“القدس العربي” تفتح ملف مصابي الحرب.. قلة الإمكانيات تثقل كاهل المنظومة الطبية.. ومصاعب كبيرة في توفير الطعام الصحي- (صور)

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة- “القدس العربي”: يواجه المصابون جراء الحرب الدامية التي تشنها دولة الاحتلال مصاعب كبيرة خلال مرحلة العلاج في المشافي، أو في الفترة التي تليها، حين يتم خروجهم من أقسام المبيت والعودة إلى أماكن إقامتهم، تتمثل بدايتها في صعوبة التأقلم مع وضع الإصابة، التي ألزمت الكثيرين منهم الفراش، في ظل حالة الخوف الشديد والطلب بإخلاء المنازل أو الأحياء السكنية جراء قصف أو توغل بري، كما يواجهون تحديات من أنواع أخرى لها علاقة بالمأكل والمشرب، اللذين يعدان من الأساسيات إلى جانب الأدوية، للتعافي من الجروح.

صعوبة الخدمات الطبية

وعلى أسرّة العلاج الممتلئة فوق طاقتها الاستيعابية في مشافي قطاع غزة التي لا تزال عاملة، يواجه المصابون ظروفاً قاسية، مجبرين على التأقلم عليها، بسبب الحرب الإسرائيلية.

ففي أقسام المشافي تتلاصق أسرة المصابين، وفي بعض الأوقات كانت الطواقم الطبية تضطر لوضع مصابين على سرير علاج واحد، فيما ينام بعضهم على أسرة خشبية غير مجهزة للمرضى، صنعت محلياً، ووضع بعضها في طرقات وممرات أقسام المشافي، لسد العجز الكبير في أسرة العلاج.

ويقول الطبيب محمد بدوان إنه وزملائه اضطروا مرات كثيرة لعلاج أكثر من مصاب على سرير علاج واحد، لعدم كفاية أسرة العلاج، ووصول عشرات الإصابات في وقت واحد.

وبسبب ظروف الحرب على غزة، التي أوقعت حتى اللحظة أكثر من 50 ألف إصابة، غالبيتها أصيبت بجراح خطرة وفوق المتوسطة، اضطرت المشافي لاستقبال حالات تفوق قدرتها بأكثر من خمسة أضعاف، فأقامت أقساماً جديدة من الخيام في ساحات المشافي، ووضعت الكثير من الأسرة في ساحات الأقسام الداخلية وبين الممرات، بعد أن وضعت في كل غرفة أسرة أخرى تضاعف عدد المخصصة لها، دون أن تستطيع حتى تخصيص سرير علاج لكل مصاب، فيومياً، وعلى مدار الساعة، ترد إصابات إلى المشافي، ما جعل الطواقم الطبية تواجه ظروفاً لم تعشها من قبل، وفي أسوأ الأحوال.

كما بات أمر وصول الطواقم الطبية للمصاب غير يسير، وحتى تقديم العلاج له بتطبيب جروحه وإجراء عملية الغيار اليومي، إذ يضطر الأطباء والممرضون للسير بحذر بين أسرة المرضى المتلاصقة، خشية من أن يصطدم أي منهم بمصاب، خاصة من أولئك الذين يعانون من كسور خطيرة، ومثبتة عظامهم بألواح معدنية من البلاتين، أو بمن أصيبوا بجراح غائرة، وهو أمر ينطبق أيضاً على الزوار أو مرافقي المرضى، خلال حركتهم المشافي.

ويقول أحمد، أحد الممرضين العاملين في مشفى شهداء الأقصى، وسط قطاع غزة لـ “القدس العربي”، وكان قد فرغ من إجراء عملية تنظيف لجروح أحد الشبان الذين أصيبوا جراء غارة إسرائيلية، أدت إلى تهتك عظام الساق، وجروح بالغة في عدة مناطق في جسده، إن المكان الذي اضطر فيه لإجراء الغيار الطبي غير ملائم، لافتاً إلى أن الازدحام الشديد في المكان، ينجم عنه بالعادة تعرّض من يعاني من جروح غائرة لالتهابات في مكان الإصابة، خاصة أن عملية الغيارات، تحتاج إلى مكان خال من الفيروسات، مشيراً إلى أن هذا الأمر خطير طبياً، ويساهم في إبطاء عملية التعافي.

وعلاوة عن ذلك، يواجه هذا الممرض وزملاؤه صعوبة في إجراء عملية الغيار الطبي، بسبب ضيق المكان، ويقول إن حامل الأدوية ومواد التطبيب بما تحتوي من مستلزمات وشاش وكحول طبية، لا يمكن تمريرها بين الأسرة بسبب ضيق المكان، ما يدفعه لحملها في كثير من الأوقات بين يديه.

