دمشق – «القدس العربي»: انطلقت، أمس الأربعاء، في العاصمة الكازاخستانية أعمال الاجتماع الدولي حول سوريا بصيغة أستانا 21، والتي تنتهي، اليوم الخميس، في ظل تأثيرات فرضتها الحرب الإسرائيلية على غزة، والتطورات الإقليمية التي تلقى بانعكاساتها على سوريا، إذ يجمع مراقبون أن الهدف الأول من وراء عقد جولة جديدة في مسار التعاون بين الضامنين الدوليين هو الحفاظ على الثوابت التي أقرتها صيغة أستانا، وإبقاء مناطق النفوذ والفيدراليات العسكرية التي فرضت على الجغرافية السورية في ظل وضع المنطقة الملتهب، في محاولة للحفاظ على سوريا في حالة من الاستقرار بالرغم من ارتدادات أزمة غزة عليها.
ويرأس وفد المعارضة السورية أحمد توما، بينما يرأس وفد النظام نائب وزير الخارجية بسام صباغ، كما تشارك في الاجتماعات نائبة ممثل الأمم المتحدة في سوريا نجاة رشدي.
ويمثل الوفد التركي في اجتماعات أستانا 21، أحمد يلدز نائب وزير الخارجية، فيما يرأس ألكساندر لافرينتيف ممثل الرئيس الروسي إلى سوريا وفد بلاده، ومستشار الشؤون السياسية في وزارة الخارجية الإيرانية علي أصغر حاجي وفد طهران، إضافة إلى هيئات من الأردن والعراق ولبنان بصفة مراقبين، حيث أجرت هذه الوفود لقاءات ثنائية بمشاركة الأمم المتحدة.
وتناقش الاجتماعات على مدى يومين جملة من القضايا وسط تصاعد التوتر في المنطقة، أهمها ملف التقارب السوري – التركي، والتصعيد العسكري على الحدود السورية – الأردنية، والسورية – العراقية، إضافة إلى تغير الوضع الإقليمي بشأن سوريا، والجهود المبذولة للتوصل إلى حل شامل، والوضع الإنساني هناك، وسيطرح المجتمعون ملف إعادة إعمار سوريا وحشد المجتمع الدولي لتسهيله، إضافة إلى ملفات تدابير بناء الثقة مثل مكافحة الإرهاب في سوريا والإفراج عن المعتقلين وكشف مصير المفقودين.
لخفض حدة الصراع في ظل وضع المنطقة الملتهب على برميل من البارود
السفير الإيراني في سوريا حسين أكبري، قال في تصريح صحافي إن هذه الجولة ستناقش ملف التقارب السوري- التركي، الذي شهد حالة من الجمود بعد الانتخابات الرئاسية التركية. وأضاف في هذا الصدد: «قبل الانتخابات الرئاسية التركية كدنا أن نصل إلى نتيجة، لكن بعد الانتخابات كانت هناك حالة من الغموض من الطرفين بعضهما لبعض، نحن نسعى إلى أن نرفع هذا الغموض بين الدولتين في جلسة أستانا المقبلة».
وقال مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرينتيف، إن «أهمية اجتماعات صيغة أستانا تتزايد في ظل الأحداث المثيرة للقلق في العالم، وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط، أنتم شاهدون على المأساة التي تحدث في قطاع غزة، ومدى تفاقم النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وما يحيط باليمن»، وفق ما نقلته قناة «روسيا اليوم».
وأضاف: «لقد شهدتم هجمات التحالف البريطاني- الأمريكي على الأراضي اليمنية، والوضع المضطرب أيضاً على الحدود اللبنانية، ولذلك تتزايد الآن أهمية إجراء اجتماع دولي عن سوريا، وهناك إجماع كبير على مفاوضات ثنائية وثلاثية معمقة، ليس فقط بين الدول الراعية، ولكن أيضاً مع جميع المعنيين بالأزمة».
وقبيل الاجتماع، قال المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون التسوية السورية، ألكسندر لافرينتيف، إن صيغة أستانا للتسوية في سوريا لها أهمية في ظل التوتر بالشرق الأوسط، وتأتي بناء على طلب الدول الضامنة بهدف المحافظة على مسار التسوية.
واعتبر لافرينتيف أن الجولة الحالة «فرصة لمناقشة عدد من القضايا ومنها التوتر على الحدود السورية الأردنية والسورية العراقية».
وكانت الجولة الأخيرة من مسار أستانا قد ركزت على عملية تطبيع العلاقات السياسية بين أنقرة والنظام السوري، وسط تباينات بين الجانبين حول انسحاب القوات التركية من الأراضي السورية.
ومن المتوقع إصدار بيان ختامي في نهاية الاجتماع الذي يحضره وفود البلدان الضامنة لعملية أستانا، روسيا وإيران وتركيا، وتحضره الأمم المتحدة، والأردن ولبنان والعراق كبلدان مراقبة.
الكاتب المحلل السياسي، باسل معراوي، اعتبر في تصريح لـ «القدس العربي» أن كل الدول بما فيها الولايات المتحدة تريد الحفاظ على الوضع الراهن لخطوط القتال وعدم تغييرها وخفض حدة الصراع، إذ إن الملفات المتداخلة بينهم ووضع المنطقة الملتهب على برميل من البارود، يدفع الفرقاء لتهدئة خطوط القتال في سوريا، وعدم انعكاس نتائج الصراع الإقليمي عليها.
جولة أستانة 21 ليست جولة سورية وفق رأي المتحدث، بل تعقد «تحت غطاء الحرب السورية وهذه الدول الثلاث لديها ملفات شائكة متداخلة بينها ولا تريد الاصطدام مع بعض، فالروس منغمسون في حربهم ضد الناتو بالوكالة، والإيرانيون يخوضون مواجهات دامية عبر أذرعهم في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر مع التحالف الغربي، ويقومون بالتصعيد عبر الأذرع العراقية ضد قواعد الولايات المتحدة في سوريا والعراق وغير مستعدين لأي تصعيد مع الجانب التركي، فيما يبدو أن الأتراك مرتاحون أكثر من غيرهم، ويشنون حربهم الجوية على قسد شرق الفرات برضى أمريكي ومتحفزون لإملاء أي فراغ في الساحة السورية سيتركه الروس والإيرانيون المنهكون».
وبالنسبة للمعارضة السورية، قال: «لا يتمتع وفد المعارضة الذي شارك بجولات أستانة الـ20 السابقة بأية شعبية أو قبول لدى الجمهور السوري». وعبّر المتحدث عن اعتقاده أن مسار أستانة السوري قد مات فعلاً، وقد أعلنت ذلك العاصمة الكازاخية عندما أعلنت نهاية المسار في العام الماضي.
وكانت كازاخستان قد أعلنت توقف المسار عند جولته العشرين، بينما أعلنت روسيا حينها أن «صيغة أستانا» مستمرة كرؤية سياسية جماعية للدول الأعضاء فيها. إلا أنها عقدت جولة جديدة استجابة لرغبة المبعوث الأممي غير بيدرسون، الذي قال: «إن العالم يحتاج إلى إنهاء الحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس سريعاً. ومشكلة غزة تتسرب إلى سوريا».
وعبّر في حديث في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس عن قلقه بسبب «اتساع نطاق الحرب والتصعيد» وقال: «لا توجد حالياً أفكار جادة قائمة بخصوص الملف السوري، لافتاً إلى أن «مشكلة غزة تتسرب إلى سوريا».
ومنذ تأسيس هذا المسار بعد مأساة حلب وخروج الثورة منها، «بدأت مرحلة مهمة من التراجعات العسكرية بعد 2017 حيث قامت الدول الثلاث الفاعلة (روسيا، وتركيا، وإيران) بتأسيس هذا المسار لتبادل المنافع بينهم وعدم الاشتباك المباشر بين قوات البلدان الثلاثة، وبالطبع لم يكن متوازناً هذا المسار من لحظة تأسيسه حيث ضم حليفي النظام مقابل حليف وراعي المعارضة وهو التركي.
الكاتب والمحلل السياسي درويش خليفة، استبعد في تصريح لـ «القدس العربي» حدوث أي اختراق في الوضع السوري، وأبدى المتحدث توقعه أن تنتهي الجولة بالاتفاق على الحفاظ على الوضع الحالي، وهي مناطق النفوذ والفيدراليات العسكرية التي فرضت على السوريين وعلى الجغرافية السورية وهو ما تريد الدول الحفاظ عليه بما فيه الولايات المتحدة الأمريكية.
وقال: «اليوم الملف مركون على الرفوف، بينما يحاول المبعوث الأممي والدول المتداخلة في سوريا، تحريك المياه الراكدة من خلال مسار أستانة، ولا نتوقع أي جديد وهذا الوضع الراهن ربما يذهب إلى 5 سنوات أخرى، اليوم الإقليم كله ملتهب، وسوريا معنية بهذا اللهيب، فضلاً عن فتح جبهة جديدة كانت شبه باردة على الحدود السورية الأردنية».
وأضاف درويش: «نحن ذاهبون باتجاه مسارات أكثر سخونة، لكنها تفتر في بعض الأحيان، وكله يعتمد على مدى جدية الدول المتداخلة في إيجاد حل للسوريين وهذا الحل غير ناضج حالياً والجميع ينتظر الرؤية الأمريكية، ولا أعتقد أن هناك أي طرف قادر على إنتاج حل بمفرده أو حتى بشكل ثنائي روسي- تركي، أو تركي – إيراني، والوضع يتطلب مبادرة من الولايات المتحدة الأمريكية يكون معني فيها المتداخلين «إيران وروسيا وتركيا»، لكن الولايات لاعب أساسي، وإن لم تكن جزءاً من الحل فلن يكون هناك حل في المستقبل القريب».
وبدأت محادثات أستانة عام 2017 برعاية الدول الضامنة تركيا وروسيا وإيران من أجل إيجاد حل للأزمة السياسية في سوريا.
وعقدت الجولة السابقة من اجتماعات «مسار أستانة» الخاصة بالشأن السوري عقدت يومي 20 و21 يونيو/ حزيران 2023. حيث أُصدر المجتمعون بياناً ختامياً ركز على نقاط عدة أبرزها: «أهمية التنسيق مع عمل وزارات الدفاع والخدمات الخاصة في سوريا وروسيا وإيران وتركيا، ومواصلة الجهود النشطة في هذا الاتجاه، والاعتراف بأهمية دفع هذه العملية وفق حسن النية وحسن الجوار لمكافحة الإرهاب، والتصميم على مواصلة التعاون لمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره ومواجهة الخطط والانفصالية، وإدانة نشاط التنظيمات الإرهابية في سوريا وضرورة تنفيذ جميع الاتفاقات القائمة المتعلقة بشمالي سوريا تنفيذاً كاملاً».