا أننا لا ننكر كم نتوق إلى شخصٍ ليشاطرنا حُبها معنا، وفي الوقت نفسه لا مناص من ترك مساحة واسعة للإنجاز والمُثابرة ببطء لتحقيق النجاح الإبداعي.
ثمة مَن أعطى سارتون حفنة من الظلام في بداية حياتها؛ فأدركت قيمة العزلة عبرَ تحويل الحفنة الملغومة إلى هديةٍ أثيرة كالشعر مثلا، حيث انتشلها من عالمٍ قاسٍ وبليد يُجيد طرد الصريح والنزيه لاحقا، يبدو أن لا شيء يستدرج الاعتزال الأمين مثل الخذلان المُبطن بالنكران، فإما تعتزل وتغلف ما تبقى منكَ بالحنان والحكمة المُلمعة، وإما تمضي بلا حذرٍ لتصبحَ ريشة في مهب الريح، تنزلق ضائعة في أروقة الحياة الغائمة. «فكرتُ في السعادة،/كيف يتم نسجها من الصمت/في البيت الخالي كُل يومٍ؟/وكيف لا تكون مُفاجأة ولا تُعطى بسهولةٍ؟/لكن هي الخلق نفسه مثل نمو الشجرة/لَمْ يرها أحدٌ كيف تكبر، بل داخل اللحاء/هُناك دائرة أُخرى تنمو في الحلقة المُتوسعة/لَمْ يسمع أحدٌ من قبل أن الجذر يتعمق في الظلام/لكن الشجرة ترتفع رويدا رويدا/من خلال هذا العمل الداخلي/ثم تتألق أغصانها وتتلألأ أوراقها/فالسعادة تُنسج من هدوء الأوقات/وتضرب جذورها عميقا في المنزل وحده». هكذا دونت سارتون رؤيتها الحكيمة في قصيدة عمل السعادة، مُشبهة نمو السلام الداخلي وتطور الإحساس الخالد بالوقت بطبيعة الشجر، مُؤكدة أن السعادة هي خلق إنسان يتمتع بالوحدة والهدوء وليست مُفاجأة أو محض صدفة.
تنتمي نصوص الشاعرة إلى الشعر الاعترافي نوعا ما، يلتمس القارئ الفطن، أو الناقد الحاذق هذا الانتماء من القراءات الأولية، فهي شاعرة سيرة ذاتية، اعترفت بنمطِ حياتها ونهج معيشتها من خلال القصائد الآتية: (عمل السعادة، التأمل في ضوء الشمس، ونشيد العزلة). إن النوستالجيا والفشل في الحُب من الصفات المُميزة لشِعر الاعتراف. إذا كانَ للشِعر وظيفة مُعينة فهي بلا شك إيقاظ الناس من غير صدماتٍ مُعتادة ومن ثم الحفاظ على حالتهم النفسية والاجتماعية والإيحاء لهم بالرفقة والاطمئنان كالصلاة تماما، فالشعر هو الصلاة بالنسبةِ لمَن لا يجيدون الصلاة، يصور الشعر قوة تُحرك الراكد وشُعلة تُنير القارئ، سواء انتبه الشاعر إلى هذا أو لا، يكون الشعر الاعترافي الصادق مرآة نقية للنفس وعلاجا فعالا للروح المُهشمة.
إن الشعر الذي لا يكون على هذا النحو ليسَ شِعرا، بل هو نثر مريض ودخيل على عالم الشعر وذواته المُشعة بالشاعرية؛ لأنهُ وارثٌ لُغة مُترهلة ركيكة غير قادرة على الانضمام إلى جنسٍ مُحدد قائم بذاته، لذلك يصل صاحبها على حمالةِ مُفرداتٍ مُترددة وواهمة بالصدفة، فيرصفُ ما كتبه إلى جانب قصائد حنجرتها صافية دون حشرجاتٍ عنوة، مُفترضا ومُقنعا صوته الداخلي بأنهُ هكذا يجب أن يكونَ الشعر! يقع على عاتق الشاعر أن ينقلَ ما يراه وما يشعر بهِ ويتوقعه بأمانة وجودة تامة، أي أن الشغل الشاغل للشاعر هو كيفية نقل الشعر بعيدا عن هؤلاء الدخلاء المُتطفلين والكاذبين بقصائد ذكية ومُدهشة، ذات تناغم وإيقاع عالٍ آسر، كانت مي سارتون أنموذجا جليا وأخاذا – طبعا- على عدم الوقوع في فخ الغنائية البالية، والجمل المديدة الرتيبة.
تجاوزت الشاعرة المشاعر العامة وتسجيلها مثل: الحزن، الخيبة والفقدان وغيرها إلى البوح عن الأفكار، الذكريات الخاصة والهوامش اليومية، وهو الغرض الرئيس من الاعتراف، كُل قصيدة ناجحة هي فريدة من نوعها وشخصية، تُعيد إنعاش العالم وتكون بلسما للقارئ الرهيف لا مُحال.
رحلت عن العالم عام 1995 بعدَ تأسيس مجلة «العزلة» وبعد مسيرة حافلة بالثبات والتفكير في الشعر من أجل الخلاص والراحة، القصائد والعزلة هما أكثر ما اهتمت بهِ هذهِ الشاعرة والروائية المُستقلة للإبداع ونحت الهُوية، مُستخدمة بصيرتها ولُغتها الرفيعة للوصول إلى هدفها.
حافظ الشعراء الاعترافيون ومن بينهم سارتون على مستوى عالٍ من الدقة والحرفية في البناء الشِعري ليصبحوا ذوي تأثير علاجي شاف للقُراء ولأنفسهم قبل كُل شيء.
تعود جذور أسلوب الاعتراف إلى اعترافات أغسطينوس، عندما وثق تجاربه ومُعتقداته ومشاعره ويمكن إرجاعه إلى اعترافات روسو، صموئيل تايلر كولريدج، والت ويتمان في كتابه «أُغنية لنفسي» وأخيرا سيلفيا بلاث وآن سكستون وأتباعهما في الحركة الاعترافية.. لن أنسى أبدا أن الاعتراف هو وسيلة لتطوير العلاقات مع القُراء وكسب تفاعلهم، إن الاعتراف نداء يلفت انتباه مُتلقيه ويكون بمثابة المُتنفس لما هو مكبوت، ونظام فعال لنقل العواطف والصراعات إلى الشعر. يأمل الشاعر الاعترافي أن يكون خارج الزمن، خارج هذه الأيام المُظلمة البشعة، وكأنها عبارة مُخزية مكتوبة باللون الأحمر على الجدران، يريدُ أن يعيشَ بلا هزائم أو خذلان، يطلب اجتياز الذاكرة لتهدأ أعماقه، وليس من أجل التسلي عبر النسيان أو اللامُبالاة، يشطره الاغتراب الشجن إلى نصفين ولا يتذكر سوى تلك الطفولة الضائعة ولحظات الحُب الهاربة، لا شيء يسكن الذاكرة سوى المأساة الواردة من المنفى، يحترق داخل الشاعر الاعترافي الوجداني عندما يسخر من الواقع، دون أن يحسبَ حسابا لطُرقهِ المهددة وانتقامه الشرس المُحمل بالسموم.
كاتبة عراقية