ووفق الطواقم الطبية، فإنها تشير إلى أن أخطر الحالات الطبية التي يعملون على علاجها، تكون تلك التي جرى استخراجها من تحت الركام والأنقاض، حيث تكون تلك الحالات بوضع صعب جداً، جراء إصابتها بكسور عدة، مع وجود جروح غائرة في مكان الكسر، ما يضطر الأطباء لمداواة المصاب بطريقة لا تسمح بوضع جبيرة كاملة للإمساك بالكسر.

ازدحام المشافي

وليس هذا الأمر وحده ما يواجه المصابين خلال وجودهم على أسرة العلاج، ففي المشفى يرقد الشاب أشرف حرارة، الذي تعرض لإصابة، سبّبت له كسوراً في اليد اليمنى، وجروحاً في مناطق أخرى، بعد تعرض مكان سكنه لغارة جوية، أدت لانهيار المنزل عليه وعلى أفراد أسرته، حيث ظل يعاني لوقت وهو تحت الركام قبل أن يجري انتشاله وزوجته وأطفاله مصابين.

ويقول شقيقه الذي يرافقه في المشفى إنه يضطر للبقاء مستيقظ طوال الليل، لعدم وجود مكان لينام به، وأنه يغفو بصعوبة وهو جالس على الأرض لبعض الوقت، ما قد أنهك قواه وجعله غير قادر على خدمة شقيقه المصاب، لافتاً إلى أنه يواجه أيضاً صعوبة بالغة في مساعدة شقيقه على قضاء حاجته، لافتاً إلى أن الذهاب إلى الحمام ليس بالأمر السهل، فبسبب الازدحام على مرافق المريض مساعدته للسير مشياً ببط أو على عربة طبية، بين أسرة العلاج بحذر شديد، حتى الوصول إلى الحمامات، التي قد يضطر للانتظار طويلاً حتى يصل إليه الدور، بسبب كثرة المصابين ومرافقيهم في المشافي.

أما المريض أبو البراء فسفوس، فقد اشتكى من أن الغرفة التي يتواجد فيها، والمخصصة لشخصين، يكون فيها أكثر من عشرة أفراد من مرضى ومرافقيهم، ويقول إن هناك صعوبة كبيرة في الوصول إليهم من قبل الطواقم الطبية بسبب كثرة الأعداد، خاصة الموجودين في طرقات وممرات الأقسام، حيث اضطرت الطواقم الطبية لوضع أسرة علاج المصابين في كل ركن في المشفى.

ويقول هذا الرجل المسن لـ “القدس العربي”، الذي يعاني من مرض السكر، الذي أدى إلى بتر جزء من قدمه، أنه أصيب أيضاً بمرض كلوي، جعله يخضع لعملية غسيل كلى مؤخراً، ويوضح أنه بسبب زيادة عدد المرضى والمصابين في المشفى، يضطر للانتظار ساعات طويلة حتى وصول دوره في عملية الغسيل، ويخشى في ذات الوقت من إصابته بأمراض معدية في هذا الموسم تثقل من آلامه.

وفي السياق يقول الممرض خالد أحمد، أن أعداد المرضى والمصابين المتواجدين في المشافي في هذا الوقت، بسبب العدوان على غزة، تفوق قدرات الطواقم الطبية، لافتاً إلى أن هذه الفرق الطبية تعمل بكل جهد من أجل تقديم الخدمات الطبية في ظل الظروف الصعبة، ويشير إلى أن هذا الوضع يؤثر كثيراً على صحة المرضى والمصابين.

ويقول: “بسبب زيادة عدد المصابين نضطر في أغلب الأوقات لعلاج الكثير منهم عند وصولهم على أرض المستشفى”، ويشير هذا الممرض المسؤول عن طاقم التمريض في قسم الطوارئ في مشفى أبو يوسف النجار بمدينة رفح جنوب القطاع، إنهم بسبب الضغط الكبير على هذا المشفى الصغير، أقاموا خياماً في باحة خلفية صغيرة للمشفى، يجري فيها تقديم خدمات اسعاف وطوارئ عاجلة، وأخرى للمبيت.

ومن بين الصعوبات التي يواجهها المصابون، بعد انتهاء فترة العلاج في المشفى، حالة الخوف الشديدة من تعرض المكان الذين يتواجدون به لقصف جديد، حيث يصعب على هؤلاء الحركة بسهولة والفرار مسرعين كغيرهم من السكان، بسبب الإصابة بكسور أو بجروح بالغة، وقد سجل في مرات عديدة تعرض مواطنين لأكثر من إصابة منذ بداية الحرب.

وفي إحصائية وزارة الصحة، فقد فاق عدد الشهداء الذين سقطوا منذ بداية الحرب الإسرائيلية، على غزة في السابع من أكتوبر الماضي إلى 22 ألف شهيد، فيما فاق عدد المصابين الـ 56 ألفاً، غالبيتهم من الأطفال والنساء.

وعلاوة عن هذه المصاعب التي تواجه المصابين، هناك مشكلة كبيرة أخرى تواجههم، تتمثل في مأكلهم ومشربهم، غير المتوفرين بسهولة.

لا طعام

والمعروف أن المشافي لم تكن حتى قبل الحرب توفر وجبات طعام للمرضى، حيث كان المرضى يعتمدون على الطعام الذي تجهزه أسرهم في المنازل، أو يتم شراؤه من المطاعم، غير أن هذا الأمر بات صعباً وشبه مستحيل في هذا الوقت، بسبب ظروف الحرب القاهرة، على غالبية المصابين، خاصة النازحين منهم، أو أولئك الذين أصيبت عوائلهم أيضاً، في ظل صعوبة الحصول على الطعام وتجهيزه.

ففي هذا الوقت تزداد أكثر مصاعب سكان قطاع غزة جميعاً، في الحصول على الطعام، لعدة أسباب أولها، شح المواد الغذائية الموجودة في الأسواق، وهو أمر راجع للحصار الذي فرضته حكومة الاحتلال منذ اليوم الأول للحرب، واقتصار أمر دخول الطعام المعلب فقط عن طريق قوافل المساعدات، وهي قوافل لا تكفي إلا جزءاً بسيطاً من احتياجات السكان المحاصرين، إضافة إلى ارتفاع أثمان ما توفر من مواد غذائية لأضعاف ما كان عليه ثمنها سابقاً.

وعلى سبيل المثال، لم يعد في الأسواق إلا كميات قليلة من الدجاج والدواجن بشكل عام، كما يباع ثمن الكيلو غرام منها بنحو 30 شيكلاً “الدولار الأمريكي يساوي 3.75 شيكل”، بعد أن كان ثمنها يساوي العشرة شواكل، فيما يباع ثمن كيلو لحم الأبقار بـ 60 شيكلاً، والنوعان حال التوفر لدى أسرة ميسورة الحال، فإن تجهيزهما صعب جداً، لاحتياجهما إلى غاز الطهي غير متوفر بسبب ظروف الحرب والحصار، وهو ما اضطر العوائل في غزة، لتجهيز طعامها على مواقد النار.

ويشتكي غالبية المرضى من سوء أوضاعهم الاقتصادية، التي تحرمهم من شراء الأكل لأثمانه المرتفعة، وكذلك ومن عدم توفر كميات الطعام في الأسواق، بما فيها الأطعمة الجاهزة، بعد أن أغلقت غالية المطاعم أبوابها، لعدم توفر غاز الطهي والمواد الغذائية التي تحتاجها في صنع الطعام.

وحرم ذلك المصابين من تناول الأطعمة التي يوصي بها الأطباء، كاللحوم التي تحتوي على البروتينات، للمساعدة في التئام الجروح، والكثير من العصائر الطبيعية، خاصة بعد النزيف الذي ينجم عن الإصابة.

وتشتكي أحد الشابات التي ترافق شقيقتها الطفلة التي أصيبت بجراح غائرة جراء قصف إسرائيلي، بأنها تضطر في أغلب الأوقات لإطعام شقيقتها أجباناً وبقوليات معلبة، وفي أحسن الأحوال تطعمها علبة من اللحم المعلب، الذي لا تستطيع توفيره بسهولة لغلاء ثمنه.

وقد شاركها في ذلك عدد من النسوة من جاراتها في إحدى غرف المشفى، ومن بينهم سيدة في نهاية الأربعينيات ترافق ابنتها الشابة المصابة أيضاً، وتقول إن صعوبة الوصول إليهن من العائلة، بسبب صعوبة التنقل في الحرب وقلة المواصلات، يدفعها لشراء المعلبات لإطعام المصابة، وأنه منذ وصولهما، قبل أكثر من أسبوع، لم تطعمها إلا مرة كمية قليلة من اللحم المسلوق، جلبها أحد أفراد الأسرة، بعد تجهزيها في منزل أحد الأقارب، خاصة أن منزل العائلة دمر بسبب غارة إسرائيلية استهدفت المنطقة.

ويصعب أمر تجهيز الطعام المنزلي للمصابين، على تلك الأسر النازحة، والتي تركت منازلها في مدينة غزة والشمال، ولجأت إلى مناطق الوسط والجنوب، ولا يوجد لها معارف أو أصدقاء أو أقارب، في مناطق النزوح الجديدة، بعد استهداف الأماكن التي كانت تقيم بها قبل الإصابة.

معاناة المصابين النازحين

ومن تلك الحالات، محمد أبو الحسن، وهو ممن نزحوا من مدينة غزة إلى وسطها قسراً، بناء على قرارات جيش الاحتلال، وقد أصيب وابنته في مكان النزوح في مدينة دير البلح، ولا يزالان يرقدان على أسرة العلاج في المشفى، حيث أصيب هو بكسر في الظهر، وابنته بكسور في قدمها وجروح في الكثير من أنحاء الجسد.

هذا الرجل الذي يواجه صعوبة في توفير الطعام، حيث يرسل نجله الذي يرافقه في المشفى، فيما ترافق زوجته ابنته، يومياً للتجول حول المشفى علّه يحصل على طعام لشرائه، لكن دون جدوى، لافتاً إلى أنه يشتري يومياً وبثمن مرتفع، خبزاً يبيعه أحد الأطفال على للموجودين في القسم، تكون والدته قد جهزته على موقد من الحطب.

ويوزع تلك الكمية التي يشتريها يومياً على أسرته، وكغيرها من المصابين ومرافقيهم تأكل هذه الأسرة ما توفر من معلبات يتم شرائها بثمن مرتفع، فيما شاهدت “القدس العربي” أحد مرافقي المرضى بجواره، وهو يجهز طبقاً من السلطة الخضراء لأكلها مع المصاب.

ولم تمض سوى دقائق على الحديث مع هذا المصاب، حتى وصل أحمد، وهو طفل يبلغ من العمر 13 عاماً، يحمل بين يديه كمية صغيرة من الخبز، يبيعها لزبائنه المعروفين، ويقول إن والدته تجهز هذه الكمية، إذ يقطن وأسرته في باحة المشفى نازحاً من الحرب، بعد أن كانت تقطن أسرته إحدى مناطق شمال قطاع غزة.

وفي ساحة المشفى وبجانب سور المشفى الخارجي أقامت الكثير من الأسر النازحة خياماً لمبيتها، وهناك صنعت النساء الكثير من مواقد النار، لطهي طعامهم، فيما اضطر بعضهن لبيع الخبز للمساعدة في ظل الظروف الحياتية الصعبة.

وأمام البوابة الرئيسة للمشفى، وضعت بعض “بسطات” البيع وعليها كميات قليلة من المعلبات، فيما يبيع البعض الخضروات مرتفعة الثمن أيضاً، بعد أن أغلقت المحال التجارية والمطاعم في ذلك المكان أبوابها، بسبب نفاد الكميات كغيرها من محال ومطاعم غزة.

ويقول الدكتور خليل الدقران، الناطق باسم مستشفى الأقصى، لـ “القدس العربي” إن هناك أعداداً كبيرة من المصابين في المشفى، منهم إصابات خطيرة، ومن ضمن العدد الكلي هناك 50% من الأطفال، حيث يفوق عدد الموجودين قدرة المشفى بخمسة أضعاف.

وأشار إلى أنهم في المشفى لا يستطيعون تقديم أي وجبات طعام للمصابين، بسبب انقطاع المواد الغذائية والأدوية عن المشافي، ما يؤثر سلباً على وضع المصابين الصحي ويؤخر علاجهم والتئام جروحهم.

ويقول: “من يستطيع أن يحصل على رغيف خبر خلال يومين يكون حصل على شيء كبير”، لافتاً إلى أن المصابين في مشافي القطاع، يعانون من سوء تغذية، مؤكداً الحاجة الماسة لإدخال الطعام والأدوية والمستلزمات الطبية لإنقاذ حياة المصابين، وكذلك توفير حليب الأطفال الذي نفد أيضاً من المشافي.

ووفق الجهات الرسمية، فإن عدد الشهداء الذين سقطوا منذ بداية الحرب يقارب الـ 22 ألفاً، فيما يبلغ عدد المصابين نحو 56 ألف مصاب، غالبيتهم من الأطفال والنساء، ومن بين المصابين هناك من تعرضوا لإصابات خطيرة جداً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية