علاء ميناوي: حُلمي بناء نصب تذكاري في غزّة عن الصمود رغم المجاز الصهيونية

زهرة مرعي
حجم الخط
1

يتابع نجاحات المتدربين في مدرسة بيروت لفنون الأداء

بيروت ـ «القدس العربي»: ينشط المسرحي الفلسطيني ـ اللبناني علاء ميناوي في بيروت من خلال مدرسة بيروت الصيفية لفنون المسرح والأداء. بعد مسرحية «يوم لم ينته» العام الماضي، قدّم المتدربون في المدرسة عرضين مسرحيين منفصلين هما «الفيل يللي بالأوضة» و«آخر خرطوشة». والعرضان نالا ردود فعل مشجعة. وبهذا يكون صاحب مدرسة بيروت الصيفية قد نال جزاء من المتدربين ومن الجمهور.

في الجانب الشخصي يتألم علاء ميناوي على ناس غزّة الصامدين بوجه آلة القتل الصهيونية التي يصفها بأنها غير مسبوقة في التاريخ. يوثق قدر الممكن ما يحصل «كي لا ننسى» بحسبه. ويصف السلوك الصهيوني تجاه المدنيين بأنه «قتل للاستمتاع» في حين يقتل الحيوان الأقوى فريسته ليأكلها. مع علاء ميناوي هذا الحوار:
○ مسرحية «آخر خرطوشة» هل العنوان من وحي الحاضر الذي نعيشه؟
• المسرحية من كتابة وإخراج ميشال زلّوعا وناريه كوركجيان، وهما قررا عنوان عرضهما. بظني أنهما يقصدان «آخر خرطوشة» للبلد، ولهما شخصياً في إطار جهودهما لكتابة وإخراج مسرحية، بعد مرورهما في الكثير من التجارب.
○ قرأنا في «آخر خرطوشة» علاقات البشر والإشكاليات فيما بينهم بدءاً من البيت مروراً بالدراسة والعمل والزواج. كمسرحي وشاب ماذا عنى لك النص؟
• عندما وقع الاختيار على هذا النص لفتت الفكرة الأساسية الانتباه. نادراً ما نجد شباباً يكتبون أفكارهم، ويضعون معاناتهم على المسرح. فمن خلال المسرحية بتنا على تماس مباشر مع الاشكاليات التي يمر بها الشباب. فـ»ميشال وناريه» في عمر العشرينات، اهتممت بنصهما جداً، لأنهما حكيا ذاتهما، وعرضاها على المسرح ممثلة من قبل غاييل عائلة وتيريزا صالح. إذاً هي معاناة قد تكون مشتركة مع كثير من الشباب نتيجة الواقع الذي يعيشونه في لبنان. والمعاناة تجاوزت غياب الكهرباء والماء، لتتصل بعلاقات هؤلاء الشباب مع ذويهم، وبذاتهم وأين يمكن لهم تحقيق النجاح في الحياة، وهذا ما وجدته قوياً كفكرة مسرحية.
○ نلاحظ أن الجيل الجديد يعتمد البوح وهو ما كانت تفتقده الأجيال السابقة؟
• النص الذي كتبه «ناريه وميشال» يعني لهما الكثير على الصعيد الشخصي، وهذا أمر إيجابي. عبرّا بشفافية، دون كوابح وحواجز. والإيجابية الأكبر تكمن في كسر جدران التعبير التي تحاصرنا كشرقيين، وخاصة على صعيد المشاعر. كمسرحي لم يسبق أن تابعت عروضاً تعبّر عن المشاعر بهذه البساطة. واللافت إن جيلاً جديداً قرر البوح بصراحة، وأن أجيالاً سبقتهم قدّرت تلك الصراحة، وهذا ما لمسته من الجمهور.
○ ما هي دلالات وجود حوار «بدنا نكتب مسرحية» داخل العرض؟ هل يساعد المسرح على تفكيك المتاعب من الداخل؟
• يبحث أحدنا ملياً في داخله سائلاً نفسه لماذا يكتب المسرح؟ ولماذا سيتشارك مع الجمهور بما كتبه؟ بعد الأسئلة يبدأ الكاتب بإظهار حقيقته وما يريده على المسرح. حاجة التعبير تستمر خلال العرض على المسرح، وتالياً تصل إلى الناس. تفكيك الذات من داخلها هو علاج مسرحي، وإن تمّ بلوغه فهذا جيد جداً، وإن لم يحصل التفكيك فلا بأس، أقله وقع أحدنا في تجربة بلوغه. مجرد المحاولة للوصول إلى التفكيك لا شك ستترك أثرها بالمتفرّج، فكل منا بداخله اشكاليات يسعى لتفكيكها.
○ هل أفرحك الإقبال على هذا العرض؟
• نعم. وأفرحني أكثر أن ناريه كوركيجيان وميشال زلّوعا فرحا بردود الفعل على عرضهما. وكذلك كمسؤول عن مدرسة بيروت للمسرح وفنون الأداء فخور بهما، حيث رافقهما كمستشار فني هاشم عدنان. وفي الوقت عينه أنا فخور بعرض «الفيل يلي بالأوضة» لإبراهيم الخليل، الذي قدم عرضه بإشراف المستشارة الفنية زينة دكاش التي رافقته على مدى 12 أسبوعا، بدءاً من كتابة النص إلى اختيار الممثلين فادية التنّير وعلي السمرة، وصولاً إلى العرض.
○ مدرسة بيروت الصيفية للمسرح وفنون الأداء باتت حاضرة حتى في عز الشتاء. كيف؟
• هو امتداد لمدرسة بيروت الصيفية. نقدم ورشات عمل لمدة خمسة أسابيع خلال الصيف وتصل لحدود 224 ساعة عمل. فكرنا لاحقاً في كيفية تطوير هذه الورشات وتثميرها. كانت «اوبن كول» لكل من شارك في المدرسة في السنوات الثلاث التي مرّت للتقدّم إلى البرنامج الشتوي إما في الإخراج، أو في تطوير المهارات الفنية تمثيلاً أو رقصاً. وجرى اختيار إثنين سيسافران إلى تونس لتطوير المهارات الفنية، في «المركز العربي الأفريقي للتكوين والبحوث المسرحية». ويمتد برنامج التدريب لثلاثة أسابيع مكثّفة في التمثيل على المسرح، وتمريناً للجسد، ومضاعفة الحضور على المسرح وصولاً للحظة امتلاك قدرات الكتابة بالجسد. مديرة مسرح الحمرا في تونس سيرين غنون هي المسؤولة عن هذا البرنامج. كذلك سألنا من خلال الـ«اوبن كول» من يرغب بالحضور في الإدارة الثقافية للمسرح ووقع الاختيار على ميرفت سلهب وأحمد حافي، وهما سيمضيان ثلاثة أشهر في مسرح المونو بهدف تحقيق المران في إدارة المسرح. إذاً نحن حيال ثلاثة برامج شتوية، ختمنا منها مرحلة الإخراج وما زلنا بصدد التمثيل الذي سيمتد إلى تشرين الأول/اكتوبر المقبل، إذا تمكنا من ذلك.
○ كم بلغ عدد المتدربين في السنوات الثلاث الماضية في مدرسة بيروت الصيفية؟
• في السنة الأولى 8 والثانية 12 والثالثة 15.
○ الشراكة مع مسرح المونو هل يسرت تنفيذ برنامجكم لهذا العام؟
• سعداء جداً بهذه الشراكة. من دون مسرح المونو لما أنجزنا أية مهمة. قدّم لنا مسرح المونو المكان، والدعاية، والتقنيين، وأنجزنا التمارين بين مسرح المونو ومسرح لبن.
○ أنت مقيم في هولندا لكنك تحنّ دائماً للدفء في لبنان؟
• يمكن القول بأني مقيم بين لبنان وهولندا، فلبنان مسقط رأسي ونصف هويتي، فوالدتي لبنانية. نعم أحنّ إلى دفء لبنان. كانت لي إمكانية الاستقرار النهائي في هولندا ومتابعة العمل في المسرح، وهذا ليس مطروحاً عندي. عندما يعتلي أحدنا خشبة المسرح سيسأل لمن أقدّم المسرح؟ ولدت وكبرت هنا، ومسرحي يعبّر عن أمكنتي وهويتي. فهذا المكان يجذبني إليه أينما كنت. لقد قررت أني مرتبط بهذه الجغرافيا، وليست النوستالجيا وحدها من يشدني إليها. أعرف أن لبنان ليس في أفضل أوضاعه، إنما هناك قرار يفترض اتخاذه بالحفاظ على الصلة الوثيقة مع الناس والمكان.
○ هل من أمر تفتقده في هولندا وتجده في لبنان؟
• في لبنان أشعر بأني موجود وملتصق بالأرض، بعيداً عنه أشعر بانعدام الوزن. مع التأكيد بأني سعيد لكوني سافرت وأنجزت دراستي، وأتابع عملي الفني ولي العديد من المحبين والمشجعين، وهذا شكّل عاملاً إيجابياً في حياتي، لهذا أنا بين المكانين، وأتفهم كل من يترك لبنان ويقرر عدم العودة.
○ آخر أعمالك الخاصة «2948 – تحلل هوية». أنت الفلسطيني الأب الباحث عن وطن وهوية ماذا تقرأ في نهر الدماء الجاري في غزة؟
• لم تتوقف دماء الفلسطينيين منذ بدء المشروع الصهيوني. لكنّ الإجرام المنقطع النظير ظهر بعد السابع من أكتوبر، وبات مستحيلاً اخفاءه. صعب على إنسان مثلي موجود في مكان آمن أن يتحدّث أو يصف ما يحصل في غزّة. شخصياً لم أعدم وسيلة تعبير من قراءات ومظاهرات في لبنان وأوروبا، إنما هذا ليس بكافٍ بنظري. فما من تعبير يتساوى مع الدماء الجارية. المؤكد أن فلسطين الآن في لحظة المقاومة التاريخية الصحيحة. لسنا القتلة، ولسنا من يرتكب المجازر. ما أدركه تماماً أن التاريخ سينصفنا كشعب. كافة الإمبراطوريات الاستعمارية سقطت، وانهارت نتيجة عنفها المفرط، وهي لا تستطيع أن تكون سوى عنيفة. شبهونا بالحيوانات البشرية. معروف أن الحيوان يقتل ليأكل، أما القتل الجاري في غزّة فهو للاستمتاع بالقتل. هم يمنعون البنج عن سابق تصور وتصميم، يريدون مزيداً من الآلام للجرحى. من يقوم بهذا الفعل هل هو من البشر؟ هذا عدا عن التجويع، والبرد ومعاملة الأسرى الوحشية والتي لا يمكن تخيلها. تبريد الحديد لما دون الـ20 درجة وبداخله الأسرى ألا يذكر بتوحش ألمانيا النازية؟
○ كمسرحي ما هو المشهد الذي أثار إنسانيتك في بحر الصور التي وردتنا؟
• احتفظ بالصور والفيديوهات القاسية كي لا ننسى. ستنتهي هذه الحرب وسيعيد الغزيون بناء منازلهم. حلمي بناء نصب تذكاري يُعبّر عن ما حصل وعلى أرض غزّة. الصورة التي حفرت عميقاً بداخلي هي للأم التي كانت تدور حول نفسها وتصرخ «يشهد عليي الله ياناس ماتوا الأولاد بلا عشا».
○ هل من عنوان لعمل مسرحي قالته مواجع الموت والجوع والعطش والبرد والمرض؟
• كان لي عرض مسرحي «يوم لم ينته» عن انفجار المرفأ بعد سنة من حدوثه. إنما الحاصل في غزّة يفوق كل خيال مسرحي وسينمائي. من تخيل بتر رجل طفل دون مُخدّر؟ حالياً ليس لي قدرة تصديق ما يحصل. كمية الحزن والوجع والغضب تترك أحدنا ينقلب ويتبدّل من الداخل. جميعنا يتغير من الداخل نتيجة العنف غير المسبوق في التاريخ.
يغيرنا من الداخل بمعنى نظرتنا للحياة، للناس وللنظام العالمي، ولذاتنا ولأهمية حياة البشر. وحدود التوحش مطلقة لدى الآخر فما هو الحل؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية