بعد أن فجرت حماس صفقة المخطوفين السابقة كانت واضحة جداً: لا صفقات أخرى قبل نهاية حرب إسرائيل في غزة وانسحاب كامل للجيش الإسرائيلي. قدرت إسرائيل بأن يحيى السنوار ندم على قرار الموافقة على تحرير 100 مخطوف (77 إسرائيلياً و23 أجنبياً). أما حماس فقدرت بأن المجتمع الإسرائيلي لن يتمكن من العودة إلى القتال، وأن الضغط لإعادة المخطوفين وعدد الإصابات الكبير سيؤدي إلى إنهاء طبيعي للحرب.
عندما استؤنفت الحرب – بخلاف نبوءات الغضب التي انطلقت في إسرائيل أيضاً – بدأ “محور المقاومة” يدرك أن التصميم الإسرائيلي حقيقي. الإيمان الأصولي بضعف المجتمع الإسرائيلي الداخلي تبين أنه كاذب. تقدم الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة مبهر، جذري؛ والخسائر الفادحة لا تتسبب بعلة في تأييد الحرب. سيقدم ممثلو حماس جوابهم للمسؤولين المصريين والقطريين، وإذا كانت مصرة على إنهاء تام للحرب، فقد تعلن عن ذلك فوراً، لكنها لم تفعل هذا. وإذا تراجعت حماس بالفعل عن شرطها المركزي لوقف الحرب، فسيكون هذا إنجازاً إسرائيلياً ملموساً جداً، أي نتيجة مباشرة لنجاحات القتال في غزة، خصوصاً في خان يونس، من فوق وتحتها.
إسرائيل تريد الصفقة. والسبب مفهوم: إعادة المخطوفين. الاتهامات التي انطلقت في إسرائيل في الأسابيع الأخيرة وكأنه هدف أصبح ثانوياً أو منسياً، لا أساس له. فما من موضوع عليه إجماع مثله في “كابينت الحرب” وأساساً في جهاز الأمن بكل أقسامه.
توجد شكاوى حادة ضد نتنياهو، لكنها تكتيكية في أساسها: أنه يعرقل، ولا يدفع بما يكفي، ولا يبدي ما يكفي من تصميم. لكن إعادة المخطوفين موضوع أكبر حتى من رئيس وزراء إسرائيل. رؤساء الموساد و”الشباك” والأركان، واللواء نيتسان ألون، ومنظومة الأسرى والمفقودين كلها، واللجنة النضالية للعائلات، والدور الأمريكي، و”كابينت الحرب”، كل هؤلاء لن يسمحوا بدحر إعادة الإسرائيليين الموجودين في أنفاق حماس. من يريد دليلاً حصل عليه أمس، بالطريقة التي عقب فيها جون كيربي من مجلس الأمن القومي على تصريحات نتنياهو: “هو حر بأن يتحدث باسمه، هناك تقدم في صفقة أسرى”.
القطريون والمصريون يعطون إحساساً بأن الصفقة باتت خلف الزاوية. هذا منوط بجواب حماس، ومن الأفضل انتظاره. مسألة الثمن صعبة ومعقدة جداً. عندما تحدث نتنياهو في الكلية العسكرية “بني دافيد” في “عاليه”، وقال إن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من قطاع غزة ولن يحرر آلاف المخربين، فإنه تحدث عن المرحلة الأولى؛ تلك التي في إطارها سيتحرر حتى 40 إسرائيلياً كـ “تحرر إنساني”، لكن تحرير المخطوفين يحتاج لمرحلتين أخريين. في النهاية، سيصل هذا إلى الآلاف (في ضوء الثمن الذي ثبته نتنياهو نفسه في صفقة شاليط، لأكثر من 1000 سجين لقاء جندي واحد).
الأسئلة الكبرى استراتيجية وذات مغزى، حتى أهم من عدد السجناء أو هوياتهم. فمثلاً: هل ستنسحب إسرائيل في مرحلة ما من رواق “نتساريم” وتسمح بعودة الغزيين إلى شمال القطاع؟ لن يحصل هذا في المرحلة الأولى، من ناحيتها. لكن ماذا عن المرحلتين الثانية والثالثة؟ وسؤال آخر: هل سينال السنوار ورفاقه حصانة من الاغتيال، وماذا ستكون عليه طبيعة هذه الحصانة؟ هل سنشاهد مؤتمر “نصر” للسنوار في رفح؟ شهران ليسا هدنة قصيرة، مثلما في المرة السابقة.
الصفقة تخدم إسرائيل من ناحية أخرى، استراتيجية: فاحتمال الوصول إلى تسوية في الشمال تمنع الحرب وتسمح بعودة السكان إلى هناك. في الهدنة السابقة، وضع “حزب الله” سلاحه. وإسرائيل (بخلاف موقف وزير الدفاع يوآف غالنت الذي حذر بتقديم هذه المهلة لـ “حزب الله”). أما هذه المرة، فإسرائيل معنية بوقف النار، لزمن طويل، لشهر ونصف – شهرين. وهكذا يتمكن “حزب الله” من النزول عن الشجرة العالية التي تسلقها: ما دامت الحرب في غزة، سيتواصل الهجوم في الشمال. خلال ذلك، ربما تقرر إسرائيل إعادة قسم من السكان إلى بيوتهم، وتسريع مسيرة سياسية مع مبعوث الإدارة عاموس هوكشتاين، وبالتوازي الاستعداد لإمكانية حملة عسكرية إسرائيلية مبادر إليها في لبنان، إذا ما فشلت الجهود كلها.
نداف أيال
يديعوت أحرونوت 31/1/2024