أيال زيسر
يتقاتل وزراء الحكومة فيما بينهم في الأسابيع الأخيرة حول مسألة البحث في مستقبل القطاع “في اليوم التالي” أو تأجيل البحث حتى انتهاء الجيش الإسرائيلي من المهمة المكلف بها، هزيمة حماس، وتدمير قدراتها العسكرية وإسقاط حكمها في غزة.
هذا بحث لا ينتظر؛ لأن الحديث لا يدور عن مسألة نظرية لمستقبل بعيد. وذلك على فرض أن إسرائيل لن تتراجع أولاً بل ستواصل القتال ضد حماس حتى تهزمها. “اليوم التالي” جرى حله الآن، على الأقل في شمال القطاع، وأولاً وقبل كل شيء، في مدينة غزة.
قبل نحو أسبوعين، أفاد الناطق العسكري الإسرائيلي بأنه “استكمل تفكيك إطار حماس العسكري في شمال القطاع” وأن “للجيش الإسرائيلي سيطرة عملياتية شبه كاملة في هذا المجال”. هذا الإنجاز هو الذي قبع في أساس الانتقال إلى مرحلة ثالثة للحرب، الذي أعلن عنه وزير الدفاع يوآف غالنت. في إطار هذه المرحلة، سيقلص الجيش الإسرائيلي نطاق أعمال قواته في شمال القطاع، ولاحقاً في وسط القطاع ومنطقة خان يونس، بعد ضرب حماس أيضاً. وعندها سينتقل الجيش الإسرائيلي من “مرحلة المناورة المكثفة” التي تنطوي على استخدام مكثف للقوات، إلى “عمليات خاصة” تعتمد على اجتياحات ودوريات لقوات صغيرة من الجيش الإسرائيلي، لكن هذا يبقى دون الاحتفاظ بمعظم أراضي القطاع. وبالفعل، يتبين من تقارير الصحافيين العاملين في شمالي القطاع أن الجيش الإسرائيلي انسحب من معظم المنطقة التي احتلها في مدينة غزة ومخيمات اللاجئين حولها، وأن قواته انتشرت في محور الشاطئ غربي غزة وفي “رواق نتساريم” الذي يفصل بين شمال القطاع وجنوبه.
المعنى أن مدينة غزة ومحيطها، حيث لا يزال نحو 200 ألف من السكان، بقيت في فراغ سلطوي تملأه حالياً منظمات دولية ووكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة وعلى رأسها “الأونروا”. إضافة إلى ذلك، بضغط من الولايات المتحدة التي طالبت كما هو معروف بالسماح للغزيين الذين فروا من شمال القطاع العودة إلى بيوتهم، وافقت إسرائيل على السماح لوفد من الأمم المتحدة بالتجول في المنطقة للتعرف على الواقع وعلى الاحتياجات وإعداد خطة لعودة أولئك الغزيين إلى بيوتهم.
غير أنه لا يوجد فراغ في الحياة الحقيقية، وإذا لم يملأه أحد في شمال القطاع فستعود حماس لتحكم المنطقة – أولاً تدير حياة السكان، ثم ترمم بناها التحتية الإرهابية، وإن كان بشكل جزئي ومحدود.
مخطئ إذن من يعتقد أن الأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية ستمنع مثل هذه “العودة”، إذ إن بعضها وخصوصاً الأونروا، ليست سوى متعاونة مع حماس بل وتمنحها، وإن لم يكن بشكل معلن ومقصود، وتساعدها، على هيئة توزيع أدوار، وتحرص فيها المنظمات الدولية على احتياجات السكان بينما تسيطر حماس على المنطقة والسكان. ثمة تقسيم عمل مشابه جنوبي لبنان، حيث أصبحت “اليونيفيل” متعاونة مع “حزب الله” تمنحها الغطاء والشرعية.
لاعتبارات معروفة، وبالطبع مغلوطة، تمتنع إسرائيل إذن عن حكم مباشر في شمال القطاع أو تحمل على عاتقها مسؤولية حياة السكان. والمفهوم القابع وسط هذه السياسة، يقوم على افتراض أن الأمر ينطوي على كلفة مالية عالية، سيؤدي إلى احتكاك مع السكان المحليين وإلى إرهاب مستمر سيجبي اثماناً من الجيش الإسرائيلي وأخيراً أيضاً يثير نقداً دولياً على إسرائيل.
غير أن الحديث يدور عن المفهوم الذي أدى بنا إلى 7 أكتوبر، والمصيبة التي كانت كلفتها الاقتصادية وثمنها بحياة الإنسان أعلى عشرات الأضعاف من بديل الحكم المباشر في القطاع.
ما ينبغي لإسرائيل فعله هو أن تحكم كل أجزاء القطاع التي احتلتها بشكل مباشر، وبالتأكيد في المدى المنظور للعيان إلى حين وجود الجهة، إذا ما وجدت، التي يمكنها أن تنقل المسؤولية عن القطاع إليها. يجب طرد عموم المتعاونين مع حماس من هذه المناطق، وعلى رأسهم منظمة الأونروا، وإقامة حكم عسكري فيها يمنع الفراغ السلطوي الذي معناه عودة حماس. المعضلة واضحة: إما نحن من يحكم المنطقة أو حماس.
إسرائيل اليوم 14/1/2024