الديموغرافيا هي الأيديولوجيا في إسرائيل. ليس لدى أطياف المؤسسة الصهيونية الحساسية نفسها تجاه الأرض، ولا تجاه الموروث الديني، لكنها مسكونة جميعها بالهاجس الديموغرافي بكافة أبعاده ومندرجاته: بدءاً من المتابعة والتحيين على مدار الساعة، لنسبة اليهود في إسرائيل مقارنة بعدد اليهود على صعيد الكوكب، بما يعنيه ذلك من فحص معدّل الهجرة والهجرة المعاكسة.
فاليوم يتوزع يهود العالم بشكل متناصف تقريباً بين اليهود داخل إسرائيل وبين اليهود خارجها (الأكثرية حتى الآن) فيما تتركز الكتلتان الأساسيتان ليهود العالم في كل من إسرائيل (7.2 مليون) والولايات المتحدة الأمريكية (6.3 مليون). تختلف الحال لو جرى النظر إلى توزّع اليهود المتحدّرين من أوروبا الوسطى والشرقية، الأشكيناز، وهم المعنيّون أساساً «بالمسألة اليهودية» بالشكل الذي طرحت فيه في مجرى القرن التاسع عشر. وقد قامت الحركة الصهيونية في نهاياته كمشروع حلّ «ترابيّ» لهذه المسألة من حيث هي مسألة أشكينازية. فعلى الرغم من الإبادة اللاحقة بمعظم يهود أوروبا في أربعينيات القرن الماضي على يد «الرايخ الثالث» إلا أن أكثرية الأشكيناز تقطن في الولايات المتحدة اليوم، وثلثهم فقط يقيم في إسرائيل، رغم أنها الكيان المجتمعي والدولتي المخصص في الأساس لإقناعهم بأنه الحل القوميّ الضروريّ لهم.
لئن أسفر انهيار الاتحاد السوفييتي عن موجة هجرة تعزيزية كبرى لعدد الأشكيناز في إسرائيل نسبة إلى اليهود المهاجرين إليها من بلدان عربية وإسلامية من «السفارديم» و«المزراحيم» ما سحب الأرضية لجيلين على الأقل من تحت منحى «مزرحة الدولة» (أي تحول اليهود «العرب سابقاً» إلى أكثرية اليهود فيها) إلا أنّ هجرة واسعة جديدة للأشكيناز بإتجاه إسرائيل ليست مرتقبة، من دون أن يلغي ذلك «الهجرة الهامشية» للأكثر تطرفاً بين يهود بروكلين باتجاه مستوطنات الضفة الغربية.
يمكن إذاً توقع أن يستمرّ معطى وجود أكثرية الأشكيناز في أمريكا وليس في «الدولة الأشكينازية» طالما لم يحدث أي اهتزاز في أوضاع يهود أمريكا يحمل أعداداً وازنة منهم على تركها باتجاه ما ظهر يوم عمليات السابع من أكتوبر 2023 أنها المنطقة الأقل أمناً للوجود اليهودي في عالم اليوم.
زد على ذلك، أن الحركة الصهيونية بنت كل فكرتها على أن المجتمعات الأوروبية ستصعّد، كلما مضت قدماً في بناء دولها القومية، من المشاعر والعقائد والسياسات المعادية لليهود، وأن سعي اليهود للاندماج في هذه المجتمعات لن يتكفل بالحدّ من هذه الموجة العدائية، بل على العكس سيثيرها أكثر فأكثر، ويوجه لهم الاتهام تارة بأنهم وراء تسعير الصراع بين الطبقات وتارة أخرى بأنهم وراء سطوة «رأس المال المالي». وقد جاء تصاعد اللاسامية الأوروبية، وصولاً إلى الإبادة النازية، ليقدّم للفكرة الصهيونية نموذجاً تطبيقياً مطلقاً لما استشرفه ثيودور هرتسل.
في المقابل، لا يمكن قول الشيء نفسه بالنسبة إلى حال يهود الولايات المتحدة الأمريكية اليوم. أكثريتهم الساحقة لا تزال تقف إلى جانب إسرائيل، لكن القوى الأكثر تعصباً لإسرائيل في أمريكا هي قوى غير يهودية. وإذا كانت الخلفية اللغوية الييديشية قد تراجعت إلى حد كبير عند كل من أشكيناز إسرائيل وأمريكا، فإن الأكثرية الأشكينازية الموجودة في أمريكا انغلوفونية بامتياز، لكن لا يزال بين نصف مليون ومليون من يهود أمريكا يتحدثون الييديشية، وهو عدد أعلى بكثير من اليهود الأمريكيين القادرين على التحدث بالعبرية الحديثة، هذا علاوة عن ظاهرة «اليينغليش» أي الكلمات والتعابير الييديشية التي خالطت الإنكليزية. إذا كانت العبرية تشكّل عامل الاندماج القومي الموضوعي الرئيسي في إسرائيل فهي في الوقت نفسه تقيم فاصلاً معنوياً ورمزيا بينها وبين أكثرية يهود أمريكا. ولئن اندفع اليهود من المتحدرين من بلدان عربية وإسلامية إلى الاستغناء عن طريقتهم في النطق بمخارج الحروف «السامية» للتمثل بالأشكيناز، إلا أن أكثرية المزراحيم هي التي باتت تتحدث العبرية في عالم اليوم، بما أنهم في إسرائيل، وليس أكثرية الأشكيناز، بما أنها أكثرية موجودة أساساً في أمريكا، ومتركزة في العاصمة الكزموبوليتية للشطر الغربي من الكوكب، نيويورك.
في المقابل، «الأمة اللغوية» للناطقين بالعبرية ما عادت تقتصر على اليهود في إسرائيل، وهذا أن شكل معياراً لتقدير «الأسرلة اللغوية» للعرب فيها، إلا أنه معيار مقلق للمؤسسة الصهيونية في الوقت نفسه، فهذه أسرعت في إشهار تحفظها منذ الخمسينيات تجاه النظرة التي تفتي بأن يتم تجاوز الهوية «اليهودية» باتجاه هوية «عبرية» محددة بثنائية الأرض واللغة. المؤسسة الصهيونية أرادت في وقت واحد، علمنة الرابطة الدينية، أي تحويل الانتماء لليهودية من انتماء ديني إلى انتماء قومي، وتحاشي قطع حبل السرة بين الانتمائين الديني والقومي. سردية مناهضة الاغتراب المبعثر للهوية اليهودية في الشتات، ترتب عليها دثر الييديشية واللادينو، بما أنها من لغات المنفى، إلا أن الاقتراحات التي أتت من أكثر من مفكر وأديب في إسرائيل لتجاوز الهوية «اليهودية» نفسها، باعتبارها هوية منفى، إلى هوية «عبرانية» لم يؤخذ بها، وأساساً لا يمكن أن يؤخذ بها من طرف المؤسسة الصهيونية طالما نصف يهود العالم لم «يصعدوا» إلى إسرائيل بعد، وأكثرية الأشكيناز يقيمون في أمريكا الشمالية، وعاطفتهم تجاه إسرائيل لا تخفي في الوقت نفسه نظرتهم لها على أنها «شرق أوسطية» في حين أنهم، هم، غربيون.
الهاجس الديموغرافي
الديموغرافيا هي الأيديولوجيا في إسرائيل لأن تعيين وتحيين نسبة غير اليهود إلى اليهود فيها، ونسبة المزراحيم إلى الأشكيناز، وشكل توزع الجغرافيا السكانية بين مناطقها، هو الشغل الشاغل على الدوام. وهنا يمكن التوقف عند مقارنة. في لبنان مثلا، الهاجس الديموغرافي يسكن مختلف الطوائف، لكنه في هذا البلد هاجس «تخمينيّ» بامتياز، يفتقد إلى الإحصائيات الدقيقة والشاملة والمفصّلة. أما في إسرائيل، فالأيديولوجيا الديموغرافية إحصائية على نحو حثيث. لا يلغي في المقابل أنها أيديولوجيا قتالية، بل عسكرية. أي أنها تستنطق هذه المادة الإحصائية وتستند إليها وتربطها بشكل عضوي بمسار النزاع مع الفلسطينيين من حيث هو، بشكل أساسي نزاع جغرافي وديموغرافي. لكنها تربطها أيضاً بالبحث عن الأدوات والوسائط التي من شأنها إما استبعاد الكوابيس الديموغرافية بالنسبة إلى إسرائيل، وإما تخفيض المخاطر الديموغرافية الموجودة بالفعل.
الكابوس الديموغرافي الأكبر بالنسبة إلى المؤسسة الحاكمة في إسرائيل هو أن تحدث فيها هجرة معاكسة، ليهودها باتجاه أمريكا الشمالية. يحب كثير من المتحمسين العرب الإكثار من الدعوات لنقل يهود إسرائيل إلى بولونيا وألمانيا، ومنهم من يصرّ على أن الهجرة المعاكسة بدأت، لكن ما تخشى منه إسرائيل جدياً هو النموذج الأمريكي للاندماج اليهودي. فهذا النموذج يقدم المثال المضاد للفكرة الصهيونية، حول استحالة الاندماج اليهودي في المجتمعات غير اليهودية، في الوقت الذي قدم فيه التاريخ الأوروبي نموذجاً تسويغياً للفكرة الصهيونية: بما أن مسار الاندماج الذي انطلق في أعقاب الثورة الفرنسية انتهى إلى المحرقة النازية.
تعتمد إسرائيل بشكل وجودي على الدعم الأمريكي لها، وهذا الدعم أساسي لها في الحرب الحالية، لكنها في الوقت نفسه ليس بمستطاعها تقبل فكرة أن الواقع الأمريكي يظهر أن الاندماج اليهودي في مجتمع غير يهودي أكثر من ممكن، بعكس كل الفكرة الصهيونية.
كابوس الهجرة المعاكسة
تزايد نسبة العرب على أرض فلسطين الانتدابية هو بطبيعة الحال منحى مقلق للغاية للمؤسسة الصهيونية. لكنه يأتي في المنزلة الثانية من بعد كابوس الهجرة المعاكسة باتجاه أمريكا الشمالية. ذلك أن الثقة بالنفس لا تزال واسعة هنا، بأنه، وحتى لو زاد عدد العرب قياساً على عدد اليهود غرب نهر الأردن، فإن التقسيمات القائمة داخل وخارج الخط الأخضر، ستتكفل بالحد من أثر رجحان الكفة الديموغرافية لصالح العرب. حتى ولو أن نموذج تبدل الأكثرية الديموغرافية في لبنان، لصالح المسلمين، هو نموذج إحاليّ متكرر في إسرائيل (كما في اليمين المتطرف الفرنسي) فإن هذا القلق لا يزال تحت السيطرة، وسيبقى كذلك ما لم تحدث هجرة يهودية معاكسة من إسرائيل بإتجاه أمريكا. في الوقت نفسه، يجدر التروي هنا. فهذه الهجرة المعاكسة لم تتحول بعد إلى منحى نوعي يبنى عليه، على ما ينحو لإظهاره الرغبويون اليوم. والحرب ليست بحد ذاتها بمتكفلة بزيادة هذه الهجرة. في ضوء المعطيات القائمة في نهاية الربع الأول من هذا القرن، يجوز بالأحرى تزكية المنحى الذي يقول بأن الكتلتين الأساسيتين لليهود في العالم، في كل من إسرائيل وأمريكا، مستقرتان، لا هذه تنزف ديموغرافياً باتجاه تلك، ولا تلك تتقلص لصالح هذه. النتيجة المباشرة لهذا الاستقرار الثنائي النسبي هو أن موجات «الهجرة – الصعود» المتتابعة بإتجاه الييشوف (المجتمع اليهودي في فلسطين ما قبل قيام الدولة) وإسرائيل صارت وراءنا، ولم يعد من المتاح انتظار موجة هجرة كبيرة جديدة، فهي إما موجات حصلت، وإما موجات من المستبعد أن تحصل. وقد تقلص الوجود الديموغرافي الأشكينازي في أوروبا، وفي البلد الأوروبي الوحيد الذي يقترب عدد اليهود فيه من النصف مليون نسمة، فرنسا، معظم هؤلاء من اليهود السفارديم المهاجرين من شمال أفريقيا.
لا يلغي أن «مؤسسة الهجرة» إلى إسرائيل لا تحسب بالموجات فقط، وإنما بالأعداد مهما كانت صغيرة، ما دامت «يومية». كذلك، يجري العمل على «استحداث يهود جدد» كمثل أقلية «بني منسى» وهي من الأقوام «البورمية – التيبتية» شمال شرق الهند، تمهيداً لنقلها إلى إسرائيل لاحقاً. لكن هذا «الزرع» لن يُحدث موجة ديموغرافية نوعية، ومن شأنه زيادة الانطباع بأن الهجرة الى إسرائيل باتت محصورة أكثر فأكثر بالعالم الثالث.
بما أن الأيديولوجيا التي تحكم المؤسسة الصهيونية بمجموع أحزابها وسردياتها ووسائلها هي أيديولوجيا «ديموغرافية» بامتياز، كذلك الحرب الإسرائيلية ضد غزة، والتي يظهر الآن أنها الحرب الأطول في تاريخ هذا الصراع، هي حرب ديموغرافية بامتياز، تستهدف بشكل أساسي جعل استمرار الحياة في قطاع غزة أكثر صعوبة من أي مكان آخر في العالم، سواء بالمباشر، من خلال عدد الضحايا الثلاثين ألفا، ومعظمهم من المواطنين الفلسطينيين العزّل، أو بالفجوة الديموغرافية المزمنة التي ستحدث بنتيجة هذه الحرب الذي لا يبدو أن لها من آخر قريب. فالقاعدة هنا بسيطة: عندما يتراجع عدد الموتى من الأطفال، ويزيد المعدل العمري، يتضاعف عدد السكان في مجتمع ما، في حين أنه إذا عاد معدل الموتى بين الأطفال للارتفاع، وتراجع المعدل العمري العام، سيأخذ عدد السكان بالتقلص وبسرعة.
قبل هذه الحرب كان عدد سكان غزة 2.2 مليون، وكان يمكن توقع أنهم سيتجاوزون عتبة الثلاثة ملايين بعد عشر سنوات مثلاً، والمسعى الإسرائيلي الحربي الآن ليس فقط لتخفيض عدد سكان القطاع بالقتل أو بالترحيل، وإنما جعل غزة غير قادرة على استعادة النمو الديموغرافي لأجيال بعد هذه الحرب، بل والحكم عليها بالنمو الديموغرافي السلبي السريع.
إذا بنينا على أن الديموغرافيا تساوي الأيديولوجيا في إسرائيل، وأن سمة الحرب الإسرائيلية الحالية ديموغرافية وعلى أبعد نطاق، سنجد بوناً شاسعاً بين هذا المنظار وبين من يفسر الحرب واستمرارها بعنجهية بنيامين نتنياهو و«هروبه إلى الأمام» تحاشياً للملاحقة، وغير ذلك من التفسيرات «الذاتوية» المحض التي لم تفهم بعد خطورة ما هو حاصل منذ أكتوبر 2023.
كذلك، في مقابل «الأيديولوجيا الديموغرافية» الصهيونية يبرز في المقابل «إتكال» على النمو الديموغرافي، في المقلب العربي – الفلسطيني. يغفل هذا الإتكال أن الديموغرافيا ليست مجرد نمو طبيعي، خصب هنا ومتراجع هناك، وأن صدمات حربية وسياسات كولونيالية مرعبة قادرة على إحداث فجوات ديموغرافية مزمنة، ليس فقط من خلال القتل المباشر، وليس فقط من خلال الاقتلاع والترحيل، فكيف اذا كان القتل المباشر متوفراً بكثافة؟ هذا التفاوت بين التصورات الديموغرافية على جانبي الصراع ليس تفصيلاً. إنه الشكل الذي يأخذه الصراع ككل. في الوقت نفسه، هذه الحرب الديموغرافية، الحرب ضد السكان، المهجرين مرة من شمال القطاع إلى رفح، والآن المطالب تهجيرهم من رفح نفسها، تخاض في إطار اتساع «الهوة التكنولوجية» مجدداً بين إسرائيل وبين مناهضيها في المنطقة، وليس أبداً تقلّصها، على ما حاول «محور الممانعة» جاهداً التشديد عليه. هذه الهوة موجودة منذ بداية الحروب بين الإسرائيليين وبين العرب، لكنها ليست ثابتة. تمر بمراحل تقلص نسبي ثم اتساع ثم تقلّص. إنها، كالديموغرافيا، منحى متبدّل، لكنها ليست بمنحى متبدّل كيفما كان.