ايريس ليعال
جلس غادي آيزنكوت أمام إيلانا ديان، ووجهه يمثل طبوغرافيا من الحزن، ثم تحدث. بدا للحبكة خطان، محادثتان مختلفتان، لكن آيزنكوت حولهما إلى قصة واحدة: فقدان ابنه الشاب غال مئير، والأفق السياسي الذي يرفض نتنياهو السير فيه لأسباب سياسية. لذا، اختارت ديان قطع الفيلم الذي وقف فيه آيزنكوت على قبر ابنه ووعده بصوت منكسر بألا يكون موته وموت أصدقائه عبثاً: “أعدك بأننا سنبذل كل ما في استطاعتنا لنكون جديرين بما ضحيت بنفسك من أجله”. قال في حينه والآن يفي بهذا الوعد.
أقوال آيزنكوت كانت الفعل، كان هدفها إبعاد المشاهدين عقلياً عن المكان الذي زجتهم فيه الحكومة ووسائل الإعلام كي يكون بالإمكان أحداث التغيير. الادعاء الأول الذي دحضه هو كذبة العملية العسكرية على اعتبار أنها الطريقة الوحيدة لتحرير المخطوفين. “من يعول على العمليات بصيغة “عنتيبة” فعليه التوقف. لن يحدث شيء من هذا”، قال ووجه أقواله للشخص الذي يعيش في ظل بطولة شقيقه ويشتاق إلى تكرار عملية الإنقاذ البطولية. ولكنه كان موجهاً أيضاً للمشاهدين الذين من بينهم أشخاص من الساحة السياسية والعسكرية والأمنية، وأضاف بحزم: “لا يمكن إعادة المخطوفين أحياء قريباً من دون صفقة، وكل من يبيع الخداع للجمهور فهو بائع خداع”.
تحدث آيزنكوت طوال المقابلة كشخص لا يخاف من فقدان شيء، لأنه فقد كل شيء وله هدف واحد، وهو الوفاء بوعده لابنه. تمسك بهذا الهدف حتى النهاية. فقد كشف عن العملية الخطيرة التي حاول الكابنت إخراجها إلى حيز التنفيذ، ونجح في وقفها. “لو هاجمنا لبنان لحققنا حلم السنوار الاستراتيجي”، قال؛ أي توريط إسرائيل في حرب شاملة. لم يحاول إخفاء عدم ثقته برئيس الحكومة نتنياهو، وانتقد علناً قرار وقف الصفقة والتنازل عن إعادة المخطوفين السبعة.
كان هذا احتفالاً بمشاركة المشاهدين. شبيهاً بغالنت وغانتس، دخل آيزنكوت إلى السياسة كجنرال سابق، وهذه موضة سياسية خيبت الآمال حتى الآن، لكنهم بقوا جنرالات مع رصيد من الكلمات التقنية ورؤية محدودة، في حين أن وعي آيزنكوت خلع الزي العسكري والأوسمة. فقدان ابنه جعله يتلمس كلمات جديدة. حزنه مكنه من أن يرى في إعادة المخطوفين قيمة تسبق ضرب العدو وحتى تصفية السنوار.
هل تقول قيادتنا الحقيقة للجمهور؟ سألت ديان. فرد ببساطة “لا”. حملت هذه المقابلة الكثير من طبقات المعاني. ولكن فوق كل شيء، استخدم آيزنكوت كلمات لكشف الحقيقة. الكذب كأسلوب عمل، لم يتسلل إلى السياسة بالصدفة، فقرر آيزنكوت القضاء عليه. في اليسار هناك من قللوا من أهمية المقابلة بذريعة أنها لم تأت بجديد، لكن هذا يعكس عدم فهم كبير؛ فالحقيقة قيلت وقالها رئيس أركان سابق وعضو في مجلس الحرب ووزير: لم يتم تحقيق أي انتصار كامل على حماس. الإنجازات العسكرية محدودة، ولكن الحرب لم تعد دائرة، لذا يجب التحدث عن المستقبل الآن.
وقلل رجال بلاط نتنياهو من أهمية اللحظة أيضاً، وقالوا: هاكم، مرة أخرى وُلد مسيح جديد للمعسكر الليبرالي. ما أقلقهم هو الخطوط التي رسمها آيزنكوت لتفكيك حكومة طوارئ: عندما تمتد الحرب لأسباب سياسية، وعندما تتلاشى الإنجازات العسكرية لعدم وجود قرار حول اليوم التالي، وعندما يعرف الجمهور بعدم بذل كل شيء لإطلاق سراح المخطوفين. وقد أوضح بدون شك أنه لم تعد حاجة للتوسل لغانتس من أجل الانسحاب من الحكومة. فقريباً سيفعل ذلك من أجل نفسه وأجلنا.
هآرتس 3/1/2024