هلْ حقَّاً لمْ نقْرأْ القرآنَ بَعْدُ؟

في مقدمته للنسخة العربية لكتابه «هل قرآنا القرآنَ.. أَمْ على قلوبٍ أقْفالُها؟»، الذي صدر أولاً باللغة الفرنسية عن دار نشر «L’aube»، ثم صدرتْ ترجمته إلى العربية عن دار نشر التنوير بالتعاون مع دار محمد علي الحامي التونسية، وقام بنقله إلى العربية منذر ساسي، يقول الكاتب التونسي يوسف الصديق، إنه على كل مفكر يروم تأسيس فكره الحداثي أن يستعد إذن ليحمل تبعات مخاطرة كتلك، وأن يواجه نبذ جماعته ليجد مكانه في عالم الفلسفة الرحب وفي انتماء جديد إلى مجتمع العلماء. أوَليس هدف كل مفكر أن يتوصل إلى إدراك خصوصيته في المعرفة نفسها، بعيداً عن كل ما من شأنه أن يجعله رهين فضاء يستعدي اختلاف الآراء والعقائد؟

خيط رفيع

كذلك يعترف الصديق أنه لا يمثل في كتابه هذا لا إماماً ولا مفسراً، بل إن الروح الفلسفية هي التي دفعته إلى مرافقة القول القرآني وهو يحاول تتبع ذلك الخيط الرفيع الذي عملت المؤسسة التفسيرية على إخفائه، وعلى امتداد هذا الخيط يوجد مجرى الفكر القادر على الالتحاق بالفكر الكوني والتواصل مع آونته الحاسمة. كذلك يرى الصديق أنه لم يكن الفكر الذي يتضمنه القرآن «عقيدة» دينية جديدة بحكم قبوله الصريح بالتوراة والإنجيل إرثاً. فلا بد أن يشع مرة أخرى النور الذي حبل به هذا الفكر، من قبل أن تطال تاريخه كله يد الطمس، عندما يتحرر من ظلمات ليله، ليستمر انبعاثه ويتفتق به الفجر كل مرة على أفق الأزمنة المقبلة. ويضيف الصديق، في هذا السياق، أنه لم يسبق أن نُظر إلى القول القرآني على أنه فكر، كما لم تقم يوماً دراسة حوله باعتباره كذلك. إذ أن الفشل الذي مُني به كاتب كابن المقفع الذي كان أول من استعمل لفظ «فيلسوف» ضمن نص عربي، يؤكد أن فكر الإسلام منذ تحوله لحظة ظهور القرآن، لم يجر تناوله إلى يومنا هذا إلا في أعقاب إنشاء ثانوي لم يتم خارج القول القرآني فحسب، بل غالباً ما جاء ليخالف حقيقته الأصلية، وليقف بوجه الثقافة الجديدة التي يعد لها.
وعلى المستوى العربي الإسلامي يرى الصديق أن الفكر يبدو بعيداً عن بلوغ هذا المطمح، فمنذ أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، على زمن أبي حامد الغزالي، احتل الفكر الديني كامل المساحات المعرفية، لينتهي بذلك إلى تهميش الفلسفة تهميشاً نهائياً، وقد أدت مثل هذه الأوضاع بأعلام عِظام كالفارابي وابن سينا وابن باجه وابن رشد وابن سبعين وغيرهم، إلى أن يلتزموا التحفظ التام حتى يقوا أنفسهم غضبَ السلطات الدينية المتشددة في عصورهم المختلفة. مضيفا أنه حتى فكر ابن رشد المتشبع بفلسفة أرسطو ومؤلَّفه الرائد «فصل المقال»، لم يكن ليفتح أي أفق أمام المجتمعات الإسلامية ومعارفهم اللاحقة، إذ اصطدم هذا الفكر بآلة الدوغمائية اليقظة التي لم تتردد في لجمه نهائياً. ومع ذلك استطاع فكر ابن رشد الذي بلغ ذروة عطائه أن يساعد أوروبا على القفز فوق الحصون المدرسانية «الإسكولانية» الموصدة، وعلى مرافقة تساؤلاتها المؤسسة في بداية العصور الوسطى مع انطلاق عصر النهضة الأوروبية.

وهْم القراءة

بعد ذلك يصرح الصديق بأن قول رورخس: «التقيتُ فعلاً به، لكنه خاطبني في حلمه فنسيني، أما أنا فحادثته في اليقظة وما زالت ذكراه تؤرقني»، يمثل حدث لقائه، أي الصديق، بالقرآن وعلاقته المربكة التي ربطته بهذا الكتاب كموقع للفكر وتوقاً لاستنطاق النص فيه. كذلك يرى أن هذا الكتاب، القرآن، ليس من أوله إلى آخره سوى لقاء يجمع وجهاً لوجه قارئاً بنص متفرد رغم الضجيج الهائل الذي سلب قدرة العبارة فيه منذ خمسة عشر قرناً، وعليه فإن عملنا هو مصارعة مع ذلك الخط المداور الممتد، الذي وضع وهْم القراءة في حيز الأمان في المعنى والمعرفة، حيز لا أفق له سوى ذلك الوهم عينه. هذا وقد طرح، والقول للصديق، النص القرآني، ولمَّا يزل، مشاكل جسيمة غالباً ما تكون مآزق منطقية لم يتخطها الأقدمون إلا بالاعتماد على خيارات أملتها الحسابات والمناورات الأيديولوجية.
ثم يتساءل الصديق فيقول ما الذي جعل القرآن غير قابل للقراءة، إلا بوساطة رجال الدين المأذونين؟ ومن الذي بوأ رجل الدين سلطة التعهد بقراءة ما، ثم الأمر بترديد ما وقف عليه؟ وما بال هذا النص البديع يأتي إلى مسامعنا في تلاوة رتيبة فنستبدل طاقته في بث بعده الكوني بسبات شتوي في فضاءات أرشيفنا العربي الإسلامي المنخورة؟ ثم يجيب الصديق على تساؤلاته هذه قائلاً، إن الإجابة على هذه الأسئلة لا تعني شيئاً بالنسبة للموروث، وتفرض جملة من المواقف المعرفية والمنهجية، وهي التخلي عن كل الأحكام المسبقة والمسلمات المزعومة واستقبال «القول» القرآني كما لو أن نعمته حلت بنا الآن، وابتكار مسامع جديدة تدرك كَلِمَه وتستولد مجازاته، ثم ضبط ما أحدثه من تحولات هائلة في أشكال النصوص التوراتية ومقاصدها وفي رجوعه إلى الأحداث التاريخية. مستطرداً، إنه رغم الخلافات والفتن وكثرة المذاهب والمِلل التي تدّعي أنها رؤى خاصة أو حصرية في الشأن الديني، بقي نمط وجود النص القرآني منذ مقتل عثمان وتثبيت الرسالة المحمدية في فضاء الكتاب المغلق خارج دائرة التساؤل.

ظاهرة النثر

أيضا يرى الصديق أنه ما من كتاب مهيأ للتأويل بما في ذلك القرآن الكريم، الذي نقرأه إلا ويُخفي وراءه الكتاب الآخر المحدد باللفظ نفسه، وليس هذا الكتاب الآخر بخاضع للتفكر. ولا شيء يمكن أن يقال عنه غير كونه موجوداً، تسليماً بمطلقٍ يتشبث الإيمان بالرهان عليه في اللحظة ذاتها التي يراهن فيها على وجود الله. هو كتاب «أساس» لكل معرفة ماضية أو آتية، وهو ذو طبيعة إلهية بما يحمله من صفات تقترن عادة بالله حصراً.
وعن مسألة النسْخ في القرآن يقول الصديق إنها إذا كانت بينة فإنها لا تبرر في أي حال من الأحوال استخدامها بصيغة تشريعية في ما رمى إليه النص.
وفي خاتمة كتابه هذا يتساءل يوسف الصديق عما هو السر في أن يقال في لغة العرب عن الوحدة الشعرية «بيت» يقام ويرفع أينما حل صاحبه وارتحل في عراء الصحراء، بينما حُرمت ظاهرة النثر الأدبي العربي من هذا الثراء الدلالي، ليخصص لها لفظ هزيل يفيد التناثر والتشتت والتبعثر؟ ثم ينتهي قائلاً: يبقى النثر بيتاً مكيناً لا يسكنه غير ناثر أوحد هو «الله»، وعليه فقط صار لزاماً على العربي المسلم، إذا أراد الحفاظ على ذلك البيت ألا يتعدى الحدود المرسومة له، وألا يبرح مساحة الشعر الشيطانية في صحراء تلتهم الآثار.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية