ما الذي تغير في حسابات إيران.. وهل توقعت إسرائيل رداً بهذا الحجم؟

حجم الخط
3

 عاموس هرئيل

للمرة الثانية خلال 48 ساعة وللمرة الثالثة خلال نصف سنة، كان على الرئيس الأمريكي أن يعلن: إياكم أن تفعلوا ذلك. تصريح بايدن وجه للقيادة الإيرانية التي هددت بالثأر لقتل قائد حرس الثورة الإيراني حسن مهداوي، المعروف أيضاً باسم محمد رضا زاهدي، في عملية الاغتيال في دمشق في 1 نيسان والتي نسبت لإسرائيل. ربما كان لأقوال بايدن مساء السبت، التي دُعمت بإرسال كبار قادة الجيش الأمريكي للمنطقة الوسطى إلى إسرائيل ونشر قوات في أرجاء الشرق الأوسط، تأثير ما على نظام طهران. من غير المستبعد أنها خلفية لتأخير عملية الرد التي هدد بها النظام الإيراني منذ أكثر من أسبوع. ولكن لم يكن هناك سبب للافتراض بأن الإيرانيين ارتدعوا بالكامل عن القيام بإجراء أو الاكتفاء بسيطرتهم على سفينة الشحن التي لها علاقة غير مباشرة بإسرائيل في خليج عُمان. هكذا، فقد نشر الليلة أن عشرات المسيرات أطلقت من إيران نحو إسرائيل. ومن المرجح الافتراض بأننا نقف أمام تصعيد آخر إلى درجة إمكانية اندلاع حرب إقليمية.

 الخطوات الأمريكية استهدفت بث قوة، كما فعلت الإدارة في منتصف تشرين الأول بعد بضعة أيام على اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس. وفي حينه، عندما كان هناك تخوف من انضمام حزب الله وربما إيران لهجوم حماس، أرسل بايدن تحذيراً لفظياً عززه بالأفعال، حيث أرسلت قوات مهمة بحرية إلى المنطقة، عادت إحداها من الشرق الأوسط إلى القاعدة في كانون الثاني، لكن حاملة الطائرة “دوايت آيزنهاور” تحركت نهاية الأسبوع في البحر الأحمر نحو إسرائيل لتشير لإيران بألا تصاب بالجنون.

 وقد أضيف للتحركات البحرية نشر متزايد لمنظومات الدفاع الجوية في أرجاء الشرق الأوسط مع تعزيز الاتصالات بين إسرائيل ودول أخرى. هنا تم التعبير بشكل أوسع عن منظومة الدفاعات الجوية الإقليمية التي ناقشت الولايات المتحدة إقامتها مع إسرائيل قبل سنتين تقريباً. واعتراض المسيرات والصواريخ التي أطلقها الحوثيون من اليمن أثناء الحرب نحو إسرائيل استند إلى نفس هذا التعاون الإقليمي الواسع. هو الآن يضع في يد إسرائيل قدرات اكتشاف متقدمة وبعيدة المدى التي تمكنها من الاستعداد للدفاع في الوقت الذي يكون فيه التهديد على بعد بضع مئات الكيلومترات عن أراضيها.

 مع ذلك، ما زالت هناك مشكلات كثيرة كامنة. أولاً، تجند بايدن وتصريحاته تدل على اعتماد إسرائيل المتزايد على الولايات المتحدة (حيث تبذل حكومة نتنياهو بصورة متناقضة كل ما في استطاعتها للمس بالرئيس وإهانته منذ بضعة أشهر). ثانياً، الرد الإيراني قد يضع القوة الأمريكية محل تساؤل. وسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبية ركزت مؤخراً على سيناريو الهجوم القادم من إيران، والدمج بين مهاجمة منشآت النفط “أرامكو” السعودية في أيلول 2019 وهجمات إيران ضد القواعد الأمريكية في سوريا والعراق كانتقام على تصفية الجنرال قاسم سليماني، بعد أربعة أشهر. هذا السيناريو قد يتضمن اندماج عشرات، إذا لم يكن مئات، الوسائل الهجومية: المسيرات، الصواريخ الصغيرة المجنحة والصواريخ البالستية. هناك فجوات كبيرة في طبيعة ووتيرة طيران الوسائل المختلفة (المسيرات هي الأكثر بطئاً)، لذلك يقتضي الأمر التنسيق مع حركة “أسراب” في مسارات مختلفة. قد تكون الأهداف عسكرية، وربما تكون بعيدة عن مركز البلاد، من خلال الأخذ في الحسبان تقليص المخاطرة بضرب المدنيين.

 إلى جانب منظومة الاكتشاف المشتركة، تستخدم إسرائيل أيضاً ثلاثة مستويات للاعتراض، من الأسفل إلى الأعلى، القبة الحديدية، ومقلاع داود، والحيتس. إضافة إلى ذلك، ثمة أهمية كبيرة للقدرة على مهاجمة المسيرات بالطائرات القتالية. وتمتلك إسرائيل أيضاً وسائل تشويش “ناعمة” مثل منظومات الحرب الإلكترونية. ولأن حركة المسيرات والصواريخ المجنحة بطيئة ووسائل الاكتشاف تغطي مناطق واسعة شرق إسرائيل، يجب الأخذ في الحسبان إمكانية تنفيذ الاعتراضات في أرجاء المنطقة، بعيداً عن حدود إسرائيل. مع ذلك، كما حدث أيضاً بخصوص المسيرات التي أطلقت من لبنان واليمن، ربما ستكون صفارات إنذار في مناطق واسعة في الدولة؛ لأنه لا يمكن حساب مسار دقيق للحركة وتحديد المضلع بواسطته، ومنطقة تحذير محدودة نسبياً تطلق فيها صفارات الإنذار مثلما يحدث عند إطلاق الصواريخ والقذائف. هذا الهجوم قد يستمر بضع ساعات، وقد ينطوي على أضرار بسبب شظايا صواريخ الاعتراض.

 تطور الأمور فيما بعد سيكون مرهوناً بقدرة الدفاع الإسرائيلية ونتائج الهجوم الإيراني – نوع الأهداف التي ستتم مهاجمتها، وحجم الأضرار وبالأساس عدد المصابين. أعلنت إسرائيل بأنها سترد على الاعتداء، بل وسربت أنها حددت أهدافاً إيرانية للرد. والآن سيتم تحديد طبيعة الرد حسب خطوات إيران، وستتأثر بالموقف الأمريكي أيضاً. الدعم الأمريكي ليس هدية بالمجان، وثمة حاجة للتفكير في اعتبارات الإدارة الأمريكية.

 الواضح حتى الآن أنه قد تغير شيء ما أساسي في حسابات إيران. يبدو أن القيادة الإسرائيلية، وكذلك جهاز الأمن، لم يخطر ببالها أن إيران مستعدة لرد قوي وواسع على عملية الاغتيال. ربما تكون سياسة إيران لشعورها بأن إسرائيل اجتازت الخطوط الحمراء في اغتيال آخر لشخصية رفيعة في حرس الثورة خلال أربعة أشهر. ولكن هذا مرتبط أيضاً بالانطباع السائد في طهران بأن إسرائيل قد ضعفت وهي مقيدة بالحرب ضد حماس، وأنه يمكن ضربها حتى بشكل مباشر.

 مؤخراً، ألغت شركات طيران أجنبية رحلاتها إلى إسرائيل وإيران، وأوصت سفارات غربية رعاياها بالخروج من الدولتين أو على الأقل تقليص مناطق زياراتهم إزاء هذا التوتر. جهاز الأمن في إسرائيل في حالة تأهب؛ فقد انتقل سلاح الجو إلى حالة تأهب عالية وتم إلغاء الإجازات في بعض الوحدات القتالية.

 كل ذلك يحدث حول عملية الاغتيال التي لم تتحمل إسرائيل المسؤولية عنها. ويبدو أنها لم تفكر كثيراً فيها من قبل. مصادر في الإدارة الأمريكية قالت لوسائل الإعلام الأمريكية إنها تلقت بلاغاً عن العملية قبل بضع دقائق من القصف، ولم يتم الإبلاغ عن نقاش في مجلس الوزراء المصغر قبل العملية، والأهم أن الإيرانيين يكرسون جزءاً من غضب علني على الادعاء بأن مهداوي والنشطاء الستة الذين قتلوا معه أصيبوا في مبنى القنصلية، القريب من السفارة الإيرانية في دمشق. إسرائيل لا تعطي لهذا الأمر وزناً كبيراً، وتقول إن الأمر يتعلق بقاعدة للإرهاب، ولكنه النظام الإيراني يعتبره اعتداء على منطقة تحت سيادة إيران.

 مكتب رئيس الحكومة نتنياهو نشر له صوراً مع تقدير للوضع مع رؤساء منظومة الدفاع ومن زيارات أخرى له زائدة في وحدات للجيش. ولكن نتنياهو لم يكلف نفسه عناء التطرق إلى التطورات والتهديدات الإيرانية رغم القلق الكبير الذي يظهره الجمهور الإسرائيلي، إلى درجة طلب متزايد لمعدات الطوارئ. في هذه الأثناء، نشرت تقارير بأن الزوجين نتنياهو كانا في نهاية الأسبوع في بيت في القدس فيه ملجأ متطور يعود لأحد الأقارب. مساء أمس، بعد الساعة 22:30 نشر نتنياهو فيلم فيديو كرر فيه أقواله بأن إسرائيل مستعدة لكل سيناريوهات الهجوم من إيران، في الدفاع والهجوم. وحتى ذلك الحين، كان المصدر الرفيع الذي أرسل للتحدث مع الجمهور هو المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي العميد دانييل هاغاري. أيضاً في هذه المرة، من السهل على نتنياهو، مثلما على كل المنظومة، الاختفاء وراء ظهر هاغاري. سيكون للمتحدث الآن دور حاسم في الجهود التي تبذل لتهدئة الجمهور.

إزاحة المفاوضات إلى الهامش

 ازدياد التوتر لا يقتصر على الجبهة الإيرانية؛ ففي ظهيرة السبت تم العثور على جثة فتى إسرائيلي (14 سنة)، احيمئير، الذي اختفى في مستوطنة “شيلا” قرب رام الله منذ صباح الجمعة. احيمئير خرج وحده لرعي الأغنام من بؤرة استيطانية في المنطقة. وقال الجيش و”الشاباك” إن الأمر يتعلق بعملية قتل على خلفية قومية. قوات الأمن بدأت في التمشيط والبحث عن القتلة.

 منذ اللحظة التي اختفى فيها الفتى، بدأ مستوطنون من البؤر الاستيطانية بجولات عنف ضد القريتين الفلسطينيتين دوما والمغير. حسب مصادر فلسطينية، هاجم المستوطنون السكان وأحرقوا الممتلكات. في بعض الأحداث العنيفة، أصيب جنود من الجيش الإسرائيلي الذين تم استدعاؤهم للمكان. تسود علاقات جيرة سيئة بين البؤر الاستيطانية والقرى الفلسطينية منذ بضع سنوات. وربما تزداد محاولات الانتقام المتبادلة. المشكلة أن الجيش متوتر أيضاً على خلفية ارتفاع العمليات في “السامرة” [شمال الضفة الغربية]، في حين أن الشرطة برئاسة وزير الأمن الوطني بن غفير، تبذل كل ما في استطاعتها لغض النظر عن مظاهر عنف رجال اليمين المتطرف.

 الأحداث في إيران والضفة تبعد ضائقة المخطوفين الإسرائيليين لدى حماس عن العناوين. وكما كتب هنا خلال أسابيع، فإن المفاوضات عالقة، رغم تنبؤات متفائلة سمعت في القدس ومن دول الوساطة. نتنياهو غير مضغوط لعقد الصفقة، بالأساس خشية التورط السياسي مع أحزاب اليمين المتطرف في الائتلاف. في حين أن رئيس حماس في القطاع يشعر بأن الأمور تسير في صالحه على خلفية انسحاب قوات الجيش من خان يونس والضغوط الدولية على إسرائيل لزيادة المساعدات الإنسانية.

 الآن حيث مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران على الباب، سيفضل السنوار الانتظار كما يبدو. تأتي من حماس ردود سلبية غير رسمية على اقتراح الوسطاء الأخير الذي تم عرض قبل أسبوع تقريباً. هذه بشرى مأساوية لعائلات المخطوفين التي لا وقت لها لتضيعه. كلما مر الوقت يموت المزيد من المخطوفين في غزة، سواء نتيجة ظروف الأسر الصعبة أو أنهم يقتلون على يد حماس، وفي بعض الحالات يقتلون في عمليات القصف الإسرائيلية.

 هآرتس 14/4/2024

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية