بيروت ـ «القدس العربي»: حين قدّمت نيفين كلاّس عرضها الراقص «فصل» في مترو المدينة مع خواتيم العام الماضي، أظنّها، ورغم ثقتها بما جنته من تدريب، لم تكن تدرك أنها ستلقى ترحيباً جماً. فنانة تحرّكت رقصاً على مسرح مديد المساحة. فيما انتصبت بمواجهة الحضور شاشة عملاقة، تحمل رسم إنسان من خطوط، ودائرة للرأس. رسم خام كما يجسّد الأطفال ذاتهم أو الآخرين.
لم يستغرق الوقت طويلاً لندرك أننا حيال راقصة غير معهودة. نيفين كلاّس كانت على المسرح بملابس عادية تماماً، وجوارب تقيها البرد، كما جميعنا. وهي من تقصد آلة التسجيل إلى جانب المسرح لتشغيل الموسيقى، بين حركة وأخرى من عرضها.
اختارت كلاّس لـ«فصل» أغنيات لها حضورها في الوجدان. ربما يختلف هذا الحضور بين أجيال شابة، وأخرى سابقة. إنما هي أغنيات لها صفة العلامة الفارقة في حياة البعض. كل من يقصد عرضاً راقصاً سيتخيّل دون شك أن التعبير الجسدي سيتماهى مع نوعية الموسيقى وايقاعها. في «فصل» كانت نيفين كلاّس إزاء عرض حركي، لكنّه لم يقترب في لحظة من ترجمة الموسيقى على حركة الجسد. كانت مشدودة إلى تحريك الكلمات باللغة العربية. ففي بحثها لتأسيس بنية عرضها جذبتها «الكسرة، والفتحة والضمة». جسدتها على الشاشة بأسلوب الأنيمايشن الساكن. وراح جسدها يتكسّر ويتجبّر وفقها ربما. وراح وجعها يتصاعد بوضوح، وبدا الفرق شاسعاً بين ما كانته في البدايات والختام. وكأن كلاّس حيال بحث وتجسيد لفلسفة الوجع.
خاضت نيفين كلاّس بحثاً حركياً ولّد مفردات وخطوطا عريضة إنما بصيغة غير ثابتة. ففي العرض الذي كنّا حياله، ظهر أنها لم تعتمد قوالب محددة خلال التمارين. ولا خلال العرض. كما أنها تتمتع بكل الجاهزية باللجوء لأية وسيلة تمنحها حرية التعبير المطلقة التي تنشدها.
إذاً ليس لعرضها قالبه الجاهز وحركته المبرمجة. فبعد تمارين مصورة في الأستوديو نأت بنفسها عن التصوير. وأبلغت ذاتها «سأرتمي في البحر وأسبح» وعين منذر بعلبكي التي كانت ترصدها، وجدت في قرارها الصواب.
شكّلت حركة نيفين كلاّس في بعض اللحظات حالة قاسية وغير معهودة في الرقص، وفيها بلغت بداية النهاية. لكنّ تلك القساوة سرعان ما انقلبت بإيقاعها داخل المتلقي، تماماً كما وافق منذ البدء على رحلة حركية يترافق فيها مع نيفين كلاّس. راقصة ليس لمتلق أن يتخيّل، أنها تقدّم بعضاً من عرضها والحزن يعتصرها، بل والدمع يكاد ينفر من مقلتيها. لكنه حدث واقعي. وفي المقابل لها مساحة فرح غير ظاهرة، وهي التي تغذي حركتها.
أما الختام فكان مسك بين جمهور طرح عليه عرض «فصل» أسئلة، فكان لصاحبته تصفيق حاد ترك دمعها يترقرق.
مع نيفين كلاّس هذا الحوار:
○ «فصل» أداء حركي ترافقه موسيقى طربية مختارة. المفارقة أن الجسد لا يطرب بل يتحرّك آلياً. هل هي ذكريات مرّة مع تلك الموسيقى؟
• تضحك قبل أن تجيب: أكيد هي ذكريات جميلة وأخرى مرّة. أغنية جورج وسوف كانت الأولى بين الأغنيات التي اخترتها لعرض «فصل». «أوعديني» أغنية غير منتشرة لجورج وسوف، تتسلل إلى الأعصاب وتوقظ ذكريات بعينها. «أوعديني» تذكرني بوالدي رحمه الله، وكذلك ملحم بركات. اخترت أغنيات قريبة من أكثرية الناس، ولم يسبق وضعها على المسرح بهذا الشكل.
○ لكنّ السؤال يستمر عن الحركة المناقضة لإيقاع الموسيقى؟
• لم أهدف ترجمة الموسيقى حرفياً على حركة الجسد. في المشروع الذي جسّدته في عرض «فصل» أنه تحليل حركي. وكذلك ارتجال في الأستوديو وصولاً لأدوات استعملها على المسرح، ونوع الرقص الذي أعتمده. إنه مزج بين ما أحتاجه من أدوات، وما أريد قوله. دائماً أبحث عن أدوات جديدة تخدم المنطق الذي سأقوله في العرض. إيماني أكيد بأن التغيير ضروري في مسيرة الراقص، وطالما حافظ الراقص على نضوج عاطفي دائم، فإن حركته ستنضج مع خبرة حياته. وبالتأكيد مع خبرته المهنية وتغذية سلته الثقافية بما يشبهه، وبما أننا حيال «فتحة، وضمّة، وكسرة» فالجسد سيبحث في معانيها، وتلك المعاني لن تكون موحدة بين الجميع، حتى أنها ستختلف بين ما أنا عليه اليوم، واليوم التالي. ولهذا السبب تركت الإرتجال يحرّك عملي فهو يشبه الحقيقة والصدق، فاللعب على المسرح يشبه اللعب مع المجهول.
○ ألا يخيفك الارتجال في عرض طويل؟
• اعتمد في الارتجال على الارتجال و(تضحك). لا يخيفني.
○ يلتقط المتفرّج جدلاً بين الجسد وعلامات تشكيل اللغة العربية وينفر لبرهة من حركة تكعيبية. كيف نجحت في تبديل المشاعر سريعاً؟
• للحركة قيمة موازية للكلمة. الحركة كما الكلمة لها عدّة معاني، تختلف باختلاف من يلقي تلك الحركة. هكذا تكون الحركة مكسورة، ومفتوحة وغير ذلك. قد يكون وصفك لهذا الحركة بالتكعيبية جميلاً، والحركة المكسورة جيدة كذلك. إنها التمارين التي تجعل الجسد مستعداً للانتقال السريع في حالته التعبيرية. قلت في النص الذي قدّمت فيه عرض «فصل» بأن «الصوت ممنوع ومخنوق.. والتواصل محدود..» إذاً لنا القول بأن الجسد هو الصوت.
○ كيف جرى الربط بين علامات التشكيل وإيقاع حركة الجسد؟
• إنه لعب مع الجسد، والذكريات، ومع المضحك والموجع، ببساطة مطلقة.
○ يتكسّر الجسد ويُعاد بناؤه من جديد، لماذا وبأي هدف؟
• يمكنني ربط السؤال بالذي سبقه ومصدر الحركة التي وصفتها بالتكعيبية. داخل حركة الجسد هناك تفصيل صغير وشخصي جداً. مزجت بين العصب الذي هو نبضي، وبين مخزون حركي حققته على مدار سنوات، ووصلت إلى ما يشبهني في حالي الحاضر. في جانب ما هناك جسد مكسور تعب، وفي الوقت عينه الحساسية موجودة، وهذا ما تمّ عرضه للجمهور.
○ مع أغنية وصفولي الصبر مما هربت زحفاً إلى الخلف؟
• في حياتي محطات هروب لا سبب مباشرا لها. عندما كنت في الأستوديو وجدت بأني سأكون على الأرض في لحظة ما مع أغنية «وصفولي الصبر». اللحظة عينها حددت الزحف، ونفّذتها، استجابة لحدْثي. شكّلت كلمة «صبر» في إطار من الكولاج. قد يكون صبراً مشتركاً أو عائلياً؟ هي حسابات متشابكة تحدث في لحظة، مع العلم أن الحسابات التي تتولّد على المسرح سريعة.
○ الأداء الحركي الذي وصلنا أوحى بوجع ينضح من الجسد جميعه. هل هي قراءة صحيحة؟
• أقصد الأستوديو لأقول ما عجزت عن فعله في الحياة. عملي وحده هو مساحة تعبيري الخاصة، الوجع كما الفرح وجه من الحياة، وأنا أزخرفه بالرقص. استمتاعي بالفرح، يوازي استمتاعي بالوجع. عندما أرغب بالتعبير أباشر البحث الذي قد يستمر بين سنتين وخمس سنوات.
○ وما هي موضوعاتك في الرقص؟
• أول موضوع بحثته هو «هوس الرقص» أي الرقص كحالة مرضية. وبحثي الحالي هو تحريك الكتابة باللغة العربية. ليس للرقص أن يوضع على الخشبة بعيداً عن المنطق.
○ ولهذا السبب تجللت عيناك بالدموع على المسرح؟
• ليس في الصدق مشاعر مخفية. كنت بصدد اللعب «ع المفتوح» فإن قررت الدمعة ان تنهمر لن أقمعها. الراقص على المسرح يعيش لحظته، لا أن يكون وجهاً منفصلاً عن الجسد.
○ أين هي مكانة أغنية «ساعات» في ذاكرتك العميقة؟
• ساعات أغنية موجودة فينا جميعاً. أظن أن الأعمار كافة ترندحها. قبل أسبوع من العرض جرى توقيت الأغنية في الختام.
○ ما هي بطاقة تعريف نيفين كلاّس؟
• فنانة لبنانية، ممثلة ومصممة رقص. أحمل إجازة في الدراما من الجامعة اللبنانية. أمارس الفنون القتالية وتقنية الووشو جون. منذ سنة 2009 وأنا أتدرب على تقنيات رقص متعددة مع فنانين محليين وعالميين.