سلاح الجوع يفتك بسكان غزة كما القنابل الإسرائيلية

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة ـ «القدس العربي»: لا يزال سكان قطاع غزة يعانون من شح المواد التموينية وعدم توفر الكثير من البضائع في الأسواق، بسبب ظروف الحرب، وتعمد سلطات الاحتلال الإبقاء على إغلاق المعابر منذ اليوم الأول للحرب، وتقنينها دخول شاحنات المساعدات، في الوقت الذي باتت فيه أوضاع سكان مدينة غزة وشمالها، الذي يتعرضون لحصار أشد من سكان باقي المناطق، مأساوية لعدم توفر حتى القليل من المواد الأساسية.

بضائع شحيحة وأسعار مرتفعة

ووفقا لسياسات حكومة الاحتلال، فإن عملية دخول البضائع بما فيها تلك التي تدخل على شكل مساعدات، لا تزال بسيطة مقارنة بالفترة التي كانت قبل الحرب، والتي كان خلالها يشتكي السكان أيضا من الحصار.
وجميع هذه الشاحنات وعددها اليومي يقدر بالعشرات، لا تكفي احتياجات سكان قطاع غزة، في ظل الحصار المطبق الذي تفرضه إسرائيل منذ اليوم الأول للحرب، حيث كان يدخل للسكان من قبل أكثر من 500 شاحنة يوميا.
والشاحنات التي يجري إدخالها للقطاع، سواء عن طريق معبر رفح البري، وتتحكم سلطات الاحتلال في عددها، وتخضعها للتفتيش، وكذلك شاحنات المساعدات التي تمر عبر أحد معابرها التجارية، تقل القليل من المواد التموينية من دقيق وأرز وزيوت، والمعلبات، وكذلك يجري إدخال شاحنات تقل مواد طبية.
ولا تشمل المواد الغذائية التي يجري إدخالها جميع المواد الأساسية، وهو أمر يلاحظ في أسواق القطاع بشكل جلي، من خلال ندرة الكثير من الأصناف، وارتفاع ثمنها بشكل كبير.
أبرز المواد التموينية التي يصعب وجودها في الأسواق هي السكر، والذي يباع الكيلو غرام الواحد حاليا حال وجوده بنحو 70 شيكلا، أي ما يقارب العشرين دولارا أمريكيا، بعد أن كان ثمنه يقدر يبلغ بثلاثة شواكل، ويتلوه أيضا في ارتفاع الثمن الزيوت النباتية التي يباع اللتر الواحد منها بنحو 20 شيكلا، وكذلك الأرز الذي يباع أيضا الكيلو بنفس ثمن الزيوت، رغم أنها كانت تباع بربع ذلك الثمن سابقا، فيما لا تزال أثمان الخضروات وأبرزها البصل تشهد ارتفاعات مجنونة، إذ يبلغ ثمن كيلو البصل الواحد حاليا خمسون شيكلا، أي ما يقارب الـ 15دولارا أمريكيا.
وعلاوة على هذه الأصناف، هناك شح كبير في مواد التنظيف بشكل عام، وبات الحصول عليها أمرا غير يسير، فيما تضاعف ثمن المتواجد منها في الأسواق مرات عدة، وذلك بسبب منع سلطات الاحتلال إدخالها ضمن الشاحنات التي تقل سلعا إلى قطاع غزة.
ويؤكد سكان القطاع أن المواد التي توفر لهم حاليا على شكل مساعدات، والتي تتمثل بالدقيق والمعلبات وبعض البقوليات، لا تكفي احتياجاتهم اليومية، كما أن تحضيرها يحتاج إلى مواد أخرى.
ويقول محمد صبح، وهو رب أسرة نازحة تقيم في وسط قطاع غزة، خلال سيره في سوق دير البلح، لشراء بعض المستلزمات «في حال توفر الدقيق فإن خبزه يحتاج إلى الغاز» ويضيف «الغاز غير متوفر إلا بصعوبة كبيرة» وينطبق هذا الأمر على طهي الطعام أيضا كما يقول.
ويشير إلى أن تحضير الطعام سواء المعلب أو ذلك الذي يشتريه من الأسواق، يحتاج إلى أصناف أخرى، ويوضح أن هذه الأصناف إما غير متوفرة كالسكر مثلا، أو مرتفعة الثمن.

مساعدات قليلة

وتضطر الكثير من الأسر التي تقطن مناطق وسط وجنوب قطاع غزة، لشرب الشاي بدون سكر، وتجهيزه كالعادة على مواقد النار، لعدم توفر غاز الطهي، الذي يسمح بدخوله بكميات مقننة، وهو أمر تؤكد ربات المنازل ومنهن ختام صالح، أنه يتعبها كثيرا ويزيد من عبء أعمالها المنزلية، إذ عليها التركيز ما بين تجهيز الطعام، والحفاظ على استمرار إشعال النار.
وقد أكد ذلك المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء مايكل فخري، حيث قال في مقال نشره قبل أيام، إنه رغم الكمية الضئيلة من المساعدات الإنسانية المسموح بدخولها «لا يزال سكان القطاع يفتقرون إلى الوقود اللازم للطهي، ومعظم المخابز تفتقر لما يكفي من الوقود أو الدقيق لصنع الخبز للناس، ويحاول الآباء إطعام أطفالهم بالقليل من الطعام الحيواني المتبقي لديهم، كما أن حيوانات المزرعة تتضور جوعا ولا يمكن أن تصبح مصدرا للغذاء».
وفي السياق، أكدت على ذلك وزارة التنمية الاجتماعية، التي قالت إن نسبة المساعدات الواردة من احتياج قطاع غزة لا يتجاوز في أحسن حال 5 في المئة.
وذكرت أنه وصل قطاع غزة من تاريخ 18 كانون الأول/ديسمبر الماضي وحتى العاشر من شباط/فبراير الجاري 6964 شاحنة فقط، وصل منها إلى الوزارة 1772 شاحنة أي ما نسبته 25.4 في المئة جزء كبير منها (أغراض كورونا ـ أغراض صحية ـ ملابس ـ مياه ـ أكفان).
وأوضحت أن باقي الشاحنات وعددها 5192 شاحنة، أي ما نسبته 74.6 في المئة، وصلت لـ «الأونروا» والمؤسسات الدولية والمؤسسات المحلية والهلال الأحمر.

جوع في غزة

وإن كان الوضع سيئا في مناطق وسط وجنوب القطاع، التي تصل إليها كميات قليلة من المساعدات، فإن الوضع الإنساني يزداد سوءا في مناطق شمال قطاع غزة، التي لا تسمح سلطات الاحتلال إلا بإدخال كميات شحيحة من المواد الأساسية، وعلى فترات متباعدة، وهو أمر اضطر السكان إلى طحن علف الحيوانات ليكون بديلا لهم عن الدقيق.
وتضطر أسر هناك تواصلت معها «القدس العربي» إلى تقسيم كميات الأرز مثلا التي كانت مخصصة لوجبة واحدة، لأكلها على أربع وجبات على الأقل، فيما باتت معظم العائلات تأكل دقيق محضر من علف الحيوانات، وهو سيء الطعم، لعدم وجود الدقيق الصحي الذين اعتادوا عليه سابقا.
وترتفع في تلك المناطق أثمان المواد التموينية الأساسية بشكل جنوني، ويحتاج الوصول إليها إلى مخاطرة كبيرة، وإلى جهد أكبر من السكان، وهو ما خلق مجاعات حقيقية في تلك المناطق.
ولذلك فقد حذر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، من أن «المجاعة تتعمق» في القطاع وتهدد حياة مئات آلاف من الأطفال والنساء، بسبب استمرار الحرب.
وأشار إلى أن هذه المجاعة تتعمق بشكل أكبر في محافظتي غزة وشمال غزة، وهو أمر أكد أنه «ينذر بكارثة إنسانية عالمية قد يروح ضحيتها أكثر من 700 ألف مواطن فلسطيني ما زالوا يتواجدون في هاتين المحافظتين».
واتهم في ذات الوقت دولة الاحتلال بأنها بدأت بتنفيذ «سياسة التجويع والتعطيش وصولا إلى المجاعة منذ بدء حرب الإبادة الجماعية التي يشنها ضد المدنيين والأطفال والنساء».
وطالب بوقف فوري وعاجل لـ «حرب الإبادة الجماعية» ضد المدنيين والأطفال والنساء، كما دعا لرفع الحصار وإدخال 10 آلاف شاحنة مساعدات خلال يومين بشكل مبدئي وفوري وعاجل «قبل وقوع الكارثة الإنسانية» محملا الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي، إضافة إلى الاحتلال الإسرائيلي، المسؤولية الكاملة عن هذه المجاعة التي قال إن فصولها تجري «على مرأى ومسمع كل العالم».
كما اتهم المقرر الأممي فخري، إسرائيل بـ«استخدام الجوع سلاحا لإيذاء وقتل المدنيين في غزة». وقال إن سكان القطاع باتوا يشكلون نسبة هائلة من جوعى العالم، كذلك اتهم الدولَ التي أوقفت تمويلها وكالة «الأونروا» بأنها «متواطئة في مسألة التجويع».
وقال إن سكان غزة «يشكلون حاليا 80% من مجموع الأشخاص الذين يواجهون المجاعة أو الجوع الكارثي في جميع أنحاء العالم» موضحا أن «العالم لم يشهد منذ الحرب العالمية الثانية مثل هذه المجاعة السريعة والكاملة للسكان المدنيين»
وأشار في مقالة «إن 335 ألف طفل دون سن الخامسة يتعرضون لخطر سوء التغذية الحاد، مع استمرار تزايد خطر المجاعة» وأضاف «بسبب سوء التغذية يتعرض جيل كامل لخطر المعاناة من إعاقات جسدية وإدراكية دائمة، وهو ما يسميه الأطباء التقزم».
هذا وقد أكدت ذلك المنظمات الدولية، ففي الوقت الذي أعلنت فيه منظمة الطفولة العالمية «اليونيسيف» أن 90 في المئة من أطفال غزة يعانون سوء التغذية، ذكرت هيئات أخرى أن سلطات الاحتلال ترفض غالبية طلباتها لإيصال المساعدات لسكان مدينة غزة والشمال.

وقف دخول المساعدات

وكشف مؤخرا عن رفض حكومة الاحتلال 22 طلبًا قدمه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» خلال الشهر الماضي، من أجل تأمين الطريق لإيصال المساعدات الإنسانية إلى تلك المناطق.
وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في تصريح صحافي، أنه قدم خلال كانون الثاني/يناير 22 طلبًا لإسرائيل، بهدف فتح حواجز التفتيش، لإيصال المساعدات، غير أنه لم يتلق أي رد بخصوص تلك الطلبات.
وسبق وأن أعلنت الأمم المتحدة 10 عمليات مساعدات فقط وصلت شمال قطاع غزة، من أصل 61 عملية خلال الشهر الماضي.
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية «اوتشا» أن العاملين في المجال الإنساني والعاملين الصحيين لا يزالون يواجهون تحديات ومخاطر هائلة، في سياق تقديم الخدمات للناس الذين يحتاجون إلى المساعدات الطارئة وإنقاذ حياتهم، وخاصة بالنظر إلى الهجمات المتواصلة على المنشآت الصحية، ونقص الإمدادات، والاكتظاظ.
ونقل موقع الأمم المتحدة عن المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، قوله إن الإمدادات الغذائية المتسقة والتي يمكن الاعتماد عليها لخدمة جميع سكان غزة لا تزال تواجه عوائق، بسبب الإغلاق المتكرر للحدود والقيود على استيراد البضائع إلى غزة، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية، فضلا عن الوضع الأمني.
وقال دوجاريك «إن انعدام الأمن الغذائي في غزة وصل إلى حالة حرجة للغاية، نظرا للقيود الكبيرة المفروضة على إيصال المساعدات الإنسانية».
وذكر تقرير أممي أن أناسا في غزة، أبلغوا موظفي برنامج الأغذية العالمي، أنهم غالبا ما يمضون أياما كاملة دون تناول الطعام، وأن العديد من البالغين يعانون من الجوع حتى يتمكن الأطفال من تناول الطعام.
وفي هذا السياق، كان مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، أشار إلى أن معدلات سوء التغذية الحاد ارتفعت بشكل كبير في جميع أنحاء غزة منذ بداية الحرب في 7 تشرين الأول/أكتوبر، من أقل من واحد في المئة من السكان، إلى أكثر من 15في المئة في بعض المناطق.
وقال «إن هذا الرقم سيستمر في الارتفاع كلما طال أمد الحرب وانقطعت الإمدادات» معربا عن قلقه العميق من عدم قدرة وكالات مثل برنامج الأغذية العالمي على الوصول إلى الجزء الشمالي من القطاع.
وبما يعمق حجم المأساة هناك، قرر برنامج الغذاء العالمي وقف تسليم مساعداته إلى الشمال بسبب انعدام الأمن للعاملين في المجال الإنساني وأولئك الذين يطلبون المساعدة. وفي هذا الصدد، قالت المديرة التنفيذية للبرنامج، سيندي ماكين: «اضطررنا إلى اتخاذ الخيار الصعب بإيقاف توزيع المساعدات مؤقتا في شمال غزة. هناك مستوى لا يصدق من اليأس على خلفية الاحتياجات الإنسانية الهائلة. ليس من الضروري أن تقع مجاعة. لكن إذا لم تتغير الأمور، فسوف تحدث».
وانتقد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة هذا القرار، وقال إنه يزيد معاناة السكان.
وبما يدلل على ذلك خرج أطفال شمال قطاع غزة في تظاهرة، قرعوا خلالها على أواني الطهي الفارغة، والتي لم تمتلئ بالطعام منذ أشهر، واشتكوا من نفاد الدقيق، ومن حالات الجوع التي يشعرون بها، كما حمل الأطفال كذلك لافتات كتب عليها «الخبز أصبح حلمي» و «نحن نتضور جوعا» و «نريد أكل».
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ظهرت طفلة في مقطع صغير وهي تسأل عن الشيء الذي تشتاق له فقالت «مشتاقة للخبز» فيما ظهر طفل آخر وهو يلملم بقايا دقيق كان على الرمل، في مشهد أظهر حجم المأساة والمجاعة في مناطق غزة والشمال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية