غزة – “القدس العربي”:
على خلاف عادة كل موسم رمضاني، توقفت أعمال الغالبية العظمى من محال الحلويات، ولم تعد تعمل إلا القليل جدا منها، بسبب ظروف الحرب القاسية، التي نجم عمها نفاد غالبية المواد التي تدخل في صناعة هذه الحلويات، خاصة “القطايف”، وقد حاول بعض السكان الاجتهاد بتزيين منازلهم وخيام نزوحهم، ببعض “الفوانيس” الورقية، فيما ترددت أنباء عن إمضاء أسر صائمة يومها بدون القدرة في اليوم الأول على توفير وجبة للإفطار.
حلويات رمضان غائبة
ولم تعد تعمل سوى عدد قليل من المحال أو البسطات التي تصنع “حلويات رمضان”، وتبيع منتجاتها بأثمان مرتفعة للغاية، نظرا لارتفاع تكلفة الإنتاج، إذ يعاني سكان قطاع غزة بسبب ظروف الحرب والحصار المفروض، وشح المواد الغذائية التي تمر إليهم، من ارتفاع خطير في أثمان جميع السلع.
وقد انعكست أجواء الحرب كذلك على كل ما هو موجود في الأسواق، وفي سوق مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، حيث كان عادة في ساعات العصر من أيام رمضان يعج بأعداد كبيرة من السكان، انخفض بشكل كبير عدد مرتادي هذا السوق، فيما عرضت كميات قليلة من بضائع الشهر بأثمان عالية.
رمضان في غزة هذا العام pic.twitter.com/0TD3b7Yyid
— خبرني – khaberni (@khaberni) March 12, 2024
وفي هذا السوق، كباقي أسواق قطاع غزة، لم يعمل إلا محل واحد لبيع “القطايف”، بعد أن كانت ساحة السوق الأساسي يتواجد فيها أكثر من خمسة محال، بخلاف محال وبسطات أخرى تنتشر في حارات وطرقات المخيم، كباقي مناطق القطاع، تفتح أبوابها لبيع هذه العجينة المخبوزة بطريقة معينة، لتصبح طبق الحلويات الأساسي في شهر رمضان.
ورغم وجود محل واحد فقط لبيع هذه السلعة، إلا أن مرتاديه كانوا بأعداد قليلة جدا، مقارنة بأعداد أولئك الذين كانوا يقضون أوقاتا أمام تلك المحال، ليصل إليهم الدور لشراء كمياتهم من هذا الصنف.
وهذه الحلويات تصنع عجينتها من الدقيق وبعض المنكهات والخميرة واللبن، وأثمان هذه المواد مرتفعة جدا في هذا الوقت، كما أن تجهيزها يحتاج إلى خبزها على موقد يعمل بالغاز، والذي يدخل إلى القطاع بكميات شحيحة.
وجميع هذه الأصناف بخلاف أن أثمانها مرتفعة بأكثر من عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، فإنها نادرة الوجود أيضا.
كذلك تحتاج تسويتها بعد الحشو، إلى قليها في الزيت، وهو صنف مرتفع الثمن، ووضعها بعد ذلك في إناء به مستحضر مصنوع من الماء والسكر من أجل التحلية، والسكر في هذا الوقت مفقود بشكل كبير من الأسواق، وبات الكيلو غرام الواحد يباع بنحو عشرين دولارا أمريكيا، بعد أن كان يباع سابقا بأقل من دولار.
من سوق مخيم النصيرات في قطاع غزة في أول أيام رمضان pic.twitter.com/pFfdDnltAe
— Ranouch🇹🇳🇵🇸 (@HcinirandaC) March 12, 2024
محمود شحادة أحد الشبان الذين اشتروا كمية قليلة من “القطايف”، قال لـ”القدس العربي”، إنه حاول فقط تذكر المواسم الماضية التي كانت فيها أسرته تجتمع على مائدة الإفطار، وحولها طعام رمضان، لافتا إلى أن أشقاءه الصغار ألحوا عليهم على شراء “القطايف”.
وبخلاف الكمية التي كان يشتريها لصنع طبق “القطايف” كل عام، وكانت تقدر بكيلو ونصف، لإطعام كل أفراد الأسرة، بالكميات التي يحتاجونها بعد الإفطار، اشترى هذا الشاب نصف كيلو فقط.
وقال “بالكاد سيحصل كل شخص في الأسرة على حبة قطايف واحدة”، ويضيف “هذه تذويقة مش للشبع”.
ويشير إلى أن ارتفاع تكلفة صناعة هذا الصنف، دفعه هو وآخرون للشراء بكمية قليلة، وحال دون شراء الغالبية العظمى من السكان هذا الصنف.
أحد الشبان الذي كان يصب عجينة “القطايف” لخبزها على لوح حديدي يسخن من الأسفل بغاز الطهي، قال لـ”القدس العربي”، إن تكلفة صناعة النصف كيلو من هذا الصنف هذا العام، تفوق ما كان مخصصا لصناعة وتجهيز أكثر من أربعة كيلو في المواسم الماضية، لافتا إلى أن المكسرات والأجبان إن وجدت تباع بثمن كبير، ويضرب مثلا بثمن مكسرات “الجوز واللوز” التي تعد أساسا في الحشو، وارتفع ثمنها بشكل جنوني.
ويشير إلى أنهم قرروا عدم تجهيز عجينة بكميات كبيرة، كما كان الحال في المواسم الماضية، لعلمهم أن حركة البيع ستكون ضعيفة جدا.
موسم بلا أجواء
ولم يكن الأمر بعيدا عن باقي الحلويات التي كانت تصنع في هذا الموسم، ومنذ بداية الحرب أغلقت محال بيع الحلويات أبوابها، لعدم توفر المواد الخام، فيما يتواجد حاليا بعض “البسطات” التي تبيع بأسعار مرتفعة حلوى “لقمة القاضي”، المعروفة في غزة باسم “العوامة”.
كذلك لوحظ أيضا انحسار أعداد باعة “المخللات”، والخضروات الورقية “البقدونس والجرجير والفجل”، لذات السبب، وبخلاف المواسم الماضية، لم يتواجد في الأسواق الشعبية إلا أعداد قليلة من البسطات التي تبيع هذه الأصناف، بسبب ارتفاع ثمنها أيضا، حيث كان السكان يحافظون على وضعها كمقبلات على مائدة الإفطار.
وعن شكل الشهر داخل المنازل، فقد اجتهدت بعض العائلات وزينت منازلها أو خيام نزوحها بفوانيس ورقية، صنعت من “الكرتون” الذي كانت توضع فيه طرود المساعدات الغذائية.
عائلات تتناول إفطار رمضان على أنقاض منازلها التي دمرها الاحتلال في عدوانه على قطاع غزة pic.twitter.com/nYQJ4P3gbM
— خبرني – khaberni (@khaberni) March 12, 2024
ونشرت بعض العوائل صورا لأطفالها يحملون تلك الفوانيس من داخل خيام النزوح.
وعلى إحدى مجموعات موقع “الواتس آب”، كتب أحد المشتركين وهو يصف الأجواء الحزينة، “لأوَّلِ مرَّةٍ لا ينتابُنا شعورُ الفرحِ واللَّهفةِ لقدومِ رمضَان، لَن نجلسَ في بيوتِنا آمنينَ مُطمئنين، ولَن نجتمعَ بصحبةِ الأهلِ والأحّبَّةِ على مائدةٍ واحِدَة كمَا المُعتَاد، ولَن تكونَ هناكَ مائدَةٌ أصلاً، ولَن نصلِّيَ التراويحَ فِي المساجِد، فجُلُّها دُمِّرَت، والجزء المتبقّي محاريبهُ تبكِي”.
وانتشرت صور لعائلات فلسطينية تتناول طعام إفطارها في مراكز النزوح، وأخرى وهي تتناول الطعام على أنقاض منزلها المدمر بسبب الحرب.
صيام بلا فطور
لكن كان أخطر ما سجل في اليوم الأول للشهر الفضيل، هو ما تردد من معلومات تفيد بأن الكثير من العائلات في خيام النازحين بغزة، لم تتناول الإفطار.
وكتبت مدللة على ذلك هنا عليوة إحدى الناشطات على موقع “فيسبوك” وهي تصف الوضع المأساوي وحالة الفقر وقلة الأكل “قبل الأذان بدقايق بنت جميلة ورقيقة على باب البيت يلي نازحين فيه دقت الباب هي وأختها الاكبر منها، حكت كلام ما سمعته ابدا. اقتربت منها وقلتلها شو مالك، قالتلي نحن جيرانكم نازحين من عيلة…. وما قدرنا نعمل فطور”.
وأضافت “البنت الكبيرة واقفة حزينة جدا خجلانة تحكي وتطلب، ودفعت اختها الصغيرة تحكي هالكلمتين!! قسمت فطوري معهم”.
وتابعت “يا الله يا الله علينا وعلى حالنا”، وختمت “يا رب ترجع هالبنت بكرا”.
♦️ أطفال يجمعون ما سقط من المساعدات التي ألقيت على شمال قطاع غزة في ظل حرب التجويع الإسرائيلية التي تتزامن مع شهر رمضان المبارك وسط دعوات من الهيئات الحقوقية والدولية لفتح المعابر وإدخال كميات كبيرة من المواد الغذائية والطبية pic.twitter.com/7AXQRdgJUB
— صاحب السعادة (@16_Gouda) March 12, 2024
فيما كتبت أم سمير على “فيسبوك” وهي تصف الأجواء “رمضان 2، والله لقلبي فاقد وموجوع وصابر وراضي فالحمد لله وإن طالت”.
وقد أكد مكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة، أن هناك أكثر من مليوني نازح، بأكثر من 100 موقع لا يجدون ما يسد رمقهم، ووصف الوضع الإنساني في قطاع غزة بـ “الكارثي”، لافتا إلى أن الآلاف لم يجدوا وجبة يفطرون عليها.
وقد أشار المكتب في ذات الوقت إلى زيادة عدد الأطفال المتوفين جراء المجاعة كل يوم.
وكانت وزارة الصحة أعلنت عن ارتفاع عدد الأطفال الذين قضوا بسبب سوء التغذية إلى 27، بعد أن قضى طفلان جديدان في مشفى كمال عدوان شمال القطاع يوم الاثنين.