تنتاب سكان قطاع غزة حالة من اليأس والإحباط، بعد أن عقدوا الآمال بنجاح جهود التهدئة قبل حلول شهر رمضان المبارك، لكن تعثر الجهود بين حماس وإسرائيل بوساطة قطر ومصر والولايات المتحدة، أثار حالة من السخط لا سيما بين النازحين جنوب القطاع الذين ينتظرون بفارغ الصبر السماح لهم بالعودة إلى ديارهم في شمال غزة، وقضاء الشهر الفضيل داخل منازلهم ولو حتى فوق أنقاضها.
وبذل الوسطاء على مدار الأسابيع الماضية جهودا مضنية من أجل التوصل إلى هدنة لمدة ستة أسابيع في قطاع غزة مع حلول شهر رمضان، تتضمن تبادل الرهائن بين حماس وإسرائيل والسماح بعودة النازحين إلى شمال غزة وانسحاب الجيش من مراكز المدن، لكن إصرار حماس على مطالبها خلال جولة التفاوض قوبل برفض من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي وصف المطالب بغير المعقولة، وعلى إثر ذلك غادر وفد حماس القاهرة تاركاً الكرة في ملعب إسرائيل للرد على مطالبها للتقدم في المفاوضات.
ومنذ اللحظات الأولى للحديث عن بدء التفاوض حول التوصل إلى هدنة قبل شهر رمضان، وإعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن قبل أيام بأن اتفاق التهدئة بات وشيكاً، يواصل عدد كبير من النازحين الاهتمام في متابعة الأخبار على مدار الساعة، حيث بات لافتاً تجمعهم أمام الخيام بجانب أجهزة الراديو التي تنقل بث العديد من القنوات العربية الإخبارية، من أجل سماع أخبار مفرحة حول مصير التهدئة التي ضجت وسائل الإعلام بقرب التوصل لها خلال الأيام القليلة الماضية، لكن سرعان ما غابت مشاهد تجمع النازحين بجانب أجهزة الراديو مع فشل الجهود نتيجة الإحباط الذي خيم عليهم.
وبسبب صعوبة التوصل إلى أي اتفاق مع قرب حلول شهر رمضان، لا يعول النازحون على أي بوادر إيجابية يمكنها التقدم في موضوع التهدئة، خاصة وأن تصريحات قادة الاحتلال الإسرائيلي لا تبشر بوجود نوايا حقيقية لديهم للمضي نحو هدنة خلال شهر رمضان الذي يحتاج فيه السكان إلى الهدوء لأداء العبادات والتمتع بطقوس الشهر الفضيل، رغم ما ألم بالقطاع من جرح عميق بفعل حرب التجويع والإبادة التي تمارسها إسرائيل ضد المدنيين العزل.
صيام من دون قصف
وفي أحاديث منفصلة عبر نازحون عن بالغ استيائهم من تعثر جهود التهدئة في القاهرة، وحاجتهم لقضاء أوقات الصيام بسلام من دون قصف وملاحقة إسرائيلية لهم، فيما يخشى الكثيرون من توجه الاحتلال إلى شن عملية عسكرية على مدينة رفح خلال الشهر، في خطوة للضغط على حماس للتنازل عن مطالبها، حيث تكتظ المدينة بأكثر من مليون ونصف نازح يعيشون في ظروف سيئة، وسط صعوبة الحصول على المساعدات الغذائية، نتيجة إغلاق الاحتلال المعابر ومنع تدفق المساعدات التموينية التي من شأنها سد رمق جوعهم. ويبدي المواطن أحمد عمران امتعاضه الشديد من تعثر الجهود من أجل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة خاصة خلال شهر رمضان، وذلك بعد أن باتت الأخبار خلال الفترة السابقة مبشرة، لكن تنصل إسرائيل من مطالب المقاومة ورفض التجاوب معها خيب آمال المواطن وأسرته.
وقال عمران لـ«القدس العربي»: إن واقع النازحين الذين يعيشون داخل الخيام صعب للغاية، وشهر رمضان يحتاج إلى أن نكون داخل منازلنا، حيث صعوبة الحصول على المياه، وهذا يعيق على جميع النازحين أداء العبادات، وحتى المكوث داخل الخيام طوال فترة الصيام أمر صعب للغاية.
ويأمل المواطن «أن يبذل الوسطاء جهودا أكبر خلال الأيام المقبلة، على أمل أن يكون هناك تقدم في ملف التفاوض، وتتجاوب إسرائيل مع مطالب حركة حماس، التي من خلالها تنهي حالة اليأس والإرهاق التي تخيم علينا كنازحين، وذلك مع دخول الحرب شهرها السادس على التوالي، وتهديد الاحتلال باجتياح مدينة رفح خلال الأسابيع المقبلة، وإن حدث ذلك خلال رمضان، فإن ذلك سيكون كارثة على النازحين الذين يتكدسون في مختلف مناطق مدينة رفح ولا يجدون مكانا آمنا يذهبون إليه، نتيجة الملاحقة الإسرائيلية للمدنيين في كل مكان داخل قطاع غزة».
ويزداد الإحباط بشكل أكبر لدى شريحة الكادحين الذين ضاقت بهم السبل ولا يوجد لديهم مصدر دخل، ويستغلون شهر رمضان من أجل العمل في مهن موسمية للرزق، حيث يشهد الشهر اكتظاظا في الأسواق والشوارع العامة.
استمرار إغلاق المعابر
إياد الجمال اعتاد خلال شهر رمضان على العمل في مهنة بيع حلوى القطايف الموسمية الخاصة بشهر رمضان، وطوال فترة الحرب كان على أمل حل ونفراجة قبل حلول رمضان، من أجل العمل على ترتيب أوضاعه ومحاولة توفير احتياجات مهنته، حيث ينتظر الشهر بفارغ الصبر للعمل في هذه المهنة التي تعتبر بالنسبة له مصدر رزق وحيد.
وقال لـ«القدس العربي» إنه كان يقضي جل وقته خلال الأسابيع القليلة الماضية في متابعة أخبار جهود التهدئة، على أمل أن تفضي بحل ولو مؤقت بالنسبة له خلال رمضان، لكن مع أخبار تعثر جهود التفاوض حول التهدئة، أصيب الجمال بحالة من اليأس الشديد، خاصة وأن ظروفه المادية صعبة للغاية وسط حالة الغلاء الفاحش في أسعار المواد التموينية، وهو غير قادر على تلبية احتياجات أسرته من طعام لعدم توفر سيولة نقدية لديه، إلى جانب ضعف تدفق المساعدات بسبب استمرار إغلاق المعابر ومنع الاحتلال إدخال المساعدات.
وبين الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي شريف السيد أن الاحتلال الإسرائيلي وخاصة حكومة اليمين المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو، ليست لديها نوايا حقيقية برغم الضغوط الداخلية والدولية المفروضة من أجل التقدم في التفاوض للوصول إلى صفقة تبادل أسرى، لأن الحكومة تواصل تبني سياسة إبادة السكان في قطاع غزة، ولا تنوي أي تسوية مع حركة حماس باعتبار أن ذلك من وجهة نظر الحكومة انتصارا على إسرائيل.
وأشار السيد في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن هناك حالة من الإحباط لدى السكان في قطاع غزة لاسيما النازحين في جنوب القطاع، الذين عولوا على عودتهم إلى ديارهم في الشمال، بعد إصرار حماس على عودة النازحين، حيث عبرعن لجم إسرائيل عن مواصلة قتل المزيد من المواطنين، وإدخال المساعدات كان النازحون على أمل العودة خاصة خلال شهر رمضان، للخروج من واقع المعيشة الصعب داخل الخيام، التي لا تقيهم لا برد الشتاء ولا حر الصيف.
ولفت المختص في الشأن الإسرائيلي إلى أن شهر رمضان سيكون صعبا على السكان في شمال قطاع غزة، خاصة مع استخدام الاحتلال سلاح التجويع ضد أكثر من 500 ألف مواطن يعيشون داخل مناطق غزة وشمالها، وهذا سيصعب على السكان إمكانية الصوم لانعدام الغذاء والمياه واعتماد السكان على أكل الحشائش وأوراق الشجر، مع نفاد ما تبقى من مخزون غذائي من البقوليات وغيرها من المواد التموينية الأخرى.
وتواصل إسرائيل شن حربها المستعرة للشهر السادس على التوالي على قطاع غزة، مرتكبةً المزيد من المجازر والإبادة بحق المدنيين العزل ولاسيما الأطفال والنساء منهم، وسط صمت دولي وعجز الغذائية إلى النازحين الجوعى الذين يواجهون ظروفاً هي الأصعب على الإطلاق.