أخطر ما في مقابلة ميشال سماحة، المجرم المدان، والمحكوم بالسجن 13 عاماً بتهمة الإعداد لتفجير مسجدين للسنّة في شمال لبنان، أنه يصرّ على استبعاد الحديث عن جريمته، فيما المذيع متواطئ مع ضيفه، على أمل حلقة مقبلة يوماً ما تخصص للجريمة. يختم المذيع المقابلة بسؤال لا يريد له جواباً الآن، فهو يؤجله ليكون السؤال الافتتاحي في الحلقة الموعودة: ميشيل سماحة يحكي بهذه الخلفية الروحية والدينية، ما الذي ورطه بالأمن (يقصد الجريمة)، أو كيف وُرِّط؟ والسؤال ليس سؤالاً تماماً قدر ما هو استكمال في التضليل، والإيهام بأن ما جرى ورطة، وتوريط.
لكن سؤال المذيع يكشف بالفعل إستراتيجية الحلقة، إذ يبدو الهدف تصوير سماحة على أنه المشغول إلى أبعد خلية فيه بدور وطني أكبر حتى من لبنان، فحتى في سجنه كان مشغولاً بمتابعة أدق التفاصيل داخل إسرائيل.
يبدو، رغم كل ما حدث معه، أنه قادر على التحكم والبقاء حيث يريد، في المكان الذي يقارع فيها المؤامرة الكونية على سوريا والمقاومة، يعود إلى الغزو الأمريكي إلى العراق، وكيف قتلت أمريكا العراقيين، وما كان يُحَضَّر لسوريا ولبنان. والشيء الوحيد الذي سرّبه عن ملف جريمته هو أن توقيفه جاء استهدافاً لدوره في حماية سوريا والمقاومة، خصوصاً في الغرب (سيناريو مضاد لسيناريو اغتيال رفيق الحريري).
لقد تغيّرَ كل شيء، نحن أيضاً تغيّرنا، لكن ليس إلى الحدّ الذي يمكن أن نتسامح فيه مع جريمة بحجم جريمة ميشال سماحة، بأوامر من علي والرئيس
كذلك حرص سماحة على إظهار نفسه كمسيحي ملتزم، ولم يَفُتْه أن يعايد المسلمين بدخولهم شهر الصيام، والمسيحيين على دخولهم في نهايات صيامهم.
يدهشني حقاً هذه التماسك لدى من أدين بوثيقة دامغة لا تنكر، دامغة إلى حدّ أن حلفاءه بكل ثقلهم وقوتهم لم يستطيعوا مساعدته على الإفلات منها. والفيديو/ الوثيقة ما زال متوفراً على وسائل التواصل الاجتماعي، ويصور سماحة وهو يعطي أوامره وتوضيحاته بخصوص استهداف المسجدين، بل ويعترف بأن شخصين فقط لديهما علم بخطة الجريمة هما بشار الأسد وعلي مملوك. وكأي مجرم مافيوزي متمرّس لم يفرق معه من يذهب أو يصاب في التفجيرات، لن يفرق معه «مين بيروح بالدرب»، إن كانوا نواباً في المنطقة، أو شيوخاً سنّة.
كذلك لم يفت سماحة أن يذكّر بعودة العالم إلى سوريا، وعندما سئل كيف، وما حاجة العالم إلى النظام السوري لفَّ ودارَ، واضح أن كل ما أراده أن يهدد الخصوم الداخليين في لبنان بعودة النظام، الخصوم الذين عليهم أن يتسامحوا مع جريمته، كما تسامحوا مراراً مع جرائم النظام السوري. لا شك أن إطلالة سماحة الإعلامية محاولة مكشوفة لاستثمار الدعم الشعبي العالمي لغزة، أو للاستئثار به، وتجييره لصالح النظام الممانع، بل يمكن القول إن هذا ما فعله مدانون كثر، حتى بجرائم وجنايات بعيدة كل البعد عن السياسة. لقد تَغيَّرَ العالم فعلاً، تغيرتْ خرائط التحالفات والمؤسسات والطائرات واتجاهات الصواريخ ومختلف الرؤى، تغيرت خصوصاً اتجاهات جريان السفن، ووصل تأثير دومينو غزة إلى أبعد من المتوقع. لقد تغيّرَ كل شيء، نحن أيضاً تغيّرنا، لكن ليس إلى الحدّ الذي يمكن أن يتسامح فيه المرء مع جريمة بحجم جريمة ميشال سماحة، بأوامر من علي والرئيس.
إن كانت هنالك أيّ نوايا بفتح نقاشات ومضافات وتكهنات بخصوص الدراما التلفزيونية السورية في الموسم الرمضاني لهذا العام، بخصوص إن كان هذا المسلسل يروّج وجهة نظر النظام أم لا، أو حول تفسير الجرأة تجاه الفساد الحكومي تحت سقف النظام، أو محاولة التكهن بأن هذا الممثل أو ذاك تبدو عليه سيماء المعارضة والاحتجاج، وقد يكون مغلوباً على أمره، أو «عبداً مأموراً»، استريحوا، لقد أعطاكم النظام، تماماً عشية الشهر الكريم، مفتاحاً ودليلاً، عندما التقى رأسه بشار الأسد ثلّةً من الفنانين، مخرجين وممثلين وموسيقيين، في «حوار شامل حول هواجس الدراميين ومعوقات عملهم في سوريا، وأهمية القرار باستنهاض الدراما وإعادة دورها الرائد واستعادة عصرها الذهبي»، حسب الموسيقي طاهر مامللي، أحد الحاضرين والمتداخلين.
إطلالة سماحة الإعلامية محاولة مكشوفة لاستثمار الدعم الشعبي العالمي لغزة، أو للاستئثار به، وتجييره لصالح النظام الممانع
لم نكن في حاجة لأي دليل إضافي على اصطفاف هذه الدراما ووظيفتها ووجهتها، لكن الأيام قد تنسينا، وكذلك الاعتياد، والغربة، وأحياناً براعة بعض الفنانين، وبراعة التمويه.
«هدية» هذه المقابلة لجمهور السوريين المتشكّكين ظهور الممثل السوري بسام كوسا في مكان بارز على يمين رئيسه، ومن الواضح أن له الحظوة وفرصة الكلام بارتياح (مكانة لا يشبهها إلا مكانة مصطفى الخاني، صاحب شخصية النمس في المسلسل الشامي الشهير «باب الحارة»)، ومع أن كوسا ظهر من قبل في مقابلات عديدة وأظهرَ ولاءه بطريقة أو بأخرى، إلا أن معجبيه من المعارضة لا يريدون تصديق ذلك، فكل ما في هذا الممثل كان يوحي بأنه لا يمكن أن يقف في ضفة النظام.
مرات، تقول لنفسك، هل يعقل حقاً أن هؤلاء الممثلين والفنانين لا يعرفون ارتكابات النظام! هل لديهم أوهام بأن للنظام دوراً جيداً في مكان ما، ومن أجل هذا الدور بإمكانه أن يفعل ما يشاء! هل يمكن أن يتسامحوا، هم الذين يشتغلون بالكلمة والإحساس ونفس الإنسان ومآسيه، مع هذا الحجم من الجرائم والانتهاكات لأي سبب كان؟ ليس هناك احتمال بالطبع بأن أحداً منهم لا يعرف ما يجري بالتفصيل، بدليل أن الرجل الجالس على يمين رأس النظام قال مرة في برنامج إذاعي، عندما انزلق لسانه إلى كلمات اعتَقدَ أنها ستؤذيه، متسائلاً: لا أدري إن كنت سأعود إلى البيت اليوم! وهو يقصد أنه قال عبارة يمكن أن تعتقله بسببها أجهزة أمن النظام.
إنهم يعرفون، ليس هنالك أدنى شك. وبدورنا، بعد كل هذا، سئمنا السؤال، كما سئمنا المسلسل.
٭ كاتب من أسرة تحرير «القدس العربي»