رمضان غزة حزين: قتل وتدمير وتجويع

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: لم تأبه دولة الاحتلال لحرمة شهر رمضان، وصعدت من مجازرها الدامية في قطاع غزة، وواصلت حرب التجويع للسكان، بعد أن أفشلت الجهود التي كانت تبذل من الوسطاء، للتوصل إلى تهدئة، وأبقت في ذات الوقت على تهديداتها بتوسيع نطاق العمليات العسكرية، وهو أمر أثار حفيظة الإدارة الأمريكية التي تعد أكبر داعميها.

مجازر في رمضان

وعلى وقع أصوات المدافع والقصف الجوي العنيف والمجازر الدامية، أستهل سكان غزة من شماله إلى جنوبه شهر الصيام، بعد أن أذهبت الحرب كل أشكال الاحتفال بالشهر الفضيل.
فمنذ اليوم الأول لدخول الشهر، والذي كان يترقب سكان غزة أن يكون يوما لإعلان التهدئة، قبل إفشال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جهود الوسطاء، علت أصوات القصف وقت السحور وحين كان يحن موعد الإفطار، وكباقي الأشهر الماضية، سقط عشرات الضحايا من المدنيين وجلهم من الأطفال والنساء، فيما قضى آخرون من السكان جراء الجوع وسوء التغذية، إذ وصل عدد هؤلاء وبينهم أطفال ومسنين إلى 27 مواطنا، من الذين وصلوا إلى المشافي، ما يعني أن هناك آخرين قضوا جوعا، إما في منازلهم أو في خيام النزوح.
وقد رفعت هذه الهجمات أعداد الضحايا لتصل إلى أكثر من 110 ما بين شهيد ومصاب، وهو رقم مرشح للارتفاع بشكل أكبر، على وقع استمرار المجازر الدامية، ورفض حكومة إسرائيل التجاوب مع جهود الوسطاء، وإصرارها على خطتها التي تقضي بإبقاء احتلالها لقطاع غزة، من خلال وضع ثكنات عسكرية لها في القطاع، بعد أن أعلنت مؤخرا عن استكمال إقامة شارع طويل يمتد من أحد مستوطناتها في غلاف غزة، حتى ساحل بحر القطاع، وهو طريق يفصل القطاع إلى جزأين، واحد في الشمال وآخر في الجنوب، للتحكم في حركة السكان لاحقا بين تلك المناطق، وهو ما يدلل على خططها المستقبلية التي تقوم على عدم مغادرة غزة، والتحكم في شكل الإدارة التي ستتولى المسؤولية عن القطاع، في المرحلة المقبلة، وهو أمر ظهر في تصريحات نتنياهو الأخيرة، حين قال «آخر شيء نريده هو حكم السلطة الفلسطينية لقطاع غزة» وذلك بعد أن أعلن في البداية عدم عودة حماس لحكم القطاع.

الأوضاع زادت صعوبة

لم يشعر أحد من سكان غزة، بتغير الوضع سواء الميداني أو الحياتي في شهر رمضان، بل أن الجميع يؤكد أن الأوضاع زادت صعوبة. ففي شمال القطاع الذي يتعرض لحصار محكم من قبل جيش الاحتلال، يتحكم بموجبه بكل كميات المواد الغذائية التي تدخل للسكان، ما أحدث هناك مجاعات كبيرة، حيث لم تحل عمليات الإنزال الجوي للمساعدات هذه المشكلة الكبيرة، وأمضى الكثير من الصائمين يومهم بلا وجبة إفطار، فيما أعلنت وزارة الصحة مرات عدة خلال الأيام الماضية، عن وقوع وفيات جديدة جراء سوء التغذية والجوع، فيما استمر جيش الاحتلال في عمليات استهداف منتظري المساعدات الغذائية، وأوقع في صفوفهم شهداء وجرحى، كما استمر في هجماته الدامية ضد الأحياء السكنية، غير مكترث بوضع السكان هناك في هذا الشهر.
وفي مناطق الجنوب، استمرت العمليات العسكرية البرية لجيش الاحتلال في مدينة خانيونس، حيث صعد منذ بداية شهر رمضان، من عمليات تفجير الأبنية والمربعات السكنية، محدثا خرابا كبيرا ودمارا، لإجبار السكان على البقاء في خيام النزوح، كما شن خلال الأيام الماضية مئات الغارات الجوية وعمليات القصف المدفعي، طالت جميع مناطق الوسط والجنوب، وأوقعت الكثير من الضحايا، جلهم من المدنيين.
كما استمرت معاناة سكان وسط وجنوب القطاع، الخاصة بتوفير الطعام اللازم لهم في هذا الشهر، وذلك بسبب الحصار المفروض من قبل دولة الاحتلال، والذي بموجبه تسمح فقط بدخول شاحنات تحمل كميات محدودة من المساعدات.
وخلت الأسواق من الكثير من المواد الغذائية الأساسية، فيما ارتفع أثمان المتوفر منها بشكل جنوني، يفوق قدرة السكان الذين يعانون من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة بشكل خطير.

مجاعة وسوء تغذية

وانتشرت قصص كثيرة لعوائل لم تجد في منازلها أو في خيام نزوحها وجبة الإفطار، بعد أن غابت كل مظاهر الشهر الفضيل، والتي اعتاد عليها السكان في السنوات الماضية.
وقد أكد على ذلك المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، حين قال إن هناك أكثر من مليوني نازح، بأكثر من 100 موقع لا يجدون ما يسد رمقهم، ووصف الوضع الإنساني في قطاع غزة بـ «الكارثي» لافتا إلى أن الآلاف لم يجدوا وجبة يفطرون عليها.
ودفع ذلك منظمات أممية منها برنامج الغذاء العالمي، للتأكيد على وجوب وصول آمن للمساعدات إلى غزة، حيث قال إن «الجوعى في غزة لا يمكنهم الانتظار أكثر من ذلك».
أما فيليب لازاريني المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» فقد قال إن شهر رمضان حل هذا العام «مع انتشار الجوع الشديد واستمرار النزوح» فيما يسود الخوف والقلق وسط تهديدات بعملية عسكرية على رفح، وأكد أنه ينبغي أن يأتي هذا الشهر بوقف إطلاق النار لأولئك الذين عانوا أكثر من غيرهم، وأضاف وهو يتحدث عن أوضاع سكان غزة «هم بحاجة ماسة إلى استراحة وهدوء البال، وقد انتظروا ذلك لفترة طويلة».
وأشار في ذات الوقت إلى القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة مرور المساعدات للسكان، وقال إن القليل منها يدخل، «بينما تزداد القيود» لافتا إلى أنه تم رفض إدخال شاحنة محملة بالمساعدات، لأنها كانت تحتوي على «مقص» يستخدمه الأطفال، وقال شارحا القيود الإسرائيلية التي تحول دون دخول الكثير من المواد والمساعدات «يضاف المقص الطبي الآن إلى قائمة طويلة من المواد المحظورة التي تصنفها السلطات الإسرائيلية على أنها ذات استخدام مزدوج».
وتشمل القائمة مواد أساسية ومنقذة للحياة، من أدوية التخدير، والأضواء التي تعمل على الطاقة الشمسية، وأسطوانات الأكسجين وأجهزة التنفس الاصطناعي، إلى أقراص تنظيف المياه، وأدوية السرطان، ومستلزمات الأمومة. وشدد على وجوب تسهيل وتسريع عملية تخليص الإمدادات الإنسانية وتسليم المواد الأساسية والحيوية، قال «إن حياة مليوني شخص تعتمد على ذلك، وليس هناك وقت لنضيعه».
أما المنسق الأممي للشؤون الإنسانية، فقد علق على الأوضاع المتدهورة بالقول «كيف يمكننا مواصلة عمليات الإغاثة في قطاع غزة بينما طواقمنا وإمداداتنا تتعرض لتهديدات مستمرة هناك؟» وطالب بتوفير الحماية لفرق الإغاثة في قطاع غزة، كما شدد على ضرورة توقف الحرب.
كذلك قالت منظمة الطفولة العالمية «اليونيسيف» إن الوضع مأساوي في قطاع غزة، وأن وقف إطلاق النار بشكل فوري من شأنه أن يتيح الفرصة لحماية الأرواح وإنهاء المعاناة.
وكانت «اليونيسيف» أكدت أن المستشفيات في غزة، لا تزال تعاني من انقطاعات حادة في تقديم الرعاية الصحية، حيث تضرر 155 مرفقاً صحياً.
وبسبب الحرب توقفت 32 مستشفى و53 مركزاً صحياً عن العمل، فيما هناك 7 مراكز صحية فقط من أصل 23 مركزا تابعا لـ «الأونروا» ما زال يعمل.

تهديدات بتوسيع الهجمات

ورغم الانتقادات الكبيرة لسياسات الاحتلال، من جميع دول العالم، بما فيها الإدارة الأمريكية التي انضمت مؤخرا للرافضين لخطط إسرائيل بالاستمرار في الحرب، حيث عبر عن ذلك صراحة الرئيس جو بايدن، حين قال إن بنيامين نتنياهو يضر بمصالح إسرائيل أكثر مما ينفعها، إلا أن نتنياهو رفض كل هذه الدعوات سواء من الدول الغربية والإقليمية أو من منظمات الإغاثة الأممية، التي طالبته بتسهيل مرور المساعدات لسكان غزة، وزاد على ذلك بتجديد تهديده بالذهاب لعملية عسكرية في رفح، أكبر مركز لنازحي الحرب، حيث قال مؤخرا «لكسب الحرب يجب علينا تدمير حماس في رفح».
ومن شأن هذه العملية في حال نفذت في تلك المدينة المكتظة بالسكان والنازحين، حيث يقيم فيها حاليا أكثر من 1.4 مليون نسمة، جلهم من نازحي الحرب، حيث كان جيش الاحتلال قد طلب من سكان القطاع النزوح إليها، باعتبارها «مكانا آمنا» أن تقع مجازر أكثر دموية من تلك التي كانت قد اقترفتها قوات جيش الاحتلال منذ بداية الحرب.
وبسبب استمرار تهديدات حكومة الاحتلال بتوسيع رقعة العمليات العسكرية، لتشمل مدينة رفح، وكذلك مع استمرار المجازر والمجاعة في غزة، التي أحرجت صورها خاصة تلك التي أظهرت جثث الأطفال والمدنيين، وهي إما ملقاة في الشوارع، أو تحت الأنقاض، والتي نشرتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، المجتمع الغربي وتحديدا الإدارة الأمريكية، التي تعد أكبر داعمي إسرائيل، فارتفع مؤخرا صوت الانتقادات العلنية لأفعال هذه الحكومة اليمينية، ولذلك نقل عن مسؤولين أمريكيين، تأكيدهم أن العملية العسكرية الإسرائيلية في رفح، من المرجح أن تؤدي إلى تحول كبير في سياسة الولايات المتحدة، بما في ذلك إنهاء الدفاع عن إسرائيل في الأمم المتحدة، والقيود المفروضة على استخدام الأسلحة الأمريكية في قطاع غزة.
أولئك المسؤولون أكدوا أن هناك عدة مناقشات حصلت داخل الإدارة الأمريكية في الأسابيع الأخيرة، حول عملية عسكرية إسرائيلية محتملة في رفح، حيث كانت خلاصة الأمر هي أن إدارة بايدن، لا يمكنها السماح بحدوث ذلك، كما تعتقد أن إسرائيل غير قادرة على تنفيذ خطة إخلاء للفلسطينيين من رفح بطريقة تمنع سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
وانتقادا لسياسات إسرائيل، ذكر نواب في البرلمان الأوروبي، أن المجاعة في غزة ناجمة عن تصرفات إسرائيل التي تشكل «إبادة جماعية» وانتقدوا تقاعس العالم الصامت أمام صرخات سكان غزة.
أما مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، فقال خلال اجتماع عقد مؤخرا لمجلس الأمن «إن «بقاء سكان غزة أصبح على المحك» وتابع «إننا حين ندين الاعتداءات في أوكرانيا، علينا استخدام نفس الكلمات، لما يحدث في غزة».
وقال «الأزمة الإنسانية في غزة من صنع البشر، وليست كارثة طبيعية، وعندما نبحث عن طرق بديلة لتقديم الدعم سواء عن طريق البحر والجو، فعلينا أن نذكر أننا نضطر إلى ذلك لأن الطريقة الطبيعية لتقديم الدعم عبر الطرق يتم إغلاقها بشكل مصطنع، فيما يستخدم التجويع كذراع للحرب».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية