عاموس هرئيل
كلما اقترب شهر رمضان يزداد التشاؤم حول احتمالية التوصل إلى صفقة لإطلاق سراح المخطوفين. ظاهرياً، قد تنضج العملية حتى بعد بداية رمضان، لكنه كان التاريخ الهدف الذي حددته الإدارة الأمريكية – حتى الآن لا تظهر أي انعطافة. يبدو أن ديناميكية كلاسيكية للمفاوضات تعمل هنا. تبدو الاحتمالات ضئيلة، والوسطاء لا يظهرون أي تفاؤل، حتى اللحظة الأخيرة. نأمل بحدوث تقدم، لكن الفجوة بين مواقف إسرائيل ومواقف حماس ما زالت كبيرة جداً. وثمة شك بوجود رغبة حقيقية في التوصل إلى اتفاق لدى الطرفين.
ألقى الرئيس الأمريكي جو بايدن، هذا الأسبوع، المسؤولية على حماس، وقال إن إسرائيل ردت بالإيجاب على الخطة التي عرضتها الولايات المتحدة ومصر وقطر، والمطلوب رد إيجابي من حماس. وهو رد لم يصل حتى الآن. الخطة الأساسية التي تم عرضها في جولات المحادثات في باريس والقاهرة أصبحت معروفة: حماس تطلق سراح 35 إسرائيلياً في المرحلة الأولى من الذين اختطفوا في 7 تشرين الأول، نساء ومسنين ومرضى ومصابين. في المقابل، تطلق إسرائيل سراح بضع مئات من السجناء الفلسطينيين، وسيعلن عن وقف لإطلاق النار لستة أسابيع، تتم في أثنائه مناقشة إطلاق سراح جميع المخطوفين. في القطاع اليوم 134 إسرائيلياً محتجزاً، وأعلن الجيش الإسرائيلي عن موت 33 منهم، لكن العدد الحقيقي للقتلى أكبر من ذلك.
هناك ثلاث نقاط رئيسية مختلف عليها الآن بين الطرفين: عدد السجناء “المهمين” الذين سيتم إطلاق سراحهم، وطبيعة الانتقال إلى وقف إطلاق النار الدائم وإنهاء الحرب، وحجم إعادة السكان الفلسطينيين إلى شمال القطاع. حسب مصادر مطلعة على المفاوضات، تطالب حماس بأن تشمل المرحلة الأولى إطلاق سراح حوالي 100 سجين من الملطخة أيديهم بالدماء، أي الذين قتلوا إسرائيليين؛ وافقت إسرائيل على إطلاق سراح 10 سجناء فقط. تريد حماس بعد ذلك الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي إعادة المخطوفين الآخرين الذين ما زالوا على قيد الحياة وعشرات جثامين الإسرائيليين الذين تم اختطافهم والآن جثثهم محتجزة في غزة، مقابل انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من القطاع (عملياً إنهاء الحرب وبقاء حكمها)؛ أما إسرائيل فلا تتعهد بذلك. وتطالب حماس أيضاً بإعادة جميع سكان شمال القطاع إلى بيوتهم التي دمرها الجيش الإسرائيلي أثناء الحرب، في حين أن إسرائيل مستعدة لإعادة النساء والأطفال فقط.
القضية الأهم تتعلق باستمرار القتال. حماس تعتقد أن إطلاق سراح المخطوفين سيكون السلم الذي سيمكن فيما بعد من الخروج من حالة القتال، ومعه بوليصة التأمين لقيادتها. إسرائيل غير مستعدة لذلك.
حتى لو تم استكمال النبضة الأولى في الصفقة الجديدة، فربما تنفجر المفاوضات حول النبضة الثانية التي ستناقش فيها إعادة الجنود والرجال تحت جيل الخمسين والجثامين، مقابل إطلاق سراح آلاف السجناء الفلسطينيين.
في هذا الأسبوع، وسع الجيش الإسرائيلي قطاع عملياته في خانيونس ودخل إلى الحي الذي بنته حكومة قطر، أبراج حمد، الواقع شمال غربي المدينة. اعتبرت المنطقة هدفاً جديداً على خلفية معلومات استخبارية عن وجود الكثير من المخربين من قوات النخبة الذين يختبئون هناك. تم اعتقال عشرات من رجال حماس في هذا الحي وقتل عشرات بنار الجيش الإسرائيلي. المقاومة هناك لم تعد منظمة؛ ففي خانيونس لم تبق أي كتائب منظمة لحماس، بل خلايا عصابات صغيرة تعمل بشكل مستقل.
حتى الآن، تظهر العملية في خانيونس وكأن الجيش يبحث لنفسه عن عمل مؤقت، في الوقت الذي ينتظر فيه الأوامر الجديدة. لم يتنازل جهاز الأمن عن جهود العثور على رؤساء حماس في القطاع، يحيى السنوار ومحمد ضيف. ولا يجب استبعاد إمكانية أنهما وجدا ملجأ جديداً تحت الأرض في منطقة خانيونس.
في مرحلة متأخرة، في ظل عدم وجود صفقة، سيطرح السؤال: إلى أين سيصلون قبيل نهاية شهر رمضان – مخيمات اللاجئين التي بقيت في وسط القطاع (النصيرات ودير البلح) أو رفح. التعقيدات في رفح معروفة: اكتظاظ كبير للمدنيين، ومطالبة المجتمع الدولي بالسماح بخروج المدنيين من هناك بأمان. في المقابل، الكتائب الأربع التي بقيت لحماس في رفح لا تعتبر قوية، وخلال السنين سادت ظاهرة الفساد في قيادتها العليا. ثمة قاسم مشترك للعملية في رفح، إضافة إلى ملاحقة السنوار والضيف. فبدون هزيمة حماس، بالتأكيد في ظل غياب النصر المطلق الذي يعد به رئيس الحكومة دائماً، تبحث إسرائيل عن صورة انتصار. اغتيال قادة حماس قد يوفر البديل عن النصر. في حين أن العملية في رفح ستكون طويلة وباهظة الثمن وأكثر تعقيداً، ولكن قد تدعي إسرائيل بعدها بأنها قد دمرت بنية حماس العسكرية في كل القطاع.
لكن ظل عدم وجود صفقة ووقف لإطلاق النار، ربما يتطور نوع من نسخة مصغرة لحرب لا تنتهي بين روسيا وأوكرانيا. تقف إسرائيل أمام عملية استنزاف في جبهتين، لبنان وغزة، وهي في هذه الأثناء لا تستطيع إنهاء الحرب. الأعداء يصممون على مواصلة القتال، حتى مع كثرة خسائرهم وعدم تحقيقهم إنجازات حقيقية جديدة.
الخروج من عنق الزجاجة
في محادثات جرت بين جهات اسرائيلية رفيعة والإدارة الأمريكية، ظهر قلق أمريكا من سيناريو التدهور إلى أزمة إنسانية شديدة، لا سيما في شمال القطاع. في الأسبوع الذي مر بعد كارثة الشاحنات في غزة، التي قتل فيها أكثر من 100 غزي في أعمال الفوضى حول قافلة المساعدات (بعضهم بنار الجيش الإسرائيلي)، تم بناء على طلب منهم زيادة حجم المساعدات التي يجب إدخالها إلى القطاع. بعض هذه المساعدات يتم إنزالها بالطائرات، وفي القريب سيتم فتح ميناء بحري بإشراف الغرب عن طريق قبرص. مساء أمس، أعلن الرئيس الأمريكي عن إقامة ميناء على شاطئ قطاع غزة يسمح باستيعاب مئات إرساليات المساعدات الإنسانية كل يوم. قائد قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الأمريكي، الجنرال مايكل كوريلا، أجرى جولة في معبر رفح في الطرف المصري، واكتشف في المحادثات مع سائقي الشاحنات أن بعضهم موجودون هناك منذ أسابيع. والأمريكيون يحثون إسرائيل على كسر هذه الاختناقات وضمان وصول المساعدات بشكل منظم وسريع.
عندما حذر إيهود باراك في 2011، الذي كان في حينه وزير الدفاع، من “تسونامي سياسي” يتربص بإسرائيل، لم يتحقق هذا التحذير، واستخف به مؤيدو نتنياهو. ولكن على خلفية إطالة مدة الحرب في القطاع، يبدو أنه يقف الآن أمام إسرائيل، في أوساط الديمقراطيين في الولايات المتحدة وفي حكومات غربية متعاطفة، التي يفحص بعضها اتخاذ خطوات رمزية للمضي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.
هولندا، ومؤخراً بريطانيا، بدأتا مناقشة فرض قيود على تصدير السلاح لإسرائيل أثناء الحرب، إزاء انتقادات داخلية لإدارة الحرب في غزة. هناك أيضاً تخوف متزايد من محاولة أوروبية للعمل ضد ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي في الساحة القضائية الدولية بسبب دعاوى ارتكاب جرائم حرب. بالنسبة لأغلبية الجمهور الليبرالي في الغرب، يبدو أن فظائع 7 تشرين الأول تم طمسها منذ زمن، والحديث الآن يدور عن خطر الجوع في القطاع وعن مليون لاجئ تقريباً يتجمعون في رفح.
في الخلفية، كما أشار بايدن، ينتظر خطر شهر رمضان. ومن دون صفقة وهدنة، ربما ترتفع الحرارة في الحرم، وربما في كل العالم العربي، إلى درجة الوصول إلى موجة جديدة من مظاهرات التماهي مع الفلسطينيين في العواصم العربية كما حدث في بداية الحرب. نعومي نويمان، رئيسة الأبحاث السابقة في “الشاباك”، كتبت في مقال نشرته في موقع معهد واشنطن لأبحاث الشرق الأوسط، بأنه إذا لم تخطُ السلطات الإسرائيلية بشكل حذر، فسيتفاقم الوضع في “المناطق” [الضفة الغربية] بشكل دراماتيكي في شهر رمضان.
أججت حماس مؤخراً حملة “الأقصى في خطر” في محاولة لتوسيع ساحة الحرب. في الواقع الذي يزداد فيه عدد الشبان الفلسطينيين في الضفة الذين يتعاطفون مع المسار العنيف الذي ترسمه حماس، كما كتبت نيومان، فمن المهم لإسرائيل أن تبث وجود صيغة بديلة إيجابية في الساحة الفلسطينية، من خلال إظهار بعض المرونة تجاه الاقتراحات الأمريكية.
كما يبدو لن يحدث هذا في القريب بسبب رغبة نتنياهو في الحفاظ على التحالف مع الجناح اليميني المتطرف في حكومته. وهناك مصادر أمنية في إسرائيل تلاحظ الآن نطاقاً من التفاهمات الممكنة مع الولايات المتحدة. وحسب قول هذه المصادر، سيكون كافياً إصدار تصريح إسرائيلي عام لا يستبعد حل الدولتين، للحفاظ على استعداد أمريكا لمواصلة استخدام الفيتو ضد أي مشاريع قرارات معادية في مجلس الأمن ومواصلة تزويد إسرائيل بالسلاح وقطع الغيار.
تحاول إسرائيل خلق شعور بإلحاحية مرضية لدى الأمريكيين حول الحاجة للتوصل إلى اتفاق سياسي في المنطقة الشمالية. مصدر أمريكي رفيع قال مؤخراً إن حوالي 12 شخصاً إسرائيلياً يعرفهم أرسلوا له منشوراً كتبه أحد المدونين الإسرائيليين في الإنترنت، الذي يكتب بالاسم المستعار “أبو علي اكسبرس”، يحذر فيه بأن إسرائيل ستضطر إلى شن حرب شاملة ضد “حزب الله”.
هآرتس 8/3/2024