آفي كانو
لأول مرة منذ أسابيع طويلة يسجل تفاؤل حذر في أوساط العاملين بشأن الاتصالات مع عائلة مخطوفين، وفقاً للمنشورات؛ من واشنطن حتى الدوحة، ومن القاهرة حتى [القدس]. ظاهرياً، يبدو أن قيادة حماس التي تعاني مصاعب اتصال في ضوء الضغط العسكري المتعمق في جنوب القطاع (ما يتيح دخول مناهج براغماتية إلى الغرفة بإدارة قيادة حماس في قطر)، مستعدة لتليين مواقفها في المسألتين الأساسيتين، ما يتيح تقدماً في الاتصالات: استعداد لتنازل كبير بشأن اصطلاح “وقف النار” بحيث لا يتضمن وقفاً للقتال بشكل مطلق لكنه يسمح بالوصول إلى منطقة شمال القطاع؛ ومرونة معينة إزاء كمية ونوعية السجناء الأمنيين الذين سيتحررون في الصفقة المرحلية المرتقبة.
إذا ما تبنينا نهجاً بعموم اقتصادي لمسيرة المفاوضات، يخيل أن المسيرة آخذة في الاستقرار، لأول مرة منذ بدء الحرب، على نقطة توازن من جهة يقف فيها الجيش الإسرائيلي على عتبة جهد عسكري في معقل حماس الأخير – منطقة رفح، بما في ذلك محور فيلادلفيا الذي يشكل أنبوب الأكسجين لصناعة الإرهاب، ومن جهة أخرى، الوجود العسكري الإسرائيلي في أرجاء القطاع آخذ في التقلص، لكنه يبقي على محور “كارني”- نتساريم (سابقاً) كجيب أمني يفصل وسط القطاع عن شماله. لذا، يشكل هذا وذاك ذخائر حقيقية في المسيرة، ورافعة لتليين مواقف حماس.
مع ذلك، قد تشكل مسألة السجناء عائقاً على نحو يلزم الوسطاء في المسيرة بالإبداعية والجسر بين مواقف الطرفين. ولأن جهاز المخابرات العامة المصرية برئاسة عباس كامل، المقرب من الرئيس السيسي، هو الذي يتصدر المسيرة، فذلك أمر يضع أساساً مزدوجاً لنجاح محتمل، وذلك لمعرفة حميمية وعميقة لكبار رجالات الجهاز مع قيادة حماس على جانبي المتراس (الداخل والخارج) وكذا بسبب تجربة طويلة في جسر مواقف الطرفين، وفي مواضيع الأسرى والمفقودين وأكثر من ذلك. أما قطر، من جهتها، فتتعرض لضغط أمريكي متزايد لتوفير البضاعة وحث صفقة مخطوفين تؤدي إلى تهدئة إقليمية، لكنها قادرة على إدارة حوار مباشر وثاقب مع قيادة حماس وبخاصة تلك الموجودة في الدوحة، وإبداء مرونة تسمح، على حد طريقة قطر، للإبقاء على حماس كمركز قوة ذي صلة في الساحة الفلسطينية – إن لم تكن كقوة عسكرية، فعلى الأقل كمحفل سياسي فلسطيني داخلي. إسرائيل ليست مطالبة بقبول هذا الموقف، وبوسعها -بسبب احتمال كامن للتقدم في حل مسألة المخطوفين- أن تصمم “اليوم التالي” في القطاع، وبعامة في الساحة الفلسطينية، في ظل دحر حماس قدر الإمكان عن الساحة (الضفة والقطاع على حد سواء).
وبالنظر إلى التوافقات حول المسائل الجوهرية آنفة الذكر، فإن الجدول الزمني لتحقيق الصفقة حتى حلول شهر رمضان في 10 آذار يعدّ تحدياً، لكنه ممكن: بلورة وإقرار قوائم السجناء الذين سيتحررون، والمصادقة على القرار في “الكابينت” والحكومة، واستنفاد الإجراءات القانونية التي ينطوي عليها الأمر، بما في ذلك إمكانية الالتماس إلى “العليا” حسب القانون لمتضرري الإرهاب؛ هذه المساحة الزمنية فد تسمح للجيش الإسرائيلي بتنظيم نفسه تمهيداً لوقف نار لمدة نحو ستة أسابيع، حسب المنشورات.
في البعد الاستراتيجي، إن أهمية الصفقة، فضلاً عن القيمة الإنسانية واليهودية العظيمة المعاني المنطوية على إعادة مخطوفينا، تكمن في تثبيت الصفقة كحجر أساس لتخفيف حدة التوترات في المنطقة، بل ولتسوية إقليمية تتجاوز حرب غزة؛ كجزء بنيوي من التوترات حيال حكومة إسرائيل، يحتاج الرئيس الأمريكي بايدن حاجة ماسة إلى استقرار المنطقة قبيل الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني من هذا العام – من تهدئة التوتر في الحدود اللبنانية (وبناء على ذلك، عودة سكان الشمال إلى بيوتهم)، وحتى التوصل إلى تفاهمات مرحلة مع الحوثيين، تتيح حركة آمنة في مسارات الملاحة الدولية، وتحرير عمق الزجاجة في سلسلة التوريد واستقرار الأسواق (بما في ذلك الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعاني من غلاء إضافي في جداول البضائع المستوردة في ضوء الأزمة).
وختاماً، فإن نجاحاً في شكل تحقيق صفقة مخطوفين ستقدم نقاط استحقاق باهظة الثمن لإسرائيل في واشنطن وفي العواصم الأوروبية، وتؤكد من جديد أهمية إسرائيل للغرب، ومن هنا فإنها عنصر حيوي في مفهوم الأمن القومي لإسرائيل، في هذا الوقت الصعب والتاريخي.
يديعوت أحرونوت 26/2/2024