تحرر منذر عميرة من غوانتنامو، اعتقل عدة مرات من قبل، ولكن ما مر به في السجن الإسرائيلي في فترة الحرب لا يشبه ما كان عرفه. أحد الأصدقاء قال له إن الأشهر الثلاثة الأخيرة التي كان معتقلاً فيها تساوي عشر سنوات في السجن. الشهادة المفصلة التي قدمها لنا عميرة في هذا الأسبوع في بيته في مخيم عايدة للاجئين في بيت لحم، كانت صادمة؛ لقد تطرق إلى أدق التفاصيل بدون أي حساسية، إلى أن رغبنا في إنهاء أقواله. لم يكن بالإمكان تحمل هذه الأمور، لكن يبدو أن عميرة انتظر الفرصة للتحدث عما مر به. لقد حدثنا عن قصة جهنم التي مر بها بلغة إنجليزية طليقة، دمج فيها لغة السجن بالعبرية. انطلقت منه الأوصاف تباعاً، رعب تلو رعب وإهانة تلو إهانة، وعبر عنها بلغة الجسد وهو يركع على الأرض مرة تلو الأخرى، وفي ثلاثة أشهر فقد 33 كغم من وزنه. في هذا الأسبوع كان يبدو قوياً، جسدياً ونفسياً.
صورتان كبيرتان معلقتان في بيت عميرة، الأولى لناصر أبو سرور، صديقه الأسير منذ 32 سنة بتهمة قتل عميل لـ”الشاباك”، والأخرى لنفسه يوم إطلاق سراحه قبل أسبوعين. تصعب ملاحظة التشابه بين محدثنا ومظهره في الصورة. عمره 53 سنة، متزوج وأب لخمسة أولاد، ولد وترعرع في مخيم اللاجئين هذا الذي يعيش فيه أحفاد 27 قرية فلسطينية مدمرة. وهو الذي رسم مفتاح العودة الكبير المعلق على بوابة المخيم وكتب عليه “ليس للبيع”. عميرة ناشط سياسي يؤمن بالنضال غير العنيف، حتى بعد القتل في غزة، أكد؛ ابن حركة فتح ويعمل في وزارة الاستيطان والجدار في السلطة الفلسطينية، وهو خريج كلية علم الاجتماع في جامعة بيت لحم.
في 18 كانون الأول 2023، الساعة الواحدة بعد منتصف الليل… ضجة كبيرة، نظر عميرة من النافذة وشاهد الجنود يضربون شقيقه الأصغر كريم (40 سنة)، وهو المدير الإداري لقسم القلب في مستشفى “الجمعية العربية” في بيت لحم. الجنود جروا كريم إلى الطابق الثاني، إلى شقة منذر، هناك رموه في وسط الصالون. وقال عميرة إن شقيقه فقد وعيه، فهو غير معتاد على مثل هذا العنف.
جنود كثيرون كانوا في الغرفة، ربما عشرة. ابنة عميرة، يمنى، وقفت خلفه. قال الضابط: “خذوها”، فارتعب قلب عميرة. هل جاءوا لاعتقال ابنته الطالبة ابنة الـ 18؟ ما ذنبها؟ بعد ذلك، كبل الجنود ابنيه محمد (13 سنة) وغسان (22 سنة). كان محمد يرتدي قميصاً عليه خارطة فلسطين، فمزق الجنود القميص. الأب لا يعرف ما الذي يحدث. التقط الجنود صورة لعميرة وأرسلوها إلى جهة ما. “هذا كل شيء”، قالوا بعد ذلك. ثم قيدوا عميرة واقتادوه إلى موقع عسكري. وهناك رموه أرضاً وبدأ الجنود بركله، حسب قوله. بعد ساعة، أعادوه إلى البيت. كانت عيناه معصوبتين، سمع يمنى وهي تصرخ “أحبك”. وهي لحظة سترافقه في الأشهر الثلاثة القادمة في السجن.
بعد أن أخذه الجنود في السيارة رموه على أرضية السيارة وركلوه وداسوا عليه بدون توقف. بعد نصف ساعة، وصلوا إلى قاعدة عسكرية وتركوه في الخارج في ليلة من ليالي كانون الأول. تحدث الجنود عن غزة، وقال له أحدهم “اليوم سنحقق حلمك. هل ترغب في أن تكون شهيداً، سنرسلك إلى غزة”. كان عميرة يرتجف، خاف أن ينفذ الجنود غايتهم، وتخيل موته في غزة. “أريد العيش لا الموت”، قال واصفاً سير الأحداث.
في الصباح، وجد نفسه في معسكر “عتصيون”. “بدأ العرض”، قال الجنود. أدخلوه إلى مكتب، وفكوا القيود التي تركت آثاراً زرقاء على يديه، ثم طلبوا منه خلع ملابسه، وعندما وصل إلى الملابس الداخلية، رفض خلعها. ركله الجنود فسقط أرضاً. “فجأة، أدركت ماذا يعني الاغتصاب، وماذا يعني التحرش الجنسي. أرادوا تعريتي وتصويري”. وقف عارياً وأمره الجنود بفتح رجله، وشعر بإهانة لم يشعر مثلها. شعر أنهم سينشرون الأفلام التي صوروها، وفي النهاية أخذوه إلى الزنزانة.
وجبة المساء تضمنت قطعتي جبنة وخبز. ووجبة الغداء في اليوم التالي أزعجته تماماً. وضع الجنود أربعة صحون في زوايا الغرفة الأربع، وطلبوا من المعتقلين الثمانية الركوع والأكل من هذه الصحون بأيديهم. كان المشهد مشهد قطط الشوارع. والطعام عصيدة غير قابلة للأكل. حسب قوله، ربما كان خليطاً من بقايا طعام الجنود. سأل عن شيء أبيض. فقالوا بيضة. لم يأكل عميرة.
في اليوم التالي، نقلوه إلى سجن عوفر، حيث التحقيق معه حول منشورات قال الجنود إنه رفعها، لكنه نفى ذلك. “لا يوجد على صفحتي في الفيسبوك شيء يؤيد العنف”، قال. المنشورات تضمنت التماهي مع مصير سكان غزة. “مبروك، قال لي المحقق. ستذهب إلى الاعتقال الإداري”، هكذا حكم عليه مدة أربعة أشهر سجناً بدون محاكمة. وحسب معرفته، بدون أدلة أيضاً. “كنت في عوفر من قبل، لكن الأمر لم يكن هكذا”. خليط بين أيام حرب مسموح فيها التنكيل بالفلسطينيين في كل مكان وبين مصلحة سجون تابعة لبن غفير. قرر عميرة عدم معارضة أي شيء بعد ذلك، كي يبقى على قيد الحياة.
وقال المتحدث بلسان مصلحة السجون للصحيفة هذا الأسبوع، رداً على ذلك: “لا نعرف عن الادعاءات المذكورة. وهي غير صحيحة، حسب معرفتنا. في حالة تقديم شكوى منظمة، سيفحصها الضباط المعنيون”.
وقال المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي: “تم اعتقال المشبوه بتهمة التحريض والنشاط في منظمة معادية في 18 كانون الأول. في جلسة المحكمة العسكرية التي ناقشت طلب النيابة العسكرية تمديد اعتقاله، طرح المشبوه ادعاءات ضد سلوك الجنود معه أثناء الاعتقال. ما زالت الادعاءات قيد الفحص”.
بعد ثلاثة أشهر تم إطلاق سراحه، أي قبل شهر من الوقت المحدد. في بيته، قال لنا في هذا الأسبوع: “كتب محمود درويش بأن الأسرى أمل الشعب الفلسطيني”. لم يعد هذا صحيحاً؛ هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها الأسرى الانتحار، المرة الأولى التي شعرت فيها بأن باب الزنزانة باب القبر. السجن الإسرائيلي مقبرة للأحياء.
جدعون ليفي وأليكس ليباك
هآرتس 22/3/2024