تصبح اللغة مجرد عبارات خشبية أكلتها الحشرات، والعقيدة أوهاما تباع على الفضائيات والمواقع، وتصبح الجغرافيا والتاريخ امتدادات في الزمن والمكان جوفاء بدون روح، تسقط وتتناثر خرافة الوطن الواحد والتاريخ المشترك، كل هذا على محك إبادة غزة وأهلها، ونصبح شعوبا شاهدة على تلك الإبادة ولا نمتلك غير الدعاء، فهل سيتقبل الله منا؟
بعد وصلات الدعاء التي تنتشر على مختلف المنصات والمنابر نسارع إلى أسرتنا الوثيرة الناعمة لننام ونحلم، ونتحلق حول موائدنا لنأكل ونتلذذ بأطباق رمضان الشهيرة في كل بلد عربي وإسلامي، وبعد أن نتجشأ نخطط للمستقبل «السعيد»، الذي نسعى لأجل أن يتحقق!
هكذا تصبح حياتنا باردة الأعصاب، وقلوبنا «غلف» وأبصارنا شاخصة ترى الباطل وتجمله والوهم وتحمله ما لا يطيق، وتكبر الدوامة التي تأخذنا إلى فضاءات دون مرافئ، لكننا نعيش، وأي حياة لنا في هذا العالم بكل أعدادنا الهائلة، ونحن كأعجاز نخل خاوية، ترمينا سياسات ومخططات وأهواء وهوامات العالم الكبير المسيطر يمينا وشمالا، منه تتسرب الأخبار وتتوجه مشاعرنا وحلقات تفكيرنا ومساحات تضامننا، ولا نملك شجاعة الشهادة بالحق، ونزين الزور بكل الألوان.
ما نعيشه جميعا «استقرار» هش، ولا مبالاة سافرة، ففي غزة وحدها من يستحق الحياة، من يصنع أرصفة التجارة الرمضانية الهزيلة، والفوانيس الورقية، وشوربة «الحشائش» عوض شوربة الخضار، من يستبدلون قمر الدين و»عرق السوس» بمياه المطر والبحر والدم. إنها المقاومة التي تحول أحلامنا إلى كوابيس، ونحن ننتظر الفرج بأقل الأضرار والكلمات، ما أقسى ما يعيشه العرب والمسلمون هذه الأيام من عجز وتواطؤ، فكل بلد يحاول حماية مصالحه داخل فقاعة هوائية رخوة، ويحسب أنها سيليكونا أو فولاذا!
مثلما انتظرنا قربان الجندي الأمريكي «آرون» ننتظر قافلة «خوسيه أندريس» المحملة بالمساعدات الغذائية لغزة، ألا يوجد عندنا مليارديرات وأرباب أعمال يعيشون في عالم «الديمقراطيات»، بعيدا عمن يغلقون المعابر ويقفلون «أبواب السماء»، من مزدوجي الجنسيات من العرب، يمكنهم أن يكشفوا عن «حنة أيديهم»، وبقايا «حنية قلوبهم» ليتقدموا القوافل والمساعدين، ولا يطلب منهم الانتحار وتقديم القرابين الجسدية، فقط مواد غذائية لأطفال أكلتهم المجاعة، ولأمهات يبكين دما لقلة الحيلة. دموع القطة ونظراتها وهي تودع صاحبها الطفل الشهيد في غزة وتحضنه، التي تناقلها رواد مواقع التواصل الاجتماعي أقوى مشهد «حتى الحيوانات عندها حنية أكثر من المحتلين»، كما علقت «سهام يوسف»، بل أين نحن من الكلاب والقطط؟ كما كتب «عمرو صلاح»؟!
«البراني» والترويج للانفلات الأخلاقي
لماذا ينتظرون شهر رمضان لإنتاج مثل هذه المسلسلات، التي لا تحترم «الشهر الفضيل» الوحيد في السنة، على الأقل، وكل العام يمكنه أن يتسع لما تجود به قريحة كتاب السيناريو، لماذا تتصدر المخدرات، والعلاقات الاجتماعية المحظورة والانتهاكات الأخلاقية الدراما الرمضانية؟!
يتساءل المتتبعون لبرامج رمضان؟ بعنوان «عين على برامج رمضان» كتب الإعلامي عبد العالي مزغيش على صفحته الرسمية على فيسبوك منشورا ينتقد فيه محتوياتها لرمضان هذا العام: «الدراما الرمضانية التي تغرق في الابتذال وتسقط في الإسفاف وتكرر نفسها، كل موسم، وتوهمنا أنها تعكس واقع الجزائريين هي دراما تمثل رؤية إنتاجية قاصرة عن فهم أغلب المجتمع الجزائري، الذي يمنح قدسية كبيرة لشهر الصيام، يمكن لبعض المخرجين والمنتجين اختيار شهر آخر لبيع «سلعتهم» الرديئة التي لا تعكس الاحترافية والجودة الموجودة في أعمال عربية وأجنبية»! ويضيف في الحديث عن بدائل بالقول: «هل يعجز المنتجون عن انتاج مسلسل محترم يسرد سيرة الشيخ «البشير الإبراهيمي» أو سيرة المفكر «مالك بن نبي» أو سيرة الشاعر « لخضر بن خلوف» أو الفنانة «وردة الجزائرية» أو الكاتب «مالك حداد» أو الشاعر «سي محند أومحند» أو المستكشفة «إيزابيل ايبرهارت» أو البطل الشهيد «محمد بودية» أو الشيخ «إبراهيم بيوض»؟ هذه الدراما، كما أضاف مزغيش لا تخرج عن مضامين «الكيف» والأقراص المهلوسة والخمر، التي تسوق للجزائريين، وكأن قدرنا أن نجتمع في رمضان لنشاهد هذه السموم دون غيرها».
ومن المسلسلات التي دخلت أروقة وزارة الاتصال، مسلسل «البراني» الذي استحوذ على كم كبير من الانتقادات، على صفحة «الجزائر باتريوت» نقرأ: «في انتظار قرار وقف بث مسلسل «البراني» أو حذف كل مشاهد العنف والمخدرات، يلتقي غدا وزير الاتصال الدكتور محمد لعقاب في مقر وزارته، بمدراء القنوات التلفزيونية العمومية والخاصة. يأتي هذا اللقاء بعد أن لوحظ مؤخرا عدم احترام التوجيهات الأخيرة التي أسداها السيد الوزير وسلطة الضبط المستقلة لضبط السمعي البصري بخصوص البرامج وكذا المادة الاعلانية المعروضة خلال شهر رمضان المعظم».
وعرج المنشور على تعليمات الوزير في الشهر قبل الماضي والتعليمات التي أسداها لمدراء مؤسسات الإذاعة والتلفزيون الخاصة».
أما موقع «الحدث الجزائري» وعلى صفحته على فيسبوك فتطرق للمسلسل، «مشهد في المسلسل الجزائري «البراني» يثير جدلا على «السوشال ميديا» ويصل الأمر إلى تدخل الحكومة، فما القصة؟ الجدل جاء بعد لقطة ظهر فيها شاب يتقمص دوره الممثل كريم دراجي، وهو يحرض فتاة على تناول المخدرات، الأمر الذي اعتبره مشاهدون تشجيعا على تعاطيها، كما انتقد آخرون المخرج لتطرقه لتفاصيل تحضيرها، وعليه أصدرت لجنة «اليقظة» في البلاد المكلفة بمتابعة المسلسلات والبرامج في رمضان بيانا أكدت فيه ضرورة احترام المتابعين، خاصة الصغار، واستدعت مدير الشبكة التي عرضت المسلسل لتقديم توضيحا حول الأمر.
وتدور أحداث «البراني» في عالم المافيا، إذ يبرز نشاط عصابات المخدرات والسلاح والمطاردات البوليسية. وعلى ما يبدو من تعليقات رواد مواقع التواصل الاجتماعي فهناك لقطات أخرى، تبدو مسيئة للمجتمع، ولفكره، ولرموزه التاريخية والثقافية.
وعلى صفحة «عبد القادر» نطالع أن المسلسل، الذي يتم بثه على «قناة الشروق» في أحد اللقطات تظهر خزانة للكتب وفي واجهة الكتب كما تشاهدون كتاب تحت عنوان «تاريخ التنوير والإلحاد»! بكل صراحة هل هاته الكتب تمثل الشعب الجزائري، حتى يتم عرضها في هاته المسلسلات؟ رعية بلا راع. الله غالب»!
وكأن المخرج وكاتب السيناريو يحيى مزاحم يعيد «الدامة» بأحداثها وبجدلها في هذه اللقطة، كلقطة «الماك» التي كانت مكتوبة على جدار حي شعبي في مسلسل رمضان الماضي.
ولم يسلم ابن خلدون من لسان عايدة عبابسة في المسلسل بقولها» «كون جا راجل ما يسميش روحه على باباه»، مما اعتبر استهزاء بـ»علماء الدين»، كما كتب على صفحة «الجزائر ميكس» .
٭ كاتبة من الجزائر