كشفت معركة طوفان الأقصى عن حقائق كانت فيما سبق محجوبة أو غير منظورة لأسباب كثيرة، بعضها يتعلق بالإعلام الذي يعرف كيف يصرف اهتمام الشارع العربي إلى مسائل يبتغي من ورائها تحقيق أغراض بعينها دون سواها، وبعضها الآخر يتعلق بوعي المواطن العربي الذي تثقله قضايا الحياة اليومية وخاصة المعيشية منها؛ فتغدو الحقائق غير واضحة له مع أنها أمام ناظريه تتجسد كل يوم بصورة من الصور.
ومن تلك الحقائق مثلا الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني بوجه الامبريالية والصهيونية أو حقيقة الضمير الإنساني الذي صحا فأعلن رفضه للظلم والإبادة أو حقيقة الضعف بل التخاذل الذي تتدارى فيه الأنظمة العربية والجامعة الصورية التي هي نسخة معادة من هذه الأنظمة.
وما أن هدر طوفان الأقصى حتى تكشفت الحقائق، وليس للمثقف العربي سوى أن يساهم في جعل الأذهان تعي بشكل دامغ كل حقيقة من تلك الحقائق على حدة. وتختلف أساليب الأدباء ومذاهبهم في تجلية الحقائق وعرضها واضحة للناس. وبنظرة استقصائية لما تنشره الصحافة الثقافية العربية حول معركة الطوفان سيتوضح المسلك الغالب على هذا المثقف العربي في دعم القضية الفلسطينية، ويتمثل هذا المسلك بالكتابة السياسية والتاريخية وأحيانا الاجتماعية. بيد أن هناك مسلكا يندر أن نجد له توظيفا هو الكتابة الساخرة التي كثيرا ما يأخذ الغرب على العرب انهم لا يتقنون الفكاهة ولا يتصفون بروح النكتة. وهذا بالطبع ادعاء لا صحة له؛ فالسخرية جزء من تقاليد السرد القديم وهي في الشعر غرض من الأغراض، يلجأ إليها المبدع حين تكون يد الرقيب متسلطة وباطشة.
ولأهمية السخرية وظّفها الجاحظ، وعرف كيف يجعل الطبقة الدنيا في المجتمع العباسي تنافس طبقة الخواص، وهو القائل: «ألم تدر أن المزاح جد إذا اجتلب ليكون علة للجد» ولقد تأثر بسخريته أدباء العصور الوسطى وعصر النهضة. وفي عصر التنوير ظهرت الرومانسية التي سخرت من السلطة بكل أشكالها الاجتماعية والسياسية والدينية. واتخذ فردريك شليغل السخرية سلاحا، وحدد ماهيتها بـ«أنك كلما رأيت مواطنين شرفاء يتابعون أعمالهم وكلما رأيت قصيدة جيدة السبك قصيدة ملتوية وفقا للقواعد وكلما رأيت مؤسسة تحمي حياة وأملاك المواطنين اضحك عليها، اهزأ بها، وكن ساخرا. انسفها ووضح أن النقيض هو صحيح بالدرجة ذاتها». وعلّق المفكر ايزيا برلين على هذا القول بأن السخرية هي السلاح الوحيد ضد الموت وضد التكلس وضد كل نوع من التجميد لتيار الحياة، وعد شليغل مبتكر السخرية كما حدد في كتابه «جذور الرومانتيكية» صور السخرية وهي الكاريكاتيرية والفوضوية والمفارقة والفكرة التي لا بد من أن يوجد فيها في الأقل ثلاث فرضيات جميعها تتعارض مع الأولى، وكل واحدة منها حقيقية بالدرجة نفسها.
وفي ظرفنا الحالي تغدو السخرية فاعلة في تجلية الحقائق، فلعل مقالة ساخرة تحقق ما لا تحققه عشر مقالات جادة. ويتوقف شحذ السخرية للهمم على مدى توفر الأسباب الموجبة لتوظيفها. وهي موجودة بقوة لكن كتّابها قلائل، ومنهم المرحوم خالد القشطيني الذي وجد في السخرية طريقا به يوجز الكثير مما ينبغي عليه أن يحققه بالوسائل والأساليب الكتابية الأخرى. ولخَّص القشطيني الأسباب التي توجب على الأديب توظيف السخرية، فقال: «في العالم العربي المعاصر تتوفر جميع الأسباب الفعلية التي تلحق الظرف بالسياسة فهناك الثغرة الواسعة ما بين الوعود السابقة والآمال المنتظرة والماضي المجيد والموارد الضخمة والموقع الاستراتيجي والامكانات البشرية من جهة والفوضى السياسية والحكم القهري والتمزق الاجتماعي والفتك بأبناء الوطن وسلسلة طويلة من الإخفاقات والهزائم من جهة أخرى». (كتابه: «السخرية السياسية»، ص20).
إن ما يظهره طوفان الأقصى من حقائق دامغة كل يوم يوفر الكثير الذي به تصبح السخرية فاعلة بشكل كبير سواء من ناحية التهكم مما آل إليه حال الكيان الصهيوني من اندحار أو من ناحية ما تحاول الأنظمة المطبِعة أن تداري به على فشلها بطرق مختلفة لاسيما بعد هذا الحشد العالمي المناصر للفلسطينيين، أو من ناحية تعرية حملة الأقلام المأجورين والمنافقين الذين يخطّون بسطر ما لا ضرر فيه على المطبعين، ويمحون بسطر آخر ما يجعلهم مع الفلسطينيين، وهي براعة تستوجب السخرية والتهكم اللاذعين.
إذن الكتابة الساخرة مسلك ناجع في جعل الحقائق ظاهرة للعيان، ولا سخرية من دون شجاعة، ومن ثم لا مهرب من اتخاذها سلاحا في المقاومة والنصرة وكنوع من نبذ العجز والوسطية؛ فمع السخرية لا مجال للأديب أن يبدو ماسكا العصا من الوسط؛ فلا يؤخذ منه حق ولا باطل.
والذات العربية معروفة بحبها للسخرية كوازع داخلي به تواجه الغطرسة والزيف، وهل ننسى دورها في هزيمة الاحتلال البريطاني وطرده من مصر أم هل يفوتنا أن نتذكر كيف كان للسخرية من الحكام دور مهم في فشلهم؟ إن تغلغل روح السخرية في ذواتنا من جانب وسرعة تأثيرها من جانب آخر هو ما يؤكد أهمية توظيفها في معركتنا مع الكيان الصهيوني.
وما من بلد عربي يخلو من اتخاذ السخرية وسيلة في التعبير عن السخط؛ فنكتة الحجرات السبع التي بها توجه ياسر عرفات لرمي الشيطان، فقذف ستا وترك حجرة واحدة لخط الرجعة مع العدو صاغها الفلسطينيون وانتشرت في كل البلدان العربية. وحين انتقلت الجامعة العربية من مصر إلى تونس سخر التونسيون من هذا الأمر، وروى القشطيني هذه النكتة «أن أحد التونسيين كان يوما جالسا أمام مبنى الجامعة وفي حضنه بوق فرآه صديقه وسأله: ماذا تعمل بهذا البوق؟ فردَّ: هذا عملي الجديد انتظر صدور قرار الوحدة العربية لأعلنه بهذا البوق على دول العالم. وكم تتقاضى على هذا العمل؟ قال: 50 دولارا. هذا مرتب زهيد. نعم هو زهيد لكن هذه الوظيفة مضمونة إلى الأبد». بهذه المفارقة يتضح الدور الإيقاظي للسخرية وما تحققه من صدمة بها تعي العقول ما يحيق بها من أخطار جسيمة.
إن انتهاز الظرف السياسي الحالي وما عليه الأنظمة العربية من مواقف متخاذلة هو ميدان خصب لكي تعمل فيه السخرية سواء في شكل قصيدة أو قصة أو مقالة. ولقد كان لإحساس الشاعر أحمد فؤاد نجم والملحن الشيخ إمام بفاعلية السخرية كبيرا، فتشاركا على تحوير أغاني الحرب الإعلامية بطريقة ساخرة. وانتشرت بسرعة مذهلة في العالم العربي. كما أدى الشاعر محمد الماغوط دورا مهما في السخرية من فقدان العرب لأراضيهم من خلال أوبريتات الفنان الشهير دريد لحام وخاصة أوبريت «ضيعة تشرين». وكذلك فعل الكاتب العراقي المعروف بالسخرية شمران الياسري من خلال بابه «بصراحة أبو كاطع» وواصل الكتابة فيه ردحا طويلا من الزمن. إن كتابة شمران الياسري هذه مقامات لا تختلف عن مقامات الحريري والهمذاني؛ إلا إنها أكثر لذعا وجدية وأمضّ وقعا في الحياة السياسية والاجتماعية، ولي بحث سينشر قريبا بهذا الخصوص.
*كاتبة من العراق