المصاف الذي تدخله الحرب في غزة لن يخلق “صورة نصر”. وعليه، فثمة حاجة لتغيير الإطار كله.
علينا الاهتمام بإمكانية التقدم غير المتواصل والمتعلق بالواقع في الميدان، وذلك إلى جانب خلق أفق إيجابي للسكان المدنيين. جذر الخلاف لا يزال قائماً؛ فالقسم الأكبر من الفلسطينيين لا يزال يتبنى الجهاد، ويتطلع لقيادة حماس في الكفاح ضد إسرائيل. على حد فكرهم، لا يفترض أن تنتهي “العودة” في تحقيق فكرة الدولتين أو حتى في العيش بانسجام في دولة واحدة، بل بإبادة الدولة اليهودية بسكانها.
سلالم وحبال
بودي أن أطرح فكرة من خارج الصندوق، تستند إلى لعبة الصندوق. كبار السن بيننا لا بد يتذكرونها – “سلالم وحبال”. من جهة، الصعود للسلم، بمعونة الإيفاء بشروط محددة جداً، تقرب الفلسطينيين من تحقيق حل الدولتين والاستقلال. بالمقابل، الخروج عن المبادئ المقررة (سلوك غير غريب عن الفلسطينيين، في أقل تقدير) يؤدي إلى الهبوط إلى الأسفل بالسلم والعودة إلى واقع لا يرغبه الفلسطينيون أنفسهم إلا قليلاً.
المرحلة الأولى: إقامة مخيمات لاجئين مؤقتة قرب البحر. مخيمات من هذا القبيل سبق أن أقيمت في الحرب الأهلية في سوريا وأفغانستان وغيرهما. لذا ستكون حاجة إلى إنهاء تام لأعمال الأونروا في القطاع وإلقاء المسؤولية على منظمات دولة تختص بمناطق الكارثة.
تقام إلى جانب ذلك أجهزة دولية للعناية بالسكان، تسيطر إسرائيل ومصر على معابر رفح، ويبقي الجيش الإسرائيلي على حرية العمل في غزة ويحتفظ بحزام أمني واسع في أراضيها. الاضطراب والجريمة والإرهاب تؤدي إلى “النزول بالحبل” وتؤجل إعمار قطاع غزة.
بناء تدريجي للثقة
المرحلة الثانية: بداية الأعمال. حذار الدخول إلى نموذج “إخلاء – بناء”، لذا مثل هذه المرحلة لا تبدأ إلا بعد مرور ثلاث سنوات. وهي تنفذ بالتدريج من محافل دولية بإشراف إسرائيلي. السلطة الفلسطينية، في صيغة جديدة، تشارك في المسيرة، لكن ستفحص في كل خطوة وخطوة. كجزء من هذا، يتم تصميم جهاز تعليم جديد في القطاع، ومناهج تعليمية تكتبها لجنة تربوية دولية بإشراف متشدد على نشاط الجهاز. في هذه المرحلة، يقام صندوق دولي لتمويل إعمار القطاع، وتتيح دول عربية معتدلة للغزيين الوصول والعمل في نطاقها، وإسرائيل تسمح بهجرة طوعية إلى أماكن توافق على استيعاب لاجئي القطاع. أما التحريض والتنظيمات غير القانونية والتطرف الديني كلها ستعاقب بشدة. ويمنع التدخل الإيراني بعمل دولي. في حالة انتفاضة – نزول إلى الأسفل: يتوقف إعمار القطاع وكذا يتوقف خروج الغزيين للعمل في دول المنطقة.
المرحلة الثالثة، إقامة قوة حفظ نظام فلسطينية بإشراف إسرائيلي ومصري. وتبقي إسرائيل على حرية عمل أمني في القطاع. إذا لم تقم القوة الفلسطينية بدورها، تحل وتستبدل بقوة عربية بمشاركة إسرائيل.
المرحلة الرابعة: منطقة التجارة الحرة – غزة. في هذه المرحلة، التي لن تبدأ إلا بعد سبع سنوات من بداية خطة الإعمار، يبنى ميناء في القطاع وممر بري مع الضفة. مع خروج المشاريع إلى حيز التنفيذ بتوجيه وتمويل دوليين، مثل شبكة سكك حديدية تربط القطاع بمصر والأردن، يعترف بغزة كمنطقة تجارة حرة.
في هذه المرحلة، توحد رفح المصرية والفلسطينية. وهنا كل تنظيم إرهابي وتحريض وتقويض للاتفاقات يؤدي إلى وقف المسيرة.
المرحلة الخامسة: مع مرور عشر سنوات، وفي حالة أن يسمح الواقع بذلك، حينئذ يقام كيان مستقل ومجرد من السلاح في غزة. هذه، بدورها تصبح جزءاً من الدولة الفلسطينية. هنا أيضاً الحبل واضح؛ إن عدم الالتزام بالاتفاقات يؤدي إلى وقف مسيرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
بحث “اليوم التالي في غزة يجب أن يتركز على “العقد التالي” والتصدي لصدمات الماضي لدى الطرفين من خلال بناء تدريجي وحذر للثقة. هكذا نتمكن من التحرك نحو حل أحد النزاعات الأطول في الزمن الحديث.
عوديد عيلام
إسرائيل اليوم 5/3/2024