الكتابة ما بين الإحيائية والحضور والغياب

اقترنت الكتابة أول نشأتها أو في المجتمعات التي لم تكن ذائعة فيها، بالسحر والأسطورة، وهي التي كانت مثار دهشة وفتنة وإعجاب. ويبدو أن مختلف التقاليد الثقافية الأقدم عرفت بنسبة أو بأخرى، نوعا من «الإحيائية» Animisme كانت تثيرها الأبجدية سواء الصوتية منها أو الرسمية أي تلك التي قامت على رسم الصوت أو تلك التي قامت على رسم الشيء. وربما تعذر الفصل بينهما عند العرب في ثقافتهم الإسلامية، وهم الذين سموا الكتابة رسما، ومن معاني «رسم» كتب وخط؛ وشبهوا النطق بالخط والتصوير.
وربما كان من السائغ أن نقول بناء على ما تقدم، إن الكلمة صورة تنطوي على صورة، سواء انبنت العلامة بين الكلمة والصوت على قانون المشابهة والمطابقة والرمزية أو على ترابط المجاورة والاستبدال آلكنائي. فالكلمة في هذه الحال أو في تلك طقس سحري أو «سحر تعاطفي» سواء اتخذ هيئة التعاطف القائم على المشابهة أو هيئة «السحر التجاوري» القائم على المجاورة؛ ما يفسر ظواهر بلاغية مثل الاستعارة والكناية خاصة. وعلى هذا الأساس تحضر الكلمة من حيث هي صورة خطية وعلامة بيانية، حضورا مضاعفا أي في ذاتها وفي تمثلها، وتجمع بذلك بين وظيفتين: جمالية وتوصيلية، بل لعلها تصهرهما في وظيفة إبداعية واحدة، إذ هي تنزع الأشياء من أقنومها وتفتح أغلاقها، لتعيد إنتاجها أو لتخلقها خلقا ثانيا. ومن ثم كان آمتزاج الكتابة بالأسطورة، والصورة بالإحيائية. ونقدّر أن هذا جزء من جوهر الكتابة لا ينفصل عنها ولا يفارقها.
أما الفرق بين الكلمة والصورة كلما تعلق الأمر بهذا الواقع «المؤنسن» الذي تؤدي عنه الكتابة فهو فرق بين الكلمة والشيء، مثلما هو فرق بين الشيء وصورته المفهومية. فالكلمة في «خارجانية» الأشياء، منفصمة عن المحسوسات، دونما أي إمكان لرأب الصدع. هي أشبه بطاق زخرفي أو نافذة في الجدار تزيينية. بل إن علاقتها بعالم الأشياء علاقة توق إلى الماضي. وحقيقة الكلمة إنما هي في الماضي أبدا، بل أن الكلمة (المكتوبة) نفسها شيء جديد في عالم الأشياء. إن الشيء يظهر على هذه الصورة أو تلك بالنسبة إلى من يدركه ويعلن عنه أو يتمثله. وفي هذا المستوى فإن الكلمة وصورتها المفهومية تتشابهان، فهما تتمثلان حلول الإنسان في الكون وتكونان نظام استدلاله وسط ما يحيط به. لكن هذا التشابه لا يحجب عن الفرق بينهما، وهو فرق يكمن في طبيعة العلاقة الناشئة بينهما من ناحية، وبين الذوات والأشياء من ناحية أخرى. وتصور الأشياء أو قولها إنما يبدأ على أساس من تقسيم العالم إلى مجموعتين متعارضتين: مجموعة الأشياء ومجموعة الذوات. وإذا كانت الأولى من الوضوح بمكان لأنها تنضوي إلى عالم المحسوسات الماثلة للعيان، فإن الثانية ملتبسة أو هي غير واضحة الوضوح كله.

أما الفرق بين الكلمة والصورة كلما تعلق الأمر بهذا الواقع «المؤنسن» الذي تؤدي عنه الكتابة فهو فرق بين الكلمة والشيء، مثلما هو فرق بين الشيء وصورته المفهومية. فالكلمة في «خارجانية» الأشياء، منفصمة عن المحسوسات، دونما أي إمكان لرأب الصدع. هي أشبه بطاق زخرفي أو نافذة في الجدار تزيينية.

إذا كانت آلكلمة وآلصورة المستدعاة بواسطتها تدلان بآلدرجة نفسها على آلشيء نفسه، فمرد ذلك إلى أنهما تعنيان انتساب هذا الشيء إلى عالم الأشياء. وهذا الانتساب حكم مصدره الفكر إذ هو حاصل تصور مفاده أن الشيء المسمى، أو المشار إليه يقع خارج من يسميه أو يشير إليه. فالشيء في الطبيعة سابق الوجود، ولهذا يستشعر الإنسان حاجة إلى تسميته، بل هو، أكثر من ذلك وأبعد، يشد طرفه إلى عوالم يجهل طبيعتها وكنهها، إن كان لها طبيعة وكنه، فأكثرها من منشآت خياله وعقله؛ ويتطاول إلى مقام أشياء وظواهر يراها غاصة بالمجاهل والغوامض، حافلة بالأسرار والأعاجيب. فيتطلع إلى تسميتها، كلما غشيته من أمرها، الحيرة؛ عسى أن يهتدي بالتسمية إلى جلاء غياهبها والكشف عن أسرارها، وينفذ باللغة إلى ما يعتقد أنه الحق الكامن وراء المظاهر والظواهر أو ربما لأنه يتصور أن في إمكانه السيطرة عليها، بفعل التسمية.
تبدو الكتابة إذن محكومة في كل عناصرها ببنية الحضور والغياب، فهي تنهض على سجلين اثنين: سجل الكلام وسجل الخط. والكلام يتسع للأداء الناشئ في ملفوظ شفهي، كما هو الشأن في اللسان المتداول، مثلما يتسع للأداء اللغوي الذي يصنع المكتوب. فهو، من هذا الجانب، أقرب ما يكون إلى مفهوم «التلفظ».
والحق أن الكلمتين تطردان وكأنهما مترادفتان على الرغم من أن هناك فرقا بينهما فـ«آلتلفظ» من حيث هو الفعل الذي ينتج ملفوظا مفهوم مجرد خالص، في حين أن الكلام، في تعريفه استدراكا على دوسوسير، يجمع المجرد والمحسوس معا، ويشير إلى أداء غير قابل للإدراك، مثلما يشير إلى مجلاه السماعي أو المرئي في آن. وعليه فقد يكون من المفيد أن نستأنس بـ»الكلام» من حيث هو مفهوم يحوي «إوالية» الأداء التلفظي الفردي وتحويل اللغة إلى خطاب، متنبهين إلى ضرورة التمييز بين «الكلام» من جهة، و«الخطاب» و«الملفوظ» من جهة أخرى.
فكل من هذين هو على طريقته، محصلة أداء لغوي فردي محكوم بإرادة الفرد المتكلم ومهارته، قائم على صور مخصوصة من الحرية والإبداع، مثلما هو محكوم ببنية الغياب والحضور آلتي تحكم كل عناصر الكتابة. فإذا كان الكلام منطوقا أبدا، فإن الكتابة مكتوبة أبدا. وغياب الكلمة ملفوظة لا يعادله إلا حضورها مكتوبة. والأمر ضرب من حذف الصوت وإحلال النظر محله، وكأن الكلمة المكتوبة إذ «تخرس» الكلمة الملفوظة أو «تفحمها»؛ وهي تنشد سندا في غير الشفهي، تتأدى بفضل الغياب الذي تشير إليه. والكتابة بهذا المعنى إخفاء ومواراة وخطف ومفارقة. ويتعزز طابعها هذا بعنصرين آخرين قد يكونان من أهم مقتضياتها وميزاتها: المتكلم الغائب في الكتابة، ووجود الكتابة في مادة (حامل) وبها. وليس من شأن هذين العنصرين أن يكونا نظاما متوافقا ولا أن يستوفيا حد الكتابة حدا نطمئن إليه، بل لعل الجامع بينهما هو الصدفة المحض، فلا شيء بينهما يشير إلى ترابط ما أو توافق ما، بل هما متعارضان كأشد ما يكون التعارض، فأحدهما سالب (المتكلم الغائب) والآخر(الحامل) موجب، بل إن طبيعة كل منهما نسبة إلى قرينه، شاذة غريبة غير قياسية، تؤكد ما أثبتناه أن الكتابة نظام خليط خواص وعناصر، بل إن طبيعتهما هذه تصرفنا حتى عن مجرد التفكير في أنهما يتمثلان مكونين جزئيين للتخاطب الكتابي، كاملين متكاملين، على أن المعاصرين من الفلاسفة والمفكرين خاصة، يقرون دون كبير جدال بأن المتكلم غائب في الكتابة، لكنهم يربطون هذا الغياب بـ«المادية الكتابية» أو «الحقيقة الكتابية» كما لو أنهما متطابقان، أو أن كلا منهما يندرج تحت الآخر ويُطوى في ثناياه. والحق أن بعضهم يعترض على هذا التصور، ولعل جون فرنسوا ليوتار يكون أبرزهم. فهو يرى أن حد الكتابة لا يتسنى دون حد الهيئة، الذي يتعلق بها «المقروء» وبيان الوضع الذي يتخذه ما بين الخطاب والصورة. ويذهب إلى أن غياب المتكلم هو العيار الذي يتيح لنا تصنيف المقروء ووضعه. فالمقروء إنما حافزه السماع وليس النظر. وهو يذهب إلى أن القارئ لا يرى ما يقرأ، وإنما ينشد أن يسمع المعنى معنى الشيء الذي أراد قوله المتكلم الغائب الذي هو صانع المكتوب.
ويلاحظ أن الكتابة شأنها شأن الكلام لا توفر، من هذا الجانب أي صلابة لعقل الخطاب. والاختلاف بينهما ـ وهو اختلاف بين شكلي الحضور حضور المعنى الملفوظ؛ يرجع إلى مقام التخاطب وحيزه المكاني الزماني. فالكلام يقتضي حضور المتكلم والمخاطب كليهما. ويكفي أن نحذف حضور المتكلم لنحصل على الكتابة». ولعل أهم ما نخلص إليه من تحليله القائم على مقابلة بين «المقروء» و«المكتوب» أو بين دال صوتي وعلامة مكتوبة، أن الغياب هو الذي ينشئ الكتابة ويقدها. فليس ثمة كتابة خالصة أو مثالية، لأن أي كتابة هي غير قابلة للإدراك أو للأداء إلا صوتيا. فلا بد من قراءة صامتة ومن تحويل الرموز أو العلامات المكتوبة إلى كلام داخلي أو باطني. أي أن المكتوب لا يكون إلا في اللحظة ذاتها التي يغيب فيها عن حامله. والكتابة بهذا المعنى ليست» الكلام الميت» وإنما «الكلام الحي».
إذن قد تخدعنا الكتابة، على نحو ما تخدعنا الصورة اليوم، وقد تموه علينا، خاصة كلما تجافى كثير أو قليل منا عن أمانة النقل وصدق التحري، واسترسل مع نزعات النفس ونوازع التحيز؛ فتلونت كتابته بمزاجه وثقافته ومواقفه.. وربما اجتذبنا إلى علائق خاصة لا سند لها من الواقع.
والأمر هنا أشبه بتعبير الحلم فهو لا يتكون من صور الحلم، وإنما من سرد الحالم لها، أي أن الصور الحلمية التي تمثل قاعدة التعبير، أو التفسير ليست صور الحلم «محلوما»؛ وإنما تلك التي يرويها إنسان مستيقظ، ويستدعيها من حيث هي حمالة معنى.

كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية