إيمان حميدان
هذه الرواية الصادرة حديثا عن دار الساقي طبعة أولى 2024 ممتعة حقا، مختلفة حقا عن كثير من السائد الروائي العربي؛ وهي مأنوسة على قدر غرابتها، لمسوغات شتى بعضها يتعلق ببنيتها الدائرية المحكمة، وشخوصها الذين يتحركون في فضاء النص بحرية محسوبة، وبعضها بلغتها القوية الحية. على أني تخيرت في هذا المقال أن أركز القراءة في هذه العلاقة التي تعقدها إيمان حميدان ببراعة لافتة، بين الرواية والغناء. وهذا موضوع لا أعرف أحدا خاض فيه عندنا، كما هو الشأن في السرديات الغربية التي تباشره من أكثر من زاوية، كالأغاني المصاحبة أو التي هي من مكونات المتن السردي، بل هي أنشأت علما يدرس الأغنية وعالمها هو «الكانتالوجيا» وهو مصطلح لا أعرف له مقابلا في العربية؛ ومع ذلك أقترح له «الإنشاديات» أي مباشرة الأغنية من حيث هي جنس أدبي قائم بذاته. وهناك أكثر من رواية ألهمت الأغنية، وأكثر من أغنية ألهمت الرواية مصادر ومراجع؛ ولعل أشهرها الجزء الأول من رواية مارسيل بروست «في البحث عن الزمن المفقود» و«صحراء التتر» للإيطالي دينو بوزاتي، وقد حولت إلى عمل سينمائي شهير عام 1976. وفي «أغنيات للعتمة» نقف على هذه الآصرة بين الرواية والغناء، في سياق من التداخل النصي المحكم الذي يتيح للقارئ أن يفك رموز النص، وما ينسجه من علائق بين «السارد» وقرينه، أو معادله «كانتور» أي «الناشد» (من النشيد)؛ خاصة في شخصية «شهيرة» التي أعود إليها بشيء من التفصيل لاحقا.
تقوم الرواية في متنها الغنائي، على جهاز سردي أعدت له الكاتبة عدته من توثيق تاريخي ووصف أمكنة، وصاغته في نظام من التعبير الكنائي، أو الرمزي مداره على طفولة المرأة فمراهقتها فشبابها فشيخوختها، صورة للبنان منذ بدايات القرن الماضي إلى الثمانينيات. ولا يتعلق الأمر بذكريات حميمة سائبة منساحة، وإنما بمرايا تصل الماضي بالحاضر بالمستقبل؛ وتنقل أوجه التفاعل بين عنوان الرواية والأغاني المصاحبة. والمدخل إليها هذه العتبة لبرتولت بريخت «في الأوقات الحالكة، هل سيكون ثمة غناء؟ نعم، سيكون ثمة من يغني عن تلك الأوقات الحالكة».
والعتمة لغة هي ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، أو صلاة العشاء، أو «صلاة العتمة» كما كان يسميها الأعراب؛ الأمر الذي يسوغ رأيي في أن الأغاني التي تخيرتها الكاتبة، هي الإضاءة أو النور الذي يضيء هذه العتمة، مثل «ريم الفلا يا زينة كل المزايين/ يا منوة العشاق حينا بعد حين/ يا زين أما وياك ما غيرنا اثنين/ نطرب على نغمات صوت الربابة/ ريم الفلا أهلا هلا ومية هلا/ يا بو العيون مكحله/ طل الحلو ما أجمله/ ريحة هالخ ما أكمله/ يمشي بثوب المخمله» و«سلم قول الهلا يا شوقي/ علم ضرب السهم بخفوقي/ غمزات عينها مكحلة/ لوح بإيدك يا هلا/ علم ضرب السهم بخفوقي» و«تحت الورد نيمن العروس وودعناها/توب العرس لبسناها/ وبعيون إما فرحة حزن بتلوح/ لعيون ما بتحكي بس سمعناها» و«ويا إمي سألت عنك الياسمينة/ قلتلها نايمة/ لا تزعلي ولا تلوميني/ الدمعة بروحي ضايمة/ البيت تسكر ع صحابو/ وتقفلت كل أبوابو/ بلكي نْ رجعت ياسمينة/ الفرحة بترجع لعتابو» و«نويت أداري أحلامي وأخبي دمعي ونحيبي/ وأحكي شجوني وغرامي/ لحالي ولطيف حبيبي/. والرواية تعزز هذا الطرح، فهي حوار بين شهيرة «مغنية» وشهيرة ساردة مسرودة، وبين الأجيال في شريط من الذكريات توائم بين الأزمنة الثلاثة ذهابا وإيابا؛ بل بين الكلمات مغناة وصور الخيال الذي يمكن نعته بالرومنطيقي، حيث تنهض الأغنية برسم المشهد على نحو ما ينهض به الوصف؛ في طبقات سردية غنائية، متوازية متزامنة. وهي تعزز مجتمعة المجال المرجعي للرواية، وكأن الأغنية وهي زمان صدى للمكان، أكثر منها صدى للعواطف الشخصية. وأقدر أن لاختيار الأسماء والضمائر الشخصية والأغاني في هذا النظام السردي المحكم، أكثر من وظيفة. من ذلك أن هذه الأغاني محكومة لا شك، في التراث اللبناني الغنائي عند العارفين به، بإيقاع من شأنه أن يشحذ فعل التذكر؛ ويحد الطريقة التي تنتظم بها الخبرة السردية عند الكاتبة، أكثر من كونها كلمات موقعة أو موزونة أو مقفاة.
والرواية كالأغنية ذات بنية دائرية، فهي تُفتتح برسالة من أسمهان إلى ويدا صديقة الطفولة والمراهقة، وهي تتهيأ للاجتياز إلى المنطقة الشرقية من بيروت، فالسفر بحرا إلى لارنكا؛ وتستحضر صورا من خوفها من مازن، ومن أن يعرقل سفر ابنتها لمى معها؛ وهو الذي افتك ابنها، فذكريات مجملة غير مفصلة عن الجدتين شهيرة وياسمين والأم مجهولة المصير.
والرواية كالأغنية ذات بنية دائرية، فهي تُفتتح برسالة من أسمهان إلى ويدا صديقة الطفولة والمراهقة، وهي تتهيأ للاجتياز إلى المنطقة الشرقية من بيروت، فالسفر بحرا إلى لارنكا؛ وتستحضر صورا من خوفها من مازن، ومن أن يعرقل سفر ابنتها لمى معها؛ وهو الذي افتك ابنها، فذكريات مجملة غير مفصلة عن الجدتين شهيرة وياسمين والأم مجهولة المصير. وينهض النص بتفصيلها لاحقا عبر فصول رائقة مثل: أجمات البقاع الغربي: ربيع 1908 وشهيرة ابنة 14 وأمها حسنة تغسلها للزواج، فيما الصبية تفكر في يزيد عشيقها المديني بلهجته الساحلية الذي كانت تلتقي به سرا مع هرتها. هو يقرأ الشعر، خاصة رباعيات الخيام، ويقول لها أنه سيصبح شاعرا وهي تغني أغاني الحصاد والأعراس، وتحكي حتى أنه سماها «شهرزاد» وما إلى ذلك من تفاصيل شتى مثل ليلتها الاولى في كسورة مع نايف زوجها، وكان زوجا لأختها الراحلة صفاء، وحرصها على تعليم الأبناء رغم اعتراض الزوج، وعلاقتها بمس ستيوارد مديرة المدرسة؛ فذكريات عن الجيش العثماني وجمال باشا، والجوع في فترة الجراد 1915 و1916. ونعرف أن اسمهان هي ابنة ليلى وأنها تدون ذكريات جدتها عن الحرب والمعصرة، فتفاصيل عن ياسمين وزواجها المبكر من غسان ابن عمها من أجل حفظ الأرض والمحاصيل، فسفر غسان إلى فلسطين إلى حيفا للعمل في شركة سكة الحديد، فموت ياسمين. أما فصول الرواية الأخرى مثل «ليلى» و«روزا» و«شهيرة» و«فايز» ويوسف أستاذ الفيزياء، والمدرسة الإنجيلية في الأربعينيات، ومس هيلين معلمة الأدب الإنكليزي التي تطلب من ليلى أن تعلمها العربية، فـ»تشرين الثاني 1943» و«زواج ليلى وسالم» و«عائلة الدالي والسياسة» و«صيف 1958 ومرض ليلى، وشهيرة التي طعنت في السن، وذكريات عن عام 1962، ومحاولة انقلاب الحزب القومي، واختفاء الأم، وانتحار شقيق ويدا، فعودة إلى الطفل كريم وألعابه التي ظلت تحتفظ بها، فالأم ولمى في الطائرة… فليس لي أن ألخصها هنا في هذا العمل السردي الدائري، وهو استعادة حية للزمن اللبناني المفقود، وإنما أترك للقارئ متعة اكتشافها، خاصة أن ما يعنيني في السياق الذي أنا فيه، هو قدرة الكاتبة على توظيف الأغنية. فهي تأخذ بصيغة تذكيرية تجعل الجملة السردية أو المغناة تتأدى في تراتيب وتراكيب مخصوصة. وأقدر أن وعي هذه القاعدة التذكرية التي تجري عليها الرواية هو السبيل إلى اكتناه سجلها الغنائي؛ لو هي حولت إلى عمل سينمائي؛ وهو ما أرجوه. ومن أظهرها بنية العطف وبنية الاستطراد التي تتيح للقارئ/ المستمع أن يظل في الصميم من السياق الذي يجري فيه القص، بل تجعل الأغاني صورة أشبه بالأحجية الصينية، وكأنها صناديق داخل صناديق، أو هي ترد في هيئة من العناقيد. وقد يذهب في الظن أن هذا الضرب من الاستطراد من شأنه أن يشتت انتباه المتلقي، وهو ينقله من موضوع إلى آخر؛ وهذا انطباع خاطئ، فقد نزعت الكاتبة إلى نوع من الاطراد، الذي يجعل المتلقي منشدا إلى «الفضاء السماعي» الذي تشحذه الأغنية، وتجري فيه الأحداث. على أن الصيغة الحوارية تنهض بجانب من هذا الاطراد الذي يحكم بنية الشفاهية الراجعة إلى الأغنية، لما تتوفر عليه من دينامية الصوت؛ وهو أشبه بصدى يتردد في جنبات الرواية، عند العارفين بهذا الغناء، وواضح أن إيمان على دراية به، أو لعله مما يصاحبها في غربتها.
وكل هذا مما لا يتسع المجال لتفصيل القول فيه، يجعل الرواية تدور على محورين متجاذبين: جسدي وذهني، تشدهما استعارة واحدة و«الذاكرة عبارة عن حياة مستعارة» كما جاء في الرواية، أو هي تراوح بين هذا وذاك .فهذه الرواية/ الأغنية أداء شفوي وبصري في آن، أو هي تنشأ في حيز من ذاكرتين متجاذبتين: سماعية من جهة وبصرية من أخرى. وهذا يعني من ضمن ما يعني أن المتقبل/ السامع يعبر منها إلى المعنى المقصود؛ من غير أن يسوق ذلك إلى القول إنها شفيفة غير سميكة أو ليس لها كيان. فهذه الكلمات أو التعبيرات إنما تتمثلها المخيلة. وهي في ما نحن فيه، فتح أفق للكلمات من حيث هي «أشياء» مرئية، إذ هي التي تجسدها، أو تضفي عليها هيئة أو صورة وتختزلها في «رسم خيالي». وهذا الرسم الذي يذكي الحدس مثلما يذكي الإدراك، ينضوي إلى سجل المرئي، من غير أن يبرح سجل المسموع.
شاعر وكاتب تونسي