برناديت حديب: مسارح بيروت هي نبضها الجميل وفضاء للحوار والتلاقي

زهرة مرعي
حجم الخط
0

«ماغما» تفجير لقلق وغضب يعمُّ أكثرية اللبنانيين مما آلت إليه أحوالهم

بيروت ـ «القدس العربي»: برناديت حديب ممثلة قوية الحضور، وأينما حلّت في المشهديات البصرية تترك أثراً مميزاً. على خشبة المسرح تكون شديدة الامتلاك لهذا الفضاء الواسع، الذي تعطيه الأولوية في حياتها المهنية. قبل أسابيع حضرت على مسرح دوّار الشمس في مونودراما «ماغما» من كتابة وإخراج عصام بو خالد. بدّت غاية في النضج الفني والإنساني، وباحت بالكثير من القضايا التي تُقلقها، عن ذاتها التي أذتها العنصرية، وعن إبادة الأطفال المتواصلة في غزّة، وعن تفجير المرفأ الذي ما يزال مجهول الفاعل، وعناوين أخرى.

جريئة برناديت حديب جداً في «ماغما» حين وصفت بعضنا بالغنم. فهم ينتجون الطبقة السياسية ذاتها في كل دورة انتخابية، ويعيدونها إلى مجلس النواب، ويصفقون للزعيم نفسه، ويطلبون رضاه.
برناديت حديب ممثلة قررت أن لا تجمع بين عملين، لهذا تغيب عن موسم رمضان الدرامي على الشاشات الصغيرة. «ماغما» شكّلت أولويتها.
مع الممثلة برناديت حديب هذا الحوار:

○ كنت وحيدة في العرض المسرحي «ماغما». غبت لبعض الوقت عن المسرح وكان الإنفجار، ألهذه الدرجة كنت مضغوطة وقلقة؟
• احتمال الغياب عن الدراما التلفزيونية وعن السينما ممكن، ومن غير الممكن أن أغيب عن المسرح. في العام الماضي والذي سبقه كنت في مسرحية «ريحة العنبر» للمخرج عصام بوخالد، مع ممثلين متعددين. ثيمة المسرحية تفجير المرفأ وتسليط الضوء على من استغلّوا هذه الكارثة، واستغلّوا واقع الناس المحزن جداً بهدف كسب المال لذاتهم. هؤلاء أكثروا في تنظيم حملات التبرعات، وبالنهاية صبّت الأموال في جيوبهم. لعبت في «ريحة العنبر» تلك الشخصية الانتهازية التي استغلت الظروف الموجعة والمحزنة لمن وقعت عليهم كارثة المرفأ. عرض «ماغما» كما رأيته تَشَكّل من مجموعة ضغوطات، وقضايا مُقلقة نعيشها في مجتمعنا اللبناني منذ أربع سنوات إلى الآن، بدءاً من ثورة 17 تشرين الأول/اكتوبر، ومن ثمّ كورونا، وسرقة المصارف لمدّخرات الناس، وتالياً تفجير المرفأ. وحالياً نعيش ومنذ خمسة أشهر عدواناً وحشياً على قطاع غزّة. كانت فلسطين وغزّة حاضرة، وحضرت العنصرية التي تعرّضت لها في حياتي. «ماغما» مسرحية مُكثّفة لحالات إنسانية، واجتماعية واقتصادية نعيشها في لبنان. إنها حالات كنّا بحاجة مُلحّة لإخراجها إلى العلن، ولأن نتشارك قلقنا مع الناس. وبالطبع كارثة المرفأ يجب أن تبقى حية، فهناك إحساس بأن شريحة من اللبنانيين لم يعد يرق لها سماع موضوع التفجير. بالتأكيد يجب تكرار الحديث عن تفجير المرفأ طالما لم نعرف حقيقة ما جرى، ولم يحاكم أي مسؤول عن هذا الرعب المهول الذي تعرّضنا له، والاحتمال وارد بأن يتكرر طالما المسؤولين غير المسؤولين لم يطلعوا الناس على الحقيقة، ولم يحاسبوا على الجريمة التي اقترفوها بحق سكّان بيروت. نعم «ماغما» تفجير لغضب وقلق وضغط نعيشه في بيروت، وكان لهذه المرأة أن تحكي كل تلك المعاناة.
○ تشعّبت العناوين التي تناولتها مسرحية «ماغما» ونعرف أنّ جميعها يمَسُّك. هل من عنوان شديد الأثر بالنسبة لك؟
• بصراحة ليس لي أن اختار عنواناً واحداً لأقول أنه الأشد تأثيراً بي. المحطات التي تناولتها المسرحية جميعها تعنينا، بغير ذلك كنا تخطيناها. إذاً «ماغما» عنوان شامل لهذه المرأة التي تحمل بداخلها كل هذا الوجع، والصراعات، والإنكسارات التي تعيشها، وتالياً يعيشها الوطن. هناك تابوهات ممنوع تناولها، لكنّها تُلحّ في لا وعي تلك المرأة، فتعيشها صراعاً داخلياً مؤلماً. من هنا ليس لي أن اختار عنواناً وتصنيفه أكثر إلحاحاً، أو أكثر أذى. بالنسبة لي تتألف المسرحية من مفاصل مهمة وأساسية، وبالتالي العنوان الشامل هو الأقرب لحالة هذه المرأة الواقفة على أرض نارية تغلي، تتحضر للانفجار ولا تتمكن، يلحّ عليها الكلام لكنه يخذلها ولا يخرج، ولهذا حكت بداخلها ولذاتها.
○ هل الناس غنم بالفعل كما قالت «ماغما» أم أنّ التغيير لم يبلغ أوانه؟
• غنم قصدت بها شريحة كبيرة من اللبنانيين. شريحة رغم كل ما مررنا به من مآسي، وتفجير، وتجويع، وسرقة المصارف لأموالنا، وتهميش الجامعة اللبنانية ودورها الثقافي في مجتمعنا، يذهبون إلى صناديق الاقتراع ويعيدون إنتاج الطبقة السياسية نفسها، ويتمسكون بالزعيم أياً يكن، ويصفقون له ولحضوره في السلطة، ويدافعون عنه. بالطبع وللأسف ليس لي سوى تشبيههم بالغنم إلى حين يقررون التغيير. بالتأكيد الوصف ليس شاملاً للجميع، البعض بات نقدياً وغيّر منهجه بعد كل ما مررنا به، ولم تعُد طاعة الزعيم تعنيه.
○ كم شكّل انفجار المرفأ اللحظة الحاسمة لبدء التفكير بـ«ماغما» كعرض مسرحي؟
• كافة خيوط المسرحية أفضت للحديث عن تفجير المرفأ. شاركنا تفجير المرفأ بالصور وكذلك العدوان على غزّة. بيروت على المتوسط، وأيضاً غزّة، والقتل طال المكانين مع فارق النسبة بالتأكيد. تعيش غزّة إبادة بكل معنى الكلمة، إبادة بحق النساء والأطفال والرجال، لكنّ المشهدية ركزت على الأطفال.
○ لماذا قررت أنت وعصام بو خالد كاتب ومخرج «ماغما» أن تكوني وحيدة على المسرح؟
• بعد سنوات من العمل مع المخرج عصام بو خالد بتُّ أدرك أن لا مجانية على الخشبة، سواء في النص، والسينوغرافيا، والموسيقى، والإضاءة والتمثيل. وبالتالي أحادية وجودي على المسرح تتبع المنظومة التي يعتمدها عصام بوخالد في عمله. لم يكن المبرر موجوداً لحضور ممثل أو ممثلة أخرى على خشبة المسرح، عندما تكون ممثلة قادرة على حمل مسؤولية تلك المسرحية على منكبيها وحيدة، إذاً درامياً أخذ النص طريقه إلى المونودراما، وذلك انطلاقاً من الفكرة والمضمون والأسلوب والإخراج. عاشت هذه المرأة كافة تلك الحالات من شيزوفرينيا، وهلوسة، وقلق، ووجع، وضحك، جميعها حالات وجدت في امرأة واحدة، وتمكنت من ايصال الرسالة إلى الجمهور.
○ منذ سنوات قليلة نلحظ حضوراً ناجحاً لعدد من الممثلاث في أدوار منفردة على المسرح. هل تتابعين الزميلات وما هو رأيك؟
• أكيد أتابع كافة الأعمال المسرحية على الخشبات اللبنانية، فردية كانت أم مشتركة. متابعة كل جديد في المسرح تعني لي الكثير، سواء لجهة الفرح بالعروض الجديدة، أو لتشجيع الزميلات والزملاء. ثمة مسرحيات جيدة جداً، وأخرى أقل جودة. إنما جميعها تجارب من المهم متابعتها والتعلُّم منها. للممثل أن يختبر مع الجمهور تلك المسرحيات، ونقاط ضعفها وقوتها. كل عمل جديد نشاهده، أو نشترك في تمثيله نشعر أنه أضاف لنا، وتعلمنا منه، وسيضيف إلى رصيدنا كمشاهدين وممثلين. كممثلة من واجبي تشجيع الزميلات والزملاء الذين يقفون على خشبة المسرح بغض النظر عن مسرحياتهم.
○ أنت عضو مؤسس في الجمعية التعاونية شمس وفي برنامجكم حيوية ظاهرة وكذلك في المسارح الأخرى. كيف تقرأين حال المسرح في بيروت؟
• كعضو مؤسس لجمعية شمس ورئيستها حالياً، ألمس حيوية ليس فقط في الحركة المسرحية، بل في الحركة الثقافية عامة. الناس في عطش حقيقي للتفاعل مع نشاط ذو قيمة فنية عالية، خاصة في هذا الواقع المزري الذي يمرّ به لبنان. كذلك يشتاق الناس للتلاقي والمشاركة والتحادث بعضها مع الآخر في أماكن عامة. ويشكّل فضاء المسرح مُلتقى للناس للحديث والنقاش، وطرح الأفكار. وتُشكّل المسارح برأيي نبض بيروت الجميل الذي تشتاقه الناس. نرى أن الحياة تعود إلى المسرح بقوة، كما ونرى بوادر ثقافية لافتة، منها العروض الراقصة، ومحترفات ناشطة، ومعارض رسم ونحت، ولهذا يستغرب البعض هذه الحيوية الثقافية رغم أوضاعنا المعروفة. نحن نثبت في كافة المراحل أننا شعب يسعى إلى الثقافة ويطلبها، وإلى كل ما يتميز بقيمة عالية على صعيد الفكر، ويحب الحياة. سأبقى أكرر بأننا شعب لا يموت رغم كافة الظروف. نحن نملك عزماً على الاستمرارية والعطاء، سنتابع رغم كل جهود المسؤولين غير المسؤولين لتحطيمنا، ونقول لهم في كل يوم رغم أولوية لقمة العيش، نحن قادرون على الاستمرار وتحقيق الريادة في العالم العربي، واننا طليعيين في أي مكان نكون فيه وخاصة في كافة أشكال الفنون.
○ ماذا عن حضورك في مسلسلات رمضان؟
• للأسف ليس لي نصيب في رمضان رغم أن دوراً جميلاً وصلني في أحد المسلسلات. كنت في أوج التحضير لعرض مسرحية «ماغما» وقد سبق وأخذت عهداً على نفسي بعدم دمج عملين معاً، كي لا أعرج في أحدهما. كان الخيار ضرورياً بين المسرح والتلفزيون، وأنت تعرفين بأن المسرح أولويتي، فكانت «ماغما».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية