في مراسيم الذاكرة تنبثق أصالة الأشياء تلك التي نعلم جيدا أنها تشكل معالم ذات أثر في وعينا، ومنها تدارك ما فات من مراجعة الفعل التربوي، على ضوء ما أنجز في الماضي، وترك أثره في أجيال، تنتهج مسار المعرفة لكن في قطيعة مع جذور التجربة التربوية.
نسيان غير مبرر
في خضم حركة المجتمع ننسى أن كواليس التخلف تعمي عما وصل إليه الفكر التربوي في مجتمع ما بعد الاستقلال، حيث تخفت بعض الأسماء ذات الوزن الفكري والتربوي في مسار مجتمع يسير إلى ذاته، فبصمات الاستعمار ما زالت فاعلة في واقعه القائم على فكرة التحرر أصلا من مدخلات قديمة في الوعي والذاكرة، وضمن هذا المسار تنكشف شخصية الراحل المفكر/المربي والشاعر عبد القادر بن محمد من خلال مؤلفه «ذكرياتي في التربية والتعليم» الملحق بـ»نماذج من المداخلات التربوية».
عبد القادر محمد من مواليد 1925 في باتنة، شمال شرق الجزائر، كانت دراسته الابتدائية في «مدارس الأهالي» école indigènes في مدينة باتنة، واصل تعليمه بعد ذلك في ما كان يسمى «المدرسة الابتدائية العليا» ثم سميت في ما بعد «كوليج عصري» وذلك إلى نهاية 1945، ثم غير مسار تعليمه والتحق في أكتوبر/تشرين الأول 1945 بمدرسة قسنطينة «la médersa» بعد نجاحه في مسابقة الدخول إليها، وأكمل دراسته في معهد الدراسات الإسلامية العليا في الجزائر العاصمة من أكتوبر 1949 إلى يونيو/حزيران 1951، والأستاذ رحمه الله من المنافحين عن لغة الضاد وممثليها في مسار وتاريخ التعليم والتربية في الجزائر. عين غداة الاستقلال بقرار من المكتب السياسي في 27 أغسطس/آب 1962 مفتشا للغة العربية في ولاية قسنطينة، وفي نوفمبر/تشرين الثاني من السنة نفسها عين مفتشا لأكاديمية قسنطينة إلى أن التحق بوزارة التعليم الابتدائي والثانوي عام 1971 وشغل فيها عدة مهام. درس اللغة العربية إبان فترة الاستعمار في الخمسينيات في مدرسة أرمنيد في عنابة وأيضا في مدرسة بيريقو، (المحمدية حاليا) عام 1949 قبل التحاقه بمعهد الدراسات الإسلامية العليا في الجزائر.
في الذكريات مجرى التدخل
تقف الذاكرة بالأستاذ بن محمد عند اصطحاب جده له لإلحاقه بالمدرسة القرآنية، وعمره لما يتجاوز بعد الخامسة، يقول: «ملأت أمي، رحمها الله، شاشيتي الحمراء تمرا يابسا من نوع » مكنتيشي « لأهديه إلى سيدي المعلم» في هذه الفالتة تتمثل قيمة لم يعد الفكر التربوي يهتم بها كثيرا، وهي إجلال المعلم الذي «كاد أن يكون رسولا» كما يقول شوقي، ولعل الإشارة إلى الأم فيه من معاني التشاركية الأسرية العاطفية في ذلك الإجلال، فاحترام المعلم والمدرسة، ومن ثمة التربية والتعليم يبدأ من الأسرة، وذلك يبدو في المؤسسات الثلاث، التي تقيم أركان تطور المجتمعات وحركتها نحو النهضة، الأسرة والمجتمع والمدرسة.
إن الإشارة إلى «الشاشية» (القبعة) إحالة إلى العقل وتعبئتها تمرا مُهدى إلى المعلم، يؤدي ثلاثة معاني عميقة في دلالات الاهتمام به، أولها دلالة الاكتفاء الذي يبعد شبح الحاجة عن المعلم، فالمهمة التربوية إبداعية بالضرورة تستلزم توفر شرط الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي بالنسبة لمن يقوم بها. ثاني الإشارات هو اقتران طبيعة التمر الحلوة بطبيعة ما يقدمه المعلم من معرفة، وأذكر أن والدتي كانت تصر صباحات الامتحان أن نفطر على الحليب مع وضع قطعة سكر تحت ألسنتنا ونحن متوجهين إلى المدرسة، ثالثها وهو امتلاك المعلم لشرط الحرية الذي لا يرهنه إلى أي جهة تمنعه من التفكير الحر والخلاق.
يحيط المربي عبد القادر بن محمد العملية التربوية بنوع من الشمول في إتمام مهمتها النبيلة، من حيث كونه يربطها على الدوام بالمدرسة والمدرس، حيث يفيد وهو بصدد كتابة هذه المذكرات، أنه يقدمها «لتكون مرتبطة كلها ارتباطا وثيقا بالمدرسة ومن فيها» وكثيرا ما نغفل المعلم في المعادلة التربوية، حيث أصبح مادة للتفكه والتندر، في حين أن المدرسة كيان مادي روحها المعلم، خامتها التي تعطي لها معنى، تبدأ بهيئته المهندمة المصرة على النظر إلى أعلى، لأن هذه الصورة هي التي سوف تؤثر في التلميذ، باعتبار المثال الذي أمامه الناظر إلى المستقبل، دون نسيان الإشارة إلى «المدرسة ومن فيها» التي تعني المنظومة التربوية المتناسقة، التي تأخذ بعين الاعتبار أضلاعها الثلاثة: الإدارة والمعلم والتلميذ.
الفاعل التربوي التاريخي والحضور في الحياة
تُطرح الأسئلة تلو الأسئلة كمحاولة للإجابة عن أسباب انخفاض مستوى التعليم في بلداننا العربية، وتُقدم بعض الإجابات التي لا تكاد تلامس جوهر العملية التربوية، وذلك يعود في تقديري إلى إهمال الذاكرة التربوية والفاعلين التاريخيين فيها معا، فغاستون ميالاريه في كتابه «مدخل إلى التربية» يؤكد تربية تأخذ بعين الاعتبار «الإنسان وظروفه الحالية والمستقبلية، وكذلك ظروف المجتمع، دون، خلق انفصال جذري مع الماضي» ولا بد من الإشارة إلى أن أسس التربية إذا لم تأخذ في الاعتبار العناصر الأولى في وعي التعلم، كقبس تُستلهم منه قواعد الاهتمام بالعملية التربوية، التي تكشف عن تشبث التلميذ بالتعلم وتبجيله وصاحبه، والمثابرة على التحصيل المكثف ما أمكن فيه، إذا لم يؤخذ هذا في الاعتبار فإن العملية التربوية تنشأ مبتورة، داخل إطار من القطيعة الوجدانية والعقلية التي أتاحت للتلميذ آنذاك أن يتربى وهو يتعلم، كما هي تجربة «الحلقة» و»العمود» و»المحضرة» في الوعي التربوي العربي، فالعملية التربوية تشملها الاستمرارية، بمعنى التمركز في الحاضر مع استلهام الماضي والنظر إلى المستقبل، وهذا ما يذكره المربي عبد القادر بن محمد في تجربة «التكرار» أي «تكرار الحزب» من القرآن، وهي «القراءة الجماعية» «تلك التي يكونها جدي أمام باب الدار مع بعض أفراد العائلة لتلاوة حزب اليوم» هذا الطقس الجماعي في الإقبال على التذكر والتعلم والتعبد، فالعملية جماعية، بما يكشف عن أهمية المشاركة الأسرية في تكريس صورة العمل التربوي، انطلاقا من مفهوماته الما ـ قبل تمدرسية، بما يستمر مع الطفل في مراحله التربوية التالية، وارتباط هذا كله بمجالات الحياة المختلفة، فالطفل يتابع أسرته، بعد أن يؤوب كل فرد من شغله المعتاد منفتحا على عملٍ أساس يتكرر أمام ناظريه يوميا، ولا شك في أن «المدرسة البديلة» أو ما أصبح يعرف بـ»دروس الدعم» لا ترهق فقط العائلة ماديا، بل خطورتها في إحالة العائلة على الانفصال الوجداني بين اهتمامات أبنائها، وإقبالهم على طلب العلم والمشاركة الفعالة وجدانيا وعقليا في هذه العملية، إذ تعهد إلى غيرهم من الدوائر كنوع من التنصل من وظيفة تربوية هي من صميم عمل الأسرة.
يقول الكاتب المربي عن مجالس التكرار: «ولذا ما زلت إلى الآن أحن إليها وأحب حضورها في مساجدنا كلما تيسر ذلك» وهذا الذي أعنيه بوجوب الاتكاء على الذاكرة في استلهام الرؤية في العمل التربوي، تنظيرا وإجراء، ففي كلمة «الحنين» استجلاب للماضي بكل ما فيه من مخزون قابل للاستمرار في الحاضر، رافدا له، ممهدا له الانتقال نحو المستقبل، وهو ما يعني حركية التربية في الحياة، فبلا شك أن في سلوك «الحضور» ربط بين العملية التربوية والحياة، أي الفائدة العملية من التلقي التربوي، «فكذا لو قرأ رجل مئة ألف مسألة علمية وتعلمها ولم يعمل بها، لا تفيده إلا بالعمل» كما جاء في رسالة أبي حامد الغزالي إلى أحد طلبته.
لا تعني الإشارة إلى الذاكرة تجاوز الحاضر ونظرياته، بل على العكس من ذلك فإن الذاكرة ما فتئت تنبعث على وقع «المشاكل الحاضرة» وتعرف في علم النفس بــ «الاسترجاع» فتَوفر المعيق في الراهن يحيل طواعية إلى الماضي، لعل الإنسان يجد فيه ما يوفر له تجاوز فجوة الحاضر.
النضال التربوي أساس الشخصية الوطنية
يرى الباحث التربوي تركي رابح في كتابه «التعليم القومي العربي الإسلامي والشخصية الجزائرية» أن التعليم بمختلف مراحله يلعب دورا مهما في بعث، وازدهار الشخصية الوطنية والقومية لكل جماعة من الناس، ثم المحافظة عليها في إطار من الأصالة، والتفتح». التعليم مهمة نبيلة وخطيرة تستدعي الوعي والحرص، إذ يصف بن محمد شكل ممارسته للتعليم: «كنت أحضر دروسي بإمعان، وأستعمل وسائل الترغيب والتشويق، فإذا بالتلاميذ أصبحوا يهتمون باللغة العربية» ولعل هذا الملمح البيداغوجي في تعليم اللغات، حين يصبح المعلم نموذجا لما يقدمه من مادة، فاعلا فيها بذاته (التحضير) مهيئا بوسائل العرض (الترغيب والتشويق) من أساسيات مهنة التعليم، وهو ما سيؤدي إلى نوع من التماهي في المهمة النبيلة، لأن العمق النفسي يتمثل في لحظة من اللحظات انبعاثه في صورة هالة روحية تجعل الفاعل التربوي، كأنه في ساحة وغى وعليه الانتصار، ويصور الكاتب هذا المستوى بقوله: «كنت أشعر بأنني كلما توجهت إلى المدرسة لأقوم بالتعليم كأنني من أولئك المجاهدين الأبرار، وهم يعانون في قمم جبالنا» فالمقابلة بين المدرسة والجبل تكمن في وعي الجزائري قيمة الحرية، تلك التي أعادت إلى الإنسان الجزائري هويته وشخصيته، وحررت وعيه من قيود التبعية والهيمنة، وهي العناصر الأساسية التي قام عليها التعليم في الدولة الوطنية الوليدة. ما فتئ الوعي النضالي مستمرا في كيان بن محمد، وهو الذي انتمى منذ الصغر إلى الخلايا السرية لحزب الشعب الجزائري، ثم حزب انتصار الحريات الديمقراطية، ثم جبهة التحرير الوطني، حتى إنه في عام 1966 نظم ثلاثة أبيات أوعز بكتابتها على رخامة علقت في مدخل أكاديمية قسنطينة ومعها هذه الجملة بالفرنسية:
Honneur et gloire aux enseignants morts pour la patrie
أصاح هنا ذكر لكل معلم
قضى نحبه في ساحة العز والمجد
فق لحظة حتى نوفيهم حقهم
فكم وقفوا في الليل والحر والبرد
وقل ربنا ارحمهم كما حرروا الحمى
وأسكنهم رحماك في جنة الخلد!
فالمعلم ليس فقط تلك اللحظة التكوينية، التي منحت جزءا من كينونته الوظيفية معنى، لكنه وعي مستمر في التاريخ تتأسس كينونته مع مراحل البناء المجتمعي في تاريخيته المنحدرة منذ اللحظة الوطنية الشاعرة بذاتها وباستقلاليتها، ولهذا، فالمهمة التربوية كينونة تاريخية تكشف الغطاء عن مؤسسة فاعلة تدفع الإنسان إلى هوية مكرسة نضالات متتالية في الزمن والمكان.
كاتب جزائري