بيروت – «القدس العربي»: عدد خاص لمجلة «دراسات فلسطينية» صدر في بيروت بغلاف مميز رسمه الفنان سامر الكعبي، تحت عنوان «سلام لغزة». تضمن العدد مقالات تحليلية، وبحثية اجتماعية ومعمارية وإعلامية، وسياسة، إلى بحث في الغناء الشعبي، وحيز للشعر بعضه لشهيدات وشهداء سقطوا في غزّة. وخاتمة العدد الخاص «وثيقة خاصة» تضمنت الكلمة التي توجه بها القائد العام لكتائب عز الدين القسام للفلسطينيين ولكافة الشعوب العربية وغيرها بعد عملية طوفان الأقصى.
قارب عدد الكتّاب والشعراء في عدد «سلام لغزة» الخمسين. وتوزعت محتويات العدد بين مداخل، وحوارية، ومحور الأسرى والحرية، والإعلام والسردية، والإعمار والعمارة، والاجتماع والثقافة، والشعر، وتقرير فلسطين، والقراءات، والختام مع «وثيقة خاصة».
إلى مقال رئيس التحرير الياس خوري «أين تقع غزّة»، الذي ختمه بـ«حكام العالم العربي الذين أعلنوا افلاسهم وعجزهم. فخرجوا من التاريخ وتحولوا إلى أصفار. وسيدفعون الثمن».
وفي مقاله وصف حيدر عيد، أستاذ الأدب في جامعة الأقصى ـ غزة ردات الفعل الدولية بأنها لم ترتق إلى مستوى المجازر التي تركبها اسرائيل، و«بما أن الأوليغارشية العربية غير مكترثة أو عاجزة أو متواطئة، فإن اسرائيل صعّدت جرائمها بطريقة غير مسبوقة (…) وما تبق لنا ليس الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والقمم العربية والإسلامية. وإنما قوة الشعب الذي احترف الصمود». «ثم جاء الطوفان: العالم قبل عبور تشرين وبعده»، عنوان مقالة سيف دعنا ـ عميد كلية العلوم الاجتماعية ـ جامعة «ويسكونسين».
وفي ختامه كتب: ما يمكننا أن ندركه نحن الآن، بحدود زماننا ومكاننا، أن مساراً تاريخياً جديداً ونوعياً قد بدأ في 7 تشرين الأول/اكتوبر بفعل الطوفان الفلسطيني، الذي يبشّر بانقلاب تاريخي على مستوى سيكون أبعد من الإقليم بالتأكيد. والأمر الذي يمكننا الحسم به هو أن طوفان محمد الضيف، سيكون بالضرورة أحد أهم الأحداث التي تؤسس للتحول العظيم الذي يقف العالم الآن على أعتابه. عالم جديد يمكن أن تشكّل أعوامه الأولى، فعلاً لقرن أمريكي معكوس.
وللحوارية مع المفكر الفلسطيني خالد عودة الله نكهتها التاريخية المرتبطة بالحاضر. أجرى الحوار عبد الرحيم الشيخ، بدءاً من لحظة العبور الكبير للمقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر/تشرين الأول، وحتى منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2023. المفكر عودة الله من قرية بيت حانينا، شمالي القدس المحتلّة. يرى المحاور في هذه الحوارية «رحلة ذات مسارات متشابكة في التاريخ السياسي والاجتماعي والعسكري للقدس وفلسطين. أما خالد عودة الله فيرى التحرير ممكنا والحرية ممكنة، لكن دونهما تحرير المعرفة عن الذات وعن العدو.
استحوذ محور الإعلام والسردية على اهتمام بارز، خاصة وأن الإعلام في معركة طوفان الأقصى شكل جبهة موازية. فالكذب والفبركات الصهيونية والمدعومة من الإعلام الغربي، كان لها فعلها في الرأي العام العالمي في البدايات، وعندما بدأت السردية الفلسطينية تحتل مكانتها، بدأ الرأي العام بالتحوّل. بعنوان «محددات بناء سردية مناهضة للدعاية الصهيونية المخادعة»، كتبت نهوند القادري عيسى، الأستاذة الجامعية والباحثة في شؤون الإعلام والاتصال مقالاً خلُصت في نهايته «أن لا وصفة جاهزة لبناء سردية مناهضة، بل لا بد من طرح الأفكار، وبناء الخطط، والحفر في أرضنا نحن، وتوظيف ما لدينا من طاقات وكفاءات بالطرق الملائمة، كل من موقعه، وبما يليق بالقضية المحمّلة بالمعاني الإنسانية، وهي القضية الفلسطينية».
سلام لغزة عدد ثري بموضوعاته يحاكي ثراء المفاجآت، التي أعدها المقاومون للعدو. مقالات محيرة ماذا نذكر منها، وماذا نترك؟ لكن المعماري والأستاذ في جامعة بيرزيت خيري بشارة حكى عن الأمل. وهذا ما يشكل سؤالاً ملحاً لدى العدو والصديق. كيف للشعب الفلسطيني كل هذا الأمل؟
في مقالته تحدث عن العمارة والترميم، وعن المفاهيم لدى الرازحين تحت الاستعمار العنيف وغير الإنساني. كمثال للأمل عاد بشارة إلى مسيرات العودة الكبرى سنة 2018 والتي استمرت على مدار ستة أشهر وكل يوم جمعة. كانت مسيرات سلمية عند «السلك» شارك فيها أهل غزة أطفالاً ونساء وشباباً وشيوخاً، وذلك لتسجيل رفضهم للحصار المفروض. وكتب بشارة «هكذا يصبح الزمن، في السياق الاستعماري، سلاح الضعفاء والمحرومين، ففي ظل الحصار المستمر، هناك فائض من الانتظار، ووفرة من الوقت، وحُزم من الآمال والأحلام».
وكان للشعر واحته وشعراؤه، منهم من رحل ومنهم من استشهد في العدوان على غزّة. هبة أبو ندى (1991ـ 2023» استشهدت في 20 تشرين الأول/أكتوبر. من قصيدتها «روح مجرّة» نقتطع خاتمتها: أعيذُكِ أن تُصابي.. أو تُعاني.. فقد حوّطت بالسبع.. المثاني.. من الفسفور طعم البرتقال.. وألوان السحاب.. من الدخانِ.. أعيذُكِ.. إنّ من عشِقا وماتا.. سينقشعُ الغُبارُ.. ويضحكا.
تشكل مجلة «دراسات فلسطينية» في عددها الخاص «سلام لغزة» مرجعاً على مستويات بحثية متعددة، فهو يحاكي لحظة تحولات كبرى ستأتي تباعاً بعد طوفان محمد الضيف.