ذهب المسلمون في أساطيرهم إلى أنّ القلم هو أوّل ما خلق اللّه، وأوّل ما بدأ بذكره في الكتاب، وأنّه وصف نفسه بأنّه علّم بالقلم، وأبان أنّ صناعته أفضل الصّنائع. وكان للكتّاب والشّعراء منادح واسعة في وصف هذه الأداة (القلم) شعرا ونثرا. فقال فيه ابن المقـفـّع: «القلم من نعم اللـّه الجليلة ومواهبه الجزيلة… فهو الكيل السّابق والسـّكـّيت النـّاطق، به اتّسعت الأفهام، وضبطت العلوم والأحكام، ولولا الأقلام لضاق الكلام، وقلـّت الحكّام، ونسيت الأحكام».
وهذه الشّذرات وغيرها ممّا جاء شعرا وهو كثير، تبين عن الكتابة بوجهيها الفنّي الجمالي الرّاجع إلى علم الخط، واللّغوي اللّساني الرّاجع إلى علم الإملاء، أو ما يسمّى قديما بالهجاء، وهو يعنى بالعلاقة بين الرّمز المكتوب والصّوت المنطوق، ومدى مطابقة هذا لذاك أو قصور الكتابة عن تمثيل المنطوق تمثيلا كاملا وكثيرا ما يلتبس الوجهان في هذه الأقوال.
ولعلّ من أظهر ما في هذه الشّواهد وبخاصّة ما اتّصل منها بأحكام الكتابة من بري وقطّ واستمداد وتسوية وشكل ونقط، أنّ تصوّر الكتابة عند القدامى، معقود على آصرة متينة بين الزّمانيّ والمكانيّ أو بين الصّورة المنطوقة والصّورة المكتوبة، حتّى أنّهم استعاروا للخط ّ مصطلحات لغويّة نحويّة مثل اللـّحن والضّرورة في باب ما سموه «لحن الخطّ والتّسوية وما يجوز وما لا يجوز في ذلك وما يستحسن في الضرورات وما يستقبح». وممّا جاء فيه «فمن لحن الخطّ مدّ ما لا يجوز مدّه، وقصر ما لا يجوز قصره، وإفراد حرف من كلمة في غير سطره». وذكر المؤلّف أنّ المسلمين اختلفوا في قول عثمان: «إنّ في المصحف لحنا تقيمه العرب بألسنتها» وذهبت طائفة منهم إلى أنّ المراد -إن صحّت هذه المقالة – لحن الخطّ لا اللّفظ. ذلك أنّ زيدا بن ثابت كاتب الوحي (ت 45هـ) كتب المصحف بقلم مبسوط، فكان يقطع في بعض الأماكن اللّفظة، في آخر السّطر، ويجعل باقيها في السّطر الثّاني؛ فنبّه عثمان على أنّ هذا وإن كان لحنا في الخطّ لا يؤدّي إلى لحن في اللّفظ.
وجعلوا إيقاع الخطّ من إيقاع اليد الخاطّة، وحركته من حركتها، ووصلوا ما بينها وبين الفكر كما نجد في وصف أبي تمّام، حيث اليد الممسكة بالقلم، هي اليد-الفكر:
إذا ما امتطى الخمس اللّطاف وأفرغت عليه شعاب الفكر وهي حوافـل
إذا صرفنا النّظرـ عن صورة المسيل الحافل التي يتّخذها الفكر، ولعلّ مصدرها الماء نفسه، فهو لا يحمل في ذاته لونا ولا شكلا، ولذلك تنعكس فيه صور شتـّى الكائنات؛ إذ لو كان له لون أو شكل لما أمكن أن يعكس أيّ صورة ـ فإنّ حركة اليد في هذا الشّعر هي حركة الفكر ومجلى الكتابة. وعليه لا غرابة أن يدقـّق الشاعر وصف الأصابع الممسكة بالقلم، على نحو ما نجد في المصنـّفات المخصوصة بالكتابة فـ»صفة مسكه[القلم] بالإبهام والوسطى غير مقبوضة، لأنّ ببسط الأصابع يتمكّن الكاتب من إدارة القلم، ولا يتّكئ على القلم الاتّكاء الشّديد المضعف له، ولا يمسك الإمساك الضّعيف فيضعف اقتداره في الخطّ…» أو قولهم: «إذا أراد [الكاتب] يأخذ القلم فيتّكئ على الخنصر، ويعتمد بسائر أصابعه على القلم، ويعتمد بالوسطى على البنصر، ويرفع السّبّابة على القلم، ويعمل بالإبهام في دوره وتحريكه».
ولولا خشية أن نرمى بالتمحّل على هذه النـّصوص، لحملناها على معنى الكتابة كما يراها بارت، فهو يذهب إلى أنّ حقيقة الكتابة «في اليد التي تضغط وتسطـّر وتنقاد، أي في الجسد الذي ينبض (الذي يستمتع)». ويضيف في الموضع ذاته: «إذا كنّا نرفض «الايديوغرام» [رسم الفكرة] فلأنـّنا نسعى دون انقطاع، في غربنا، أن نحلّ سلطة الكلمة، محلّ سلطة الحركة… إنّ الحركة … موجودة في عمق الإيديوغرام مثل نوع من الأثر التـّصوير، مبخّر». ويبيّن أنّ البشر زاولوا طويلا الكتابة اليدويّة، ما عدا الطّباعة. ولذلك فـ»إنّ مسيرة اليد، وليس إدراك أثرها المرئيّ، كان الفعل الأساس الذي تحدّ بواسطته، الآداب وتتدارس، وترتّب».
على أنّ حركة اليد، في هذا الأدب الذي نحن به، ليست حركة الفكر ومجلى الكتابة فحسب؛ فاليد محفوفة بجملة من الرّموز والمعاني مثل القوّة والقدرة والسـّلطة،
أماّ إذا حصرنا هذه المعاني في اليد الخاطّة أو الكاتبة، فلا نظنّ أنـّنا نجانب الصّواب ما تأوّلناها على أنّها اليد «الأسطوريّة» صانعة الأداة، ورمز القوّة الخالقة قوّة الكلمة أو اليد- الفكر المتحرّرة من سلطان المادّة أي «اليد الإلهيّة» أو»يد الله» من حيث هي صورة استعاريّة تجسّد «اللاّمرئي»، ولكنّها تخرق المقدّس في الآن ذاته. وقد نكون في الصّميم من هذه الكتابة، ما أخذنا بالاعتبار كلّ هذه العناصر(القلم واليد والعقل) على أنّها عناصر متواشجة تتظافر في حدّ الكتابة من حيث هي خلق بالعقل (وهو صفة من صفات القلم) ، والنظر(وهو سواء حملناه على البصر أو البصيرة تبصّر وتأمّل وتدبّر أي صفة من صفات العقـل، كما يدلّ على ذلك المتواتر اللـّغوي « عين الصّواب» أو « عين العقل» أو المأثور من الأقوال مثل «القلم لسان البصر» أو «بنوء الأقلام يصوب غيث الحكمة»)، واليد (وهي ذات معان مجازيّة متـشعّبة مثل الجاه والقدرة والسّلطان وأوّل الشيء والأمر النّافذ والقهر والغلبة والحفظ والوقاية…) وإذا أضفنا إلى ذلك عنصر الماء ـ وصلته في المتخيّل الدّيني بعمليّة الخلق أجلى من أن نتبسّط فيها ـ ساغ لنا أن نتأوّل كلمة «قلم» دون تحميلها فوق ما تحتمل- على أنّها رمز يجسّم الكلمة المقدّسة أو الكلمة من حيث هي جوهر خلاّق. ولكن دون أن يفضي بنا ذلك إلى ذات الاستنتاج الذي يخلص إليه الباحث التونسي محمّد عجينة في قوله إنّ القلم «قرين اللّوح والكتاب، وعنوان الانتقال من حضارة شفويّة إلى أخرى مكتوبة تقدّس الكلمة، كلمة الله، وتقدّس الكتاب، وإذن فهو حافظ اللّغة والمعنى والتّاريخ وحافظ القيم وضامن كلّ شيء، مانع له أن يذهب هباء منثورا في الدّنيا والآخرة».
ومسوّغات تحفظّنا على هذا الاستنتاج ترجع إلى ضرورة التّمييـز بين «الكتاب» و«المصحف» أو بين النّص الأم الشّفهيّ (الوحي) والنّص القرآنيّ المكتوب. وقد كان الكتاب يعني من جملة ما يعني الكتابة المتحرّرة من كلّ جسمانيّة، لأنّها الأقدر، في المعتقد الدّينيّ، على تعيين الأشياء الرّوحيّة المجرّدة، دون أن تجسّمها أو تضفي صورة عليها، لسبب قد لا يخفى، وهو أنّ الكلام نفسه، في هذا المعتقد، من طبيعة إلهيّة. ومن ثمّة فهو الذي يناسب أكثر الموضوعات الإلهيّة والأشياء العقليّة. والكتابة بهذا المعنى، تجنح إلى اللّغة المنطوقة أكثر من جنوحها إلى شكلها التّدوينيّ. وربّما نمّ ذلك على ذهنيّة كانت تنتسب إلى رسوخ مبدأ التّسمية في المسمّى، أو معنى الكلمة باعتبارها الجوهر الخلاّق، حيث التشديد على الوجود الذّهنيّ أو «الرّوحي» للشّيء. وقد يتعذّر أن نفهم الوحي، من حيث هو كتاب غير مكتوب، ما لم نأخذ بالحسبان أنّ الحقيقة اللّغويّة في المتخيّل الدّينيّ، تحتكم إلى المسموع والمحفوظ في الذ ّاكرة أو الحافظة أكثر من احتكامها إلى ما هو مكتوب. ولهذا المتخيّل ما يسوّغه لسانيّا فـ «الكتابة تنسخ معالم اللّغة، الحقيقيّة، وهي ليست رداء اللّغة بل شيء تتنكّر به».
ولعلّ هذا المبدأ أن يعلل سببا من أسباب خلوّ الكتابة العربيّة قبل الإسلام وفي طورها الأوّل، من الإعجام والشـّكل. وربّما كان في ذلك أكثر من دلالة على الآصرة المتينة بين الزّمانيّ والمكانيّ في الكتابة العربيّة، أو بين المنطوق والمكتوب، حيث المرئيّ في الصّورة المكتوبة ضرب من الحدس، يستدعي أبدا صورته المنطوقة. وهي آصرة لم تنقطع في تاريخ الكتابة العربيّة، حتّى عند استحكام قواعدها وأصولها، وأخذها بالإعجام والشّكل، فقد ظلـّت «تتجاهل قيمة الحرف الصـّوتي وتترك للقارئ استنتاجه» على حين أنّ الإغريق مثلا أدخلوا الإشارة الصّوتيّة إلى الأبجديّة، منذ أوّل حدثانها.
ولا ينبغي أن نتعجـّل فنحمل الأمر على أنّه مظهر من تخلّف الكتابة العربيّة، فلعلّه كان دلالة على معنى من معاني الجمع بين المقروء والمسموع أو بين المرئيّ الحسـّي والغيبيّ الحدسيّ، حتّى أنّ ظهور بعض الخطوط مثل الثّلث والنّسخ والمحقّق، يبدو كأنّه كان وقفا على القرآن.
وبسبب من هذا وغيره، يتعذّر أن نرسم حدّا فاصلا، في الثقافة العربيّة بين شفهيّ وكتابيّ أو أن نتخذ من أدوات الكتابة المطـّردة في الشـّعر والقرآن، أدلّة على الانتقال من حضارة شفويّة إلى أخرى مكتوبة. والقلم « القرآنيّ» نفسه محفوف بأكثر من أسطورة تقرنه بمعان شتّى مثل الخطّ أو الكتابة والعقل والقدر… وهو الأساس في نظريّة التّوقيف الإلهيّ في نشأة الخطّ حيث يجري القلم بقضاء من اللّه وقدر، كما يذهب إلى ذلك محي الدين بن عربي.
منصف الوهايبي