الحجة عزية.. فلسطينية من كفر قاسم حوّلت المحنة إلى قصة نجاح مبهرة

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”: ولدت الحجة عزية بدوي (66 عاماً) في بلدة كفر قاسم، داخل أراضي 48، في أسرة عصامية مباركة الأولاد، واضطرت، لظروف اجتماعية، إلى مغادرة المدرسة مبكراً، كما تزوجت وهي دون السابعة عشرة.

وتستذكر، في حديث لـ “القدس العربي”، أنها بعدما أنجبت ولدها الأول، مرسي، وجدت نفسها أمام محنة صعبة، بصفتها أماً وطفلة في ذات الوقت، حيث رزقت بثلاثة أولاد آخرين، اثنان منهما كفيفان (سامر ومحمد)، فعاهدت نفسها أن تعوّضهما بالتعليم لأعلى المراتب متنازلة عن حلمها هي باستكمال تعلمها. وعن هذه المحنة تقول: “في الشهور الأولى، تنبّهت أن سامر يمدّ يده بعكس الاتجاه المطلوب، ودارت في خلدي شكوك بأن ثمة خللاً في البصر، فبدأنا الفحوصات، وكان في داخلي أمل بأن نتفوّق على المشكلة، حتى وقعت خيبة الأمل.

عاهدت عزية نفسها بأن تعوّض ولديها الكفيفين بالتعليم لأعلى المراتب، متنازلة عن حلمها باستكمال تعليمها

ذهبت لوحدي لتلقّي الجواب النهائي على الفحوصات، وفي الطريق كان الخوف يستبدّ بي فبكيتُ، ثم كفكفتُ دموعي، وقررتُ التصالح مع نفسي، والتسليم بقضاء الله، ولم تكن مواجهة الهواجس مهمة سهلة. في العيادة الاختصاصية أطلّت ممرضة، وسألت من هي عزية بدوي، وفوجئت عندما رأتني طفلةً وأماً. طلبت مني الانتظار، وبعد دقائق قرعتُ باب العيادة، وطلبت من الطبيب النتيجة، إذ عرفت في سري النتيجة. عدت للبيت، وقد وجدتُ الأهل مجتمعين، فسارعوا للسؤال طالبين تبشيرهم بخبر خير، فأبلغتُهم أن ابني كفيفٌ، فكان الجو ثقيلاً. من جهتي انقلب عليّ عالمي في البداية، ولم أعرف كيف أبدأ المشوار، وماذا أفعل. احتضنتُ الولد الذي كان يحبو على الأرض، وقلت لهم: هذا ابني، ولن أفرّط به”.

مذبحة كفر قاسم

لكن هذه ليست المحنة الأولى، فقد أصيبت عائلة الحجة عزية بمحنة كبيرة بعدما تعرّضَ والدها إسماعيل بدير لإصابة بالغة في مذبحة كفر قاسم، عام 1956، فقد عاد في 29 أكتوبر 1956 من قطيف الزيتون، عند المساء، وفي مدخل البلدة وجدَ حاجزاً للقوات الإسرائيلية، وعلى جوانب الطريق تناثرت الجثث. وتنقل ما سمعته عنه: “كان والدي جريئاً فسألهم لماذا تقتلون الأبرياء؟ فطلبوا منه الاستدارة كي يقتلوه، فرفض، ودعا الجنود لإطلاق الرصاص عليه مباشرة “كي أرى عيونكم والحقد فيها وأنتم تقتلوننا بلا سبب”. في هذه اللحظة وقعت مشادة بين والدي والجنود، وهم يحاولون دفعه للاستدارة فجاءت الرصاصة في خاصرته، وكانت شقيقتي رضية طفلة في الثامنة ترافق والدي، وشاهدت هذا الكابوس، وبسبب صراخها دفعوها لمواصلة طريقها للبيت على متن حنطور، فوصلت البيت مذعورة وتصرخ: “قتلوا أبوي قتلوا أبوي”. وروى والدي على مسامعنا لاحقاً أنه تظاهر بالموت عندما رموه برصاصة وحبس أنفاسه، وهم يحاولون التثبت من وفاته بضربه على ظهره بعقب البندقية. بعد نحو نصف ساعة، صرخ والدي داعياً الجنود لقتله، لأن الموت أسهل من الأوجاع، وفجأة وَجَدَ رجالاً فوق رأسه يتحدّثون معه، فاستمر بدعوته لقتله فأبلغوه أنهم مسعفون. مكث والدي شهرين في المستشفى وخضع لعدة عمليات جراحية، أما شقيقتي رضية، فبقيت هذه الصدمة تلازمها حتى رحلت، يروّعها سماع أزيز رصاصة، أو حتى ألعاب نارية”.

ماكنة الخياطة

كما تقول: “كان حلمي أن أتعلم، لكن والدي دعاني للتوقّف، في مطلع الصف الثامن، فلجأتُ واستجرتُ بمدير المدرسة الذي تحدث مع والدي، فمنحني فرصة للتعلم لشهرين إضافيين فقط. طبعاً سامحته، وأحفظ عنه تربيته على العصامية، وأخذت منه صلابة الموقف، مثلما تأثرت بعاطفة والدتي. وتشير إلى أن الإعاقة البصرية كانت نتيجة زواج أقارب متكرر داخل العائلة، وقبيل أن أنجب محمد صَدَقَ هاجسٌ داخلي دفعني للاعتقاد بأنه هو الآخر كفيف بخلاف تقديرات الأطباء”.

لكنها قبلت التحدي من جديد: “كنت راضية بقدر الله، لكن ما حزّ بنفسي أن المدرسة، من مدير ومعلمات وتلاميذ لم يقبلوا بوجود تلميذ كفيف بينهم، فوقتها لم تكن سياسة دمج التلاميذ أصحاب التحديات مع بقية التلاميذ. بعد ساعة من إرسال سامر للمدرسة جاء مديرها مع الولد للبيت، معرباً عن أسفه أن المدرسة لا تعرف كيف تتعامل معه، بيد أنني لم أستسلم، فزرت المدرسة، وأقنعت المعلمة، واخترت أن أجلس داخل الفصل الدراسي لجانبه لعدة شهور، حتى انتهينا من تطبيع الحالة الشاذة”.

لماذا لا ألعب الكرة كبقية الأولاد!

أصعب ما واجهته في هذه المحنة أن محمد، وهو طفل، صار يبكي ويقول: “أنا أريد أن أكون مثل مرسي، لا مثل سامر، وأريد أن ألعب كرة مثل بقية الأولاد، ثم لماذا يقول لي التلاميذ في الصف أن خطّي مثل “خرابيش الدجاج”. بعدما استشرت اختصاصيين نفسيين لم أجد جواباً مقنعاً لأسئلة محمد الكفيف، فقررت الاتكال على نفسي، فكنت الأم والحاضنة والاختصاصية النفسية. احتضنتُه، وقلت له أنت ستبقى كما أنت، ولن تقوى على البصر، لكنني أعدك أن تصل الجامعة. قفز وصرخ غضباً حتى ما تمكنت من تهدئة روعه. هذا هو الرضا والتسليم والتصالح مع الذات، وبدون ذلك لا يمكن أن تنتصر على العثرات، فكنت أختلي بنفسي وأخاطب رب العالمين: يا رب ابتليتني، وأنا أطلب منك فقط الحكمة؛ كيف أتعامل معهم، فصرتُ أشعر أن ربي يلهمني في التعامل معهم، وكان التعليم أفضل طريق للتعويض والانتصار”.

الحاجة عزية: انقلب عليّ عالمي في البداية، ولم أعرف كيف أبدأ المشوار، وماذا أفعل. احتضنتُ الولد الذي كان يحبو على الأرض، وقلت لهم هذا ابني، ولن أفرّط به

وكرّست الأم الفلسطينية كلّ قطرةِ طاقةٍ في جسدها لتعليم أولادها، خاصة سامر ومحمد الكفيفين، وسرعان ما اصطدمت بالضغوط الاقتصادية، بيد أنها نجحت بهمّتها العالية في اختراق حدود اليأس: “كان مدخول زوجي بالكاد يوفر الخبز، فذهبتُ لطولكرم، وتعلّمت الحياكةَ كي أعمل بالخياطة، وأتمكن من توفير مستلزمات التعليم. كي أوفّر ثمن ماكنة الخياطة زرعتُ في حديقة البيت نبات الليف، وصرتُ أبيع الليف الذي يستخدم للتنظيف، وهكذا صار بحوزتي نصف ثمنها، ووعدتُ بائعة الماكنة أن أستكمل دفع المستحق المالي بعدما أبدأ بالإنتاج، وفعلاً، ابتدأ المشوار، وصرت أُحيك ملابس نسائية، وكي أسوّق نفسي عرضت على الجارات والقريبات أشغالي مقابل سعر التكلفة فقط، وهكذا أشهرت مشروعي”.

رحلة جبلية صعبة

وتوضح أن الرحلة كانت جبلية صعبة، حيث اضطرت للعمل ساعات طويلة؛ تصحو عند الفجر، وتنهي أعمال البيت حتى الثامنة، وبعد ذهابهم للمدرسة كانت تحوّل غرفة الأطفال لمشغل حتى يعودوا للبيت، ثم تستأنف العمل في ساعات الليل.

تقول: “كنت أجلس في ليالي الشتوية على الحصيرة داخل البيت، أعمل وأكابد البرد والنعاس، وأحياناً كان المقص يسقط من بين أصابعي عندما يغالبني النوم. ومع الوقت انتقلت لمرحلة جديدة بتشغيل فتيات يعملن في الحياكة”.

 وفي التزامن صارت تستورد ملابس من تركيا، حتى صارت تاجرة أزياء، وهكذا أمّنت احتياجات البيت والأولاد، ونجحت بتعليم الأولاد، خاصة سامر ومحمد اللذين أنهيا الماجستير: سامر أنهى تعلّم إدارة المؤسسات الربحية وغير الربحية والعلوم السياسية، بينما أنهى محمد الماجستير في التربية واللغة العربية.

وعن ذلك تقول: “كنت أسمع الكثير من المجتمع، يلومونني بأنني أرهق نفسي وأولادي، ودعوني للكفّ عن تعليم الولدين الكفيفين. عندما هاتفني سامر بتحقّق الحلم، بعد 23 عاماً، وقال إنه أنهى دراسة الماجستير، اتصلتُ بكل نساء كفر قاسم ودعوتهن لزيارتي في بيتي وتلقي الحلوان. وعندما رافقت سامر للجامعة، دعاني لتسلّم الشهادة بدلاً منه، وهو يقول إنها لي، وليست له”.

في كفر قاسم أطلق الجنود النار على والدها. وروى لاحقاً كيف تظاهرَ بالموت عندما رموه برصاصة، وحَبَسَ أنفاسه

وتشير إلى أنها نجحت بزرع الإيمان والثقة بالنفس في أولادها، “حتى أن محمد كان يطلب مني أن أرسله لاقتناء أغراض البيت من الدكان، وكنتُ أعتمد عليه، فقد كان، على سبيل المثال، يقتني البيض، ويأتي بها سالمة، بينما كان أخوه إسماعيل، المبصر، يعود من الدكان، وقد تكسرت بعض البيضات في الطريق”.

 وتخلص الحجة عزية للقول: “الحمد لله، أولادي فخورون بي كثيراً، ومثلما كنتُ سندهم في البدايات، هم سندي اليوم”.

ولم تكتف الحجة عزية بكل ذلك، فقد بادرت، في 2018، لبناء كلية للتنمية البشرية في مدينتها، كلية كفر قاسم، وفيها تعلّم هي تجربتها الملهمة للطالبات اللواتي يتعلمن ورشات عملية تساعدهن في تطوير مهاراتهن الحياتية.

يشار إلى أن الحجة عزية، مع بقية شقيقاتها الست، قرّرن تكريس قطعة أرض منحها والدهن لهن لبناء مركز تطوعي لخدمة النساء في كفر قاسم، وما زال يعمل حتى اليوم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية