الفن الجميل لا يحتاج فهم اللغة
الرباط ـ «القدس العربي»: المجموعة الغنائية المغربية الشهيرة «ناس الغيوان» التي حققت نجاحها وكتبت تاريخها سنوات الثمانينيات على أرض الواقع، عادت من جديد لتحتل مكانا مميزا في مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات تحميل الأغاني مثل يوتيوب وغيرها، من خلال استعادة بنكهة شبابية لإحدى أغانيها في مقطوعة «مرحبا» بصوت فنانة واعدة هي سهام بلحاج الشهيرة بلقب «سيام».
100 ألف مشاهدة في أسبوع
الأغنية الجديدة التي هي الثانية في مسيرة سيام الفنية، حققت 100 ألف مشاهدة في ظرف أسبوع بعد طرحها، كما تناقلتها مختلف الإذاعات المحلية إلى جانب أنها كانت محور استضافة الفنانة من طرف قنوات تلفزيونية مغربية.
عدد من المتتبعين للمشهد الغنائي توجسوا خيفة من بعض المشاكل في إعادة إحياء أغنية لفرقة شهيرة هي «ناس الغيوان» خاصة في ظل وجود سوابق كانت محط خلاف بين ورثة فنان ومطرب قرر أداء مقطوعات غنائية قديمة لصاحبها.
وعن ذلك أكدت الفنانة سهام بلحاج (سيام) أنها «قبل إنتاج الأغنية تم فعلا التواصل مع الفنان رشيد باطما المسؤول عن الفرقة وعمر السيد، وهو من مؤسسي (ناس الغيوان) وكاتب كلمات الأغنية، ولم نشرع في الاشتغال عليها إلا بعد موافقتهم». وتضيف قائلة إن طموحها كان أيضا أن «أنال رضاهم من خلال الأداء والتغيير المحدث على الأغنية بصفة عامة، وهو ما كان لي فيه نصيب والحمد لله».
موروث الأغنية المغربية
وفي حوار لها مع «القدس العربي» أجابت الفنانة سيام على سؤال اختيار أغنية تعود إلى رصيد «ناس الغيوان» مؤكدة «أن هذا الاختيار هو تحد أولا، ومسؤولية كبيرة ثانيا، لأن (ناس الغيوان) فرقة لها عشاقها وجمهورها الذي ما زال حاضرا إلى يومنا هذا، وبالنسبة لي فإن إعادة أغنية من ربيرتوارها وبصيغة جديدة، الهدف الأساس منه هو إيصال موروث الأغنية المغربية بطريقة عصرية لشباب اليوم ولم لا إحياء ذكراها عند محبيها». وأضافت بفرح أن «الجميل في هذا أن رشيد باطما عضو فرقة (ناس الغيوان) أعجب بالفكرة وبالمنتَج عند سماعه وكذلك الفيديو كليب».
بين الأغنية الأصلية والصيغة الجديدة مسافة شبابية حافظت على عمق المقطوعة الأثيرة لدى جيل كامل من عشاق المجموعة، وأعطتها الفنانة سيام نفسا جديدا من خلال تغييرات على مستوى اللحن حتى يواكب المستجدات، ويمنح الجيل الجديد فرصة التعرف على موروث مغربي حديث يتمثل في أغنية المجموعات وخاصة «ناس الغيوان» و«جيل جيلالة» و«المشاهب».
الأغنية التي أضافت نجاحا آخرا لسهام بلحاج بعد «راسي قاسح» أشرف على توزيعها الموسيقي حمزة نصابي، فيما قام بإخراج الفيديو كليب الخاص بها إدريس فاريني، أما الإشراف العام فكان لمفيد السباعي، وهو صاحب الفكرة كما أشارت إلى ذلك الفنانة بقولها إنه «هو الذي اختار المقطوعة الغنائية وأشرف على تلحينها بأسلوب جديد، جعلني أحب الفكرة، ولم أتردد في الموافقة على ان تكون (مرحبا) هي ثاني مشروع غنائي لي».
وبخصوص اللمسات الجديدة التي تمت إضافتها إلى أغنية «ناس الغيوان» صرحت سيام لـ «القدس العربي» بأن «اللحن مختلف تماما عن الأغنية الأصلية، بحيث تم أخذ مقطع من الأغنية لإعادة صياغته بأسلوب جديد كـ (كوفر) لكن بتغيير كبير».
لا صدفة في دخول الفن
حديث البدايات والنجاح منذ العمل الأول، أثار لدى عدد من المتتبعين أسئلة من قبيل الصدفة في دخول عالم الفن بشكل عام والغناء بشكل خاص، وهو ما ردّت عليه سهام بلحاج بقولها «لا صدفة في الموضوع» مبرزة أن «موهبتي مترسخة منذ سنوات وكنت أنتظر الفرصة المناسبة والعمل الجاد لكي أطلق أول أعمالي» وأكدت أن «دخولي للمجال الفني له أهداف محددة أتمنى الوصول إليها وابرازها للجمهور، ودائما بدعم ومساندة من مدير أعمالي مفيد السباعي».
تصاعد نسبة نجاح الفنانة سيام من الأغنية الأولى التي حققت 50 ألف مشاهدة إلى الثانية التي تجاوزت 100 ألف، يطرح سؤال حكايتها مع الفن، لتقول إنها «حكاية دائمة ومستمرة ولا أذكر منذ متى كنت هاوية». أما عن أغنيتها الأولى «راسي قاسح» وتعني بالدارجة رأسي صلب أي عنيدة، فأوضحت أن نجاحها «كان حافزا كبيرا للشروع في إنتاج أغنية (مرحبا) التي سارت على الدرب نفسه مع الأولى، خاصة على مستوى الفيديو كليب والتنويعات الشبابية والأداء الحداثي الذي كان له الأثر الإيجابي في إقبال الجمهور عليها».
التعلق بالأغنية المغربية
بالنسبة للفنانة سيام فقد وضعت في حسبانها الانتقادات التي توجه للأغنية الشبابية، لذلك تؤكد أن «العمل الجاد هو الأهم» إضافة إلى أنها «تعمل مع مدير أعمالها السباعي على إخراج مقطوعات غنائية تواكب العصر مع الاحتفاظ بأسس الأغنية المغربية المعروفة» لذلك تشدد الفنانة على أن «من الأولويات اختيار كاتب كلمات وملحن يسير وفق هذا النهج، وهو ما تأتى من خلال الاعتماد على الفنان خالد سلام الذي يتميز بكلمات وألحان ومواضيع هادفة، ونوعية توزيع إبداعية».
من الملاحظات التي تسجل على الفنانة سيام أنها شديدة التعلق بالأغنية المغربية والحفاظ عليها، سواء تلك التي مرت من عصرها الذهبي، والقصد هنا الأغنية العصرية مع الكبار أمثال عبد الوهاب الدكالي ونعيمة سميح وأحمد الطيب العلج وعبد القادر الراشدي ومحمد الحياني وغيرهم كثير، أو الأغنية الحالية المتنوعة التي تعتمد أنماطا مختلفة، وتمكنت من احتلال أماكن متقدمة في المشهد الغنائي العربي وحتى العالمي.
لذلك تؤكد سيام لـ«القدس العربي» أن الأغنية المغربية «مما لا شك فيه أنها في تطور مستمر ومتواصل، وتنتج التنوع، فكل فنان له ذوقه الخاص واختياراته الفنية التي يراها مناسبة له» وتؤكد أنها ترى «دائما هناك إضافات قادرة على تمييز أغنية عن أخرى». وعبّرت عن أمنيتها في العمل على ذلك بطريقتها الخاصة وتكون عندها لمسة خاصة بها في الساحة الفنية المغربية ولمَ لا العربية والعالمية.
تلك الأماني تجد مشروعيتها في تحقيق سيام لشهرة سريعة، حيث يقف سؤال التغيير لتقول إنه «لا يخيفني» كما أن الشهرة «تتناقض شخصيتي مع أسسها» لتستطرد قائلة: «لكن هذا لا يمنع أن أضحي وأنا لدي كامل الحرية في اختيار الطريق الذي أسلكه والذي أحببته منذ الطفولة، وأعتقد أنني اكتسبت التجربة العملية الكافية التي تسمح لي باختيار المجال المناسب لما أريد أن أكون عليه، لأن تحقيق الذات شيء صعب لكنه ممكن».
الوصول إلى عتبة الأحلام مع سهام بلحاج، يعني الحديث عن سقف مشرع لا وجود له سوى سماء الطموح، مؤكدة أن «أحلامي ليس لها سقف» معبرة عن أملها «في المراحل القادمة إضفاء لمسة خاصة تخولني إيصال الأغنية المغربية إلى جميع أنحاء العالم» ولم تخف إيمانها «وبشدة أن الفن الجميل لا يحتاج فهم اللغة وانما اللحن وطريقة التوزيع الموسيقي والأداء» وختمت حديثها لـ«القدس العربي» بالقول «بحول الله سأعمل على ذلك».
ناس الغيوان «بيتلز المغرب»
مجموعة «ناس الغيوان» التي لقبتها الصحافة المغربية بـ «بيتلز المغرب» اكتسحت المشهد الفني بعد التأسيس سنوات الستينيات من القرن الماضي، بأحد الأحياء الشعبية في مدينة الدار البيضاء وهو الحي المحمدي، وصار أعضاؤها نجوما بل منهم من حوّله الجمهور إلى مناضل دون سياسة مثل بوجميع والعربي باطمة، خاصة أن الجميع خرج من رحم الفقر.
معظم الأغاني التي أبهرت وسحرت الجمهور المغربي ومعه حتى العربي كانت مواضيعها اجتماعية، ليجد الشباب فيها ذاته كما وجد بديلا عن الفرق والمجموعات الغنائية العالمية، فصار لديه نجومه من جيل «الهيبي» رغم أن الوحيد الذي كان لديهم شعر طويل هو المرحوم العربي باطمة، صاحب سيرة «الرحيل» فيما أبدع بوجميع في الأداء والأشعار مثل عمر السيد وعبد الرحمن باكو وعلال يعلى، وكلهم كانوا شبابا بسحنة مغربية ونبض تجاور فيه الهاجس الإبداعي الغنائي مع المواقف الاجتماعية التي أطلت على السياسة من دون أن يكون لهم أي انتماء سياسي.
بداية «ناس الغيوان» كانت إشارة انطلاق لظاهرة المجموعات الغنائية في المغرب، فكان أن تأسست «جيل جيلالة» وبعد ذلك «المشاهب» ومجموعات أخرى مشت على الدرب نفسه وخلقت تنوعا فنيا غرف من معين الموروث الزجلي «الشعر العامي المغربي» والإيقاعات الأصيلة أيضا المستمدة من الفنون الشعبية الأكثر شهرة وتداولا.
ويعتبر الفنان بوجميع عراب الفرقة إلى جانب فتاها النجم العربي باطمة، وكلاهما رحلا منذ مدة وتركا ما يذكرهما به تاريخ الموسيقى والأغنية المغربية، كما تركا كلمة «ناس الغيوان» مفتاحا لجيل بأكمله أسس فرقا غنائية استمدت اسمها منه، ولم تكن لتحيد عن مسارها الذي يمكن التأكيد على أنه منيع عن أي تغيير باستثناء الإضافات الإيجابية.
«ناس الغيوان» التي وصفها المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي بـ «رولينغ ستون» أفريقيا، نالت التقدير ليس على الصعيد المحلي فقط بل حتى العالمي، ونذكر أوسمة سلمت لأعضائها من صنف «فرسان الفنون والآداب» التي تمنح باسم الجمهورية الفرنسية.
من بين الأغاني التي أبدعتها المجموعة، «مهمومة» و«يوم ملقاك» و«يا بني الإنسان» و«الله يا مولانا» وغيرها من المقطوعات التي كان الشباب في القرن الماضي يغنيها في كل المناسبات وتجدها تصدح في كل الأسواق الأسبوعية والملتقيات الشعبية، كما حرص التلفزيون المغربي أيام القناة الوحيدة على بث سهرات حية للمجموعة وظهر فيها مدى تفاعل الجمهور الذي لم يكن يتردد في الهتاف والصراخ على شاكلة عشاق جمهور الغرب كلما شاهد إلفيس بريسلي أو مايكل جاكسون أو البيتلز أو غيرهم.
الجدير بالذكر أن معظم أعضاء مجموعة ناس الغيوان مروا من درب المسرح وتتلمذوا على يد الفنان الكبير رائد المسرح المغربي الطيب الصديقي، ونذكر مشاركتهم الناجحة في مسرحية «الحراز» التي اختلط فيها الأداء المسرحي بالأداء الغنائي، وكانت تحفة من مراجع الركح في المغرب.