نوري الجرّاح
القاهرة ـ «القدس العربي»: «إننا قد نتفق أو نختلف في صنيع الشاعر وتعريف الشعر، لكننا أبدا لن نختلف في حقيقة أن الشعر هو الحب، وأن الشعراء يبتكرون الشعر لصيانة العالم من الشر وتوسيع الأفق.. وتلك هي المقاومة بالكلمات»
(من كلمة نوري الجرّاح التي ألقاها بمناسبة فوزه بجائزة ماكس جاكوب)
رحلة طويلة قطعها ولم يزل الشاعر السوري نوري الجرّاح (1956) مع القصيدة العربية، مجدداً ومتجاوزاً قدر الموهبة والتجربة عوالم وأشكال القصيدة العربية، منذ ديوانه الأول «الصبي» 1982، وحتى ديوانه «الأفعوان الحجري» الصادر في 2023. هذه الرحلة التي توجت بالعديد من الجوائز والترجمات، كان آخرها جائزة (ماكس جاكوب) ونالها الجرّاح منتصف العام الفائت عن كتاب ضم مختارات من شعره بعنوان «ابتسم أيها النائم».
ومؤخراً صدرت مختارات جديدة للجرّاح عن دار الشروق المصرية، بعنوان «ألواح أورفيوس» صدّرتها وقدمت لها الأكاديمية المصرية ناهد راحيل. وفي مقدمتها الوافية بعض النقاط التي توضح رحلة وطبيعة القصيدة عند نوري الجرّاح، شكلاً وأسلوباً وموضوعاً.
ألواح أورفيوس
بداية ضمت المختارات قصائد من دواوين رتبت حسب إصدارها وهي.. «الصبي» «مجاراة الصوت» «كأس سوداء» «صعود أبريل» «حدائق هاملت» «طريق دمشق» «الحديقة الفارسية» «يوم قابيل والأيام السبعة» «قارب إلى ليسبوس» «نهر على صليب» «لا حرب في طروادة» و»ما بعد القصيدة».
ورغم أن العنوان الذي اختارته راحيل للمختارات هو في الأساس اسم لقصيدة في مجموعة (حدائق هاملت) إلا أنها تعلل اختيارها لأسباب تعبّر عن رؤية أشمل لتجربة الشاعر ككل.. «جاء اختيار عنوان المختارات (ألواح أورفيوس) باعتباره عنوانا تجميعيا يحيل إلى المضمون العام لقصائد الجراح، فأورفيوس، كما هو معروف، شخصية أسطورية من الميثولوجيا الإغريقية، وهو موسيقي وكاتب وعاشق عُرف برحلاته البحرية وقدراته السحرية الخارقة، ما جعله يجذب الجميع إلى ألحانه، ومن هنا اعتبرناه الوجه المناسب للجراح ليتوحد عبره مع أناه داخل النص الشعري ويشير إلى إمكانية تفاعل تجربة أورفيوس وتداخلها مع تجربة الجراح».
الشاعر
وترى الباحثة أن تجربة الجرّاح «لا تعتمد على المرجعيات الغربية في مطلقها؛ بل تستمد منها ما يفيد تجربته وتثري خطابه في حضور واضح لمرجعية معرفية خاصة فرضها تعدد الروافد اليونانية واستقاء الأفكار البابلية والتصوف الإسلامي، وثقل الأنساق المعرفية الممثلة في توظيف الأساطير والملاحم والشخصيات التراثية المحلية والكونية، وتحويلها إلى أقنعة رمزية يبث الشاعر من خلالها أفكاره ورؤاه الخاصة».
المنفى
وتضيف، «نجد أن المنفى قد سمح له بتبني هوية الهجين وقبول اختلاف الثقافات؛ فكما اهتم الجراح ببيان ميزة أن يكون الشاعر متوسطيا، اهتم كذلك ببيان أثر المنفى على تعريف هويته وعلى تأسيس خطاب شعري يتجاوز الاصطلاحات الغربية والعربية، ويسود فيه الإحساس بالغربة والقلق والرغبة في الخروج عن التقاليد… على اعتبار أن المنفيّ ليس هو الشخص الذي يعبر الحدود الجغرافية فقط، بل هو من يعبر الحدود الفكرية والثقافية واللغوية، وهو المؤهل للانفتاح على الإرث الثقافي بكل تنوعه واختلافه.. لذلك يعرّف الجراح نفسه بأنه «شاعر متوسطي يكتب بالعربية.. منفيّ معلق بين عالمين، عالم لغته الأولى في صقع، وعالم الأرض التي لجأ إليها في صقع آخر، كما عُلق بروميثيوس عند شق الأخدود عقاباً له على سرقة النار من الآلهة، وعلق المسيح السوري على صليب عقاباً له على مناوأته لصيارفة روما وسدنة العبودية، ليكون فداء لفكرة المحبة بوصفها الحرية».
الدراما
وترى الباحثة أن الجرّاح «أفاد من العناصر الدرامية في البناء المعماري المتكامل، كما أفاد من مظاهر بناء المسرحية في صياغة المشاهد الدرامية واستخدام الافتتاحيات الدرامية، وأولى تلك العناصر الدرامية الصراع المرتبط بالقضية السورية، وقد جسد عبره الواقع السوري المأساوي في توتر درامي متصاعد بصورة ملحمية تبدو وكأنها تأهيل للذاكرة الجمعية التي يحاول الآخر طمس ملامحها وفاعليتها». لذلك «تبدو قصيدة الجراح قصيدة تعدد أصوات؛ حيث كانت البنية الحوارية التي تفرضها تقنية تعدد الأصوات والشخصيات جزءا أساسيا في التركيب الفني لقصيدته منذ البدايات».
الرحلة
وعن فكرة (الرحلة) والبطل الدرامي الكلاسيكي أو الأسطوري وتتطويع هذه الدراما إلى شكل معاصر للقصيدة، وبالتالي الشكل القادر على صياغة أفكارها وعالمها، تقول راحيل.. «تتمتع النصوص الملحمية الرحلية بخاصية قدرتها على تمثل عصرها بشكل من الأشكال، وكذلك مطولات الجراح الملحمية؛ عامدا إلى ما يعرف باسم الملحمة الوهمية أو البطولة الزائفة، وهي شكل من أشكال نقض الأسلوب البطولي المميز للملاحم الكلاسيكية ونفي له، في إشارة إلى الطابع غير البطولي للعصر الحديث والسخرية من البطولة المستعادة نفسها في مواجهة المأساة؛ حيث يبدأ الشاعر ملحمته الوهمية باستدعاء جوانب الملحمة الكلاسيكية وشخصياتها المركزية وتدخلاتها الخارقة والأوصاف التفصيلية للبطولة بهدف خلق معارضة نصية واضحة بين الذاتي والأسطوري».
فيقول في قصيدة «كلمات هوميروس الأخيرة»
لا حَرْبَ فِي طُرْوَادَة،
لا بَحْرَ وَلا مَرَاكِبَ وَلا سَلالِمَ عَلَى الْأَسْوَارْ،
لا حِصَان خَشَبِيَّاً، وَلا جُنُودَاً يَخْتَبِئُون فِي خَشَبِ الْحُصَانْ.
سَأَعْتَذِرُ لَكُم يَا أَبْطَالِيَ الصَّرْعَى:
«آخِيلْ» بِكَعْبِهِ الْمُجَنَّحِ؛
هِكْتُورْ» بِصَدْرِهِ الطُّرْوَادِيِّ الْعَرِيضْ؛
وَأَنْتَ يَا «أَغَامِمْنُونْ» بِلِحْيَتِكَ الْبَيضَاء
وَسَيْفِكَ الْمُسَلَّطِ عَلَى رِقاب الْبًحَّارَةِ الهَارِبِينَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ.
ثم، ومن ضمن السخرية وانقلاب الأسطورة إلى حادث عبثي دون بطولة، يحاول الوصول والتوافق مع عبثية الواقع، وهو ما ينطيق تماماً على الوضع السوري الآن، فيقول في قصيدة «وصول البرابرة»..
«والمؤسف أكثر أنهم بلغوا بطلائعهم قلب المدينة، ولم ترتفع ملاءة بيضاء
على حانوت أو بيت،
لم يركع جريح،
ولم تهتف امرأة: احرقوا المدينة، ولا تدنسوا العذراوات،
لا شكوى
لا بكاء
لا توسلات!
فقط، صمت مريب لا يشبهه شيء سوى زيارة مقبرة في جبل.
والسؤال الآن
ماذا يفعل البرابرة بمدينة تركت مشرعة الأبواب ولا يوجد فيها سوى طفل
يلهو بعجلة؟».