طيلة عقود، تابع النقاد والقراء باهتمام وشغف كبيرين الإبداعات الأدبية في أمريكا اللاتينية لكتاب كبار مثل غارسيا ماركيز وخوليو كورثاسار وإيزابيل أليندي، الذين تربعوا على عرش الرواية العالمية وأصبحوا منافسين لروائيين أمثال فيكتور هيغو وشارل ديكنز. ولم ننتبه على الأقل نحن في العالم العربي إلى إبداعات فنانين تشكيليين ومعماريين يتركون بصمات في تاريخ الفن ويعيدون صياغة بعض مفاهيمه باستقلالية عن مركزية الثقافة الغربية.
في البدء، يجب أن نعترف وأنه حتى الأمس القريب، كانت رؤية العالم العربي لثقافة وإبداعات أمريكا اللاتينية متأثرة بالمقاييس الجمالية والاختيارية الغربية، كان العالم العربي يستنسخ ما تختاره المدرسة الفرنسية والانكليزية لجمهورها. وبعدما اشتد عود الجامعات العربية بظهور أقسام اللغات الأجنبية ومنها الإسبانية وبدأ النقاد والمبدعون والمترجمون يحتكون مباشرة بثقافة أمريكا اللاتينية، أصبحت تنمو مدرسة عربية مستقلة عن الأوروبية في رؤيتها للإبداع في أمريكا اللاتينية، ما زالت في مرحلتها الأولى ولكنها تمتلك مقومات النمو المستقل الواعد.
وإذا كانت أسماء مبدعين أو روايات مثل «مئة سنة من العزلة» لغارسيا ماركيز مألوفة لنا في العالم العربي مثلها مثل «البؤساء» لفيكتور هيغو، ونقرأ أشعار بابلو نيرودا أكثر من أي شاعر غربي آخر، يغيب عن مشهدنا الثقافي الفن التشكيلي في أمريكا اللاتينية، مسارات فنانين كبار، المواضيع التي تناولوها والألوان التي يفضلونها ومساهمتم في تطور الفن في العالم. وإذا كانت جدران بيوتنا مزينة بنسخ لوحات شهيرة مثل «عباد الشمس في إناء» أو «غرفة النوم» لفان غوغ، فهل سنزين في المستقبل بيوتنا بلوحات لفنان من أمريكا اللاتينية تكون إلى جانب رواية «مئة سنة من العزلة» التي تزين مكتبتنا؟
التحدي الثقافي
والفكري الكبير
في هذه المنطقة، لا يختلف الفن التشكيلي في سيرورته الإبداعية عن الإبداع الأدبي، أمريكا اللاتينية هي مستوطنات كبيرة للأوروبيين ويكفي أن اللغة السائدة هي الإسبانية بالدرجة الأولى والبرتغالية بالدرجة الثانية، لغات وافدة، وإن استقلت المنطقة سياسيا في القرن التاسع عشر عبر تأسيس دول من طرف أحفاد الغزاة، فقد بقيت ثقافيا لمدة طويلة مرتبطة بالمتروبول الأوروبي. وتلك النظرة التي سادت حتى منتصف القرن العشرين للرواية في أمريكا اللاتينية بأنها امتداد فرعي للأبداع الغربي، تكررت مع الفن التشكيلي وبصورة أكبر. ويواجه النقاد ومؤرخو الفن في أمريكا اللاتينية التحدي الثقافي والفكري الكبير النابع عن الوعي بالذات بين ما هو محلي وكوني متسائلين: هل نبدأ تاريخ الفن التشكيلي من الرؤية الأوروبية المهيمنة منذ النهضة أو نعود إلى جذور الحضارات القديمة التي استوطنت أمريكا اللاتينية قبل تأسيس روما نفسها؟
إنه التحدي الذي يواجه النقد الفني العربي، هل نبدأ بالحديث عن الفن التشكيلي العربي منذ دخول التشكيل مع الاستعمار الغربي أو نبحث في تعابير حياة أجدادنا عن أشكال جمالية في فن بعض الصناعات التقليدية بل ونعود إلى حقبة التعابير الفنية لبلاد الرافدين والأهرامات.
وبالنسبة لأمريكا اللاتينية، فحتى الستينات من القرن الماضي، كان النقاد الأوروبيون والأمريكيون الشماليون يقللون من قيمة الفن المنتج في هذه المنطقة ورؤيته كمحاكاة للاتجاهات الجمالية الأوروبية الغربية ممزوجا بتوابل محلية. وفي أفضل الأحوال، وصف العديد من النقاد الفن المحلي بأنه هجين ومزيج غير أصلي من تقاليد متباينة محلية ووافدة من أفريقيا وآسيا وأوروبا. واعتقدت حكومات محلية في النصف الثاني من القرن 19 أن إضفاء الطابع الحضاري على الوطن يمر بتقليد الأوروبيين في كل شيء، وفي حالة الفن التشكيلي محاكاة المبادئ الجمالية لفرنسا وألمانيا وانكلترا وإيطاليا. لهذا السبب، استنسخت أمريكا اللاتينية أكثر من أي منطقة أخرى في العالم الفترات والاتجاهات الفنية التي بدأت في أوروبا إلى أمريكا اللاتينية: العمارة الكلاسيكية الجديدة (1780-1830) والرسم الرومانسي (1820-1880) والواقعية (1850-1920) والانطباعية (1880-1920) مع تغيير في المواضيع المرسومة، إذ أضحت العادات والتقاليد مكونا تصويريا رئيسيا في إبداعات فناني تلك الحقبة، وبرز رسامون مثل الأرجنتيني كارلوس موريل والكولومبي رامون توريس منديث والبروفي خوسي خيل دي كاسترو.
وخلال بداية القرن العشرين، ستظهر حركة فنية قوية في المكسيك محمّلة بأسئلة إثبات الذات والهوية الوطنية وهي مدرسة الجداريات Muralism حيث قام فنانون برسم مشاهد من الحياة المعاشة ووقائع تاريخية كبرى على جدران منشآت وبنايات في الشارع وفي مؤسسات مثل الجامعات الوزارات. فقد أخرجوا التصوير من جدران الكنائس والقصور إلى الشارع العام. والرسم على الجدران في نسخته الجديدة «غرافيتي» ليس بالإبداع الغربي القادم من الولايات المتحدة كما يعتقد البعض بل هو حركة فنية واعية في المكسيك ظهرت بعد الثورة المكسيكية سنة 1910 ورفع الفنانون شعار إدماج الفن في الحياة وتصحيح صورة المواطن الأصلي التي شوهها الغرب. ويعتبر دفيد ألفارو سكيروس وخوسي أوروسكو ودييغو ريفيرا من رواد هذه الحركة التي اعتبرت منجزها الفني استمرارا للتعابير الفنية التي ظهرت مع حضارة الأولمك في المكسيك 1400 سنة قبل الميلاد، قبل تأسيس روما وتماثيل الإغريق. تجربة الجداريات المكسيكية أبدعت فنيا وتناولت مواضيع اجتماعية وسياسية، ولم يواكبها في انطلاقتها مفكرون ونقاد بالقدر الكافي لتطوير تجربتها وترسيخها. ورغم هذا، هي أول حركة فنية للفن الحديث في الجنوب تستقل عن المركزية الثقافية الأوروبية.
مسار الاستقلالية
لكن منذ منتصف القرن الماضي، بدأت شخصية الفنان التشكيلي في أمريكا اللاتينية تتخذ مسار الاستقلالية في شبه انتفاضة ضد المفاهيم الجمالية الأوروبية مسلحة بنظريات تؤسس نسقها الفني بأفكار وطروحات. وتجسد الناقدة الفنية الكولومبية-الأرجنتينية مارتا ترابا (1923-1983) هذا التطور الفكري الفني. وكانت هذه الناقدة في بداية مسارها معجبة كل الإعجاب بالفن الأوروبي الحديث وتأثرت بالحياة الفنية في باريس وروما في الخمسينات من رواد النهضة إلى رواد الانطباعية. وعندما عادت إلى كولومبيا واكتسبت عينا نقدية مختلفة بدأت تكتشف التعابير الفنية المحلية، غيرت ابتداء من سنة 1960 رؤيتها الفنية وكادت أن ترفع شعار «لهم فنهم ولنا فننا» في كتابها «التشكيل الجديد في أمريكا اللاتينية» الصادر سنة 1961. لم ترفض الفن الغربي، إلا أنها حاولت إرساء سياقات مختلفة للمنجز والإبداع الفني ينفر من التقليد والمحاكاة ويبحث عن نقاط الالتقاء مع الثقافات الأخرى لفهم أعمق للاتجاهات الفنية في أمريكا اللاتينية. ولهذا، في دراستها النقدية شرحت اللوحات الفنية على ضوء الهوية الإقليمية لأمريكا اللاتينية وكذلك المحلية بالمفهوم القطري لكل دولة نظرا للاختلافات الثقافية بين هذه المنطقة الكبيرة الممتدة على آلاف كلم من المكسيك إلى جنوب الأرجنتين. وأسست مارتا سنة 1963 متحف الفن الحديث في بوغوتا، ساهمت به في توجيه الفنانين والفنانات، واستغلت عملها كأستاذة جامعية لنشر أفكارها حول استقلالية الفن في أمريكا اللاتينية. تشبع فنانون شباب منذ بداية الخمسينات بأفكار مارتا ترابا، وكان منهم الشاب الكولومبي فيرناندو بوتيرو التي تكهنت له سنة 1958 بمستقبل كبير في عالم الفن، وأصبح خلال الثلاثين سنة من أبرز الفنانين العالميين بتلك التماثيل المكتنزة التي نجدها في كبريات شوارع العواصم العالمية. كما كان منهم لويس فيلبي نوي من الأرجنتين. وكانت فريدا كالهو سابقة لهذه الموجة لأنها رحلت في منتصف الخمسينات، ولم تكن معروفة بما فيه الكافية حتى تبناها نقاد غربيون في الثمانينات ليجعلوا منها أيقونة للفن التشكيلي ولكن بمفاهيم غربية، لهذا لم يتناولها النقد الفني في الخمسينات وحتى بداية الثمانينات بالدراسة. وقد نتناول تجربة الرواد في مقالات لاحقة.
نجح الفن التشكيلي في منطقة أمريكا اللاتينية في إرساء ذاته الفنية بعيدا عن المركزية الأوروبية، ما كان الغربيون يعتبرونه فنا ساذجا من الدرجة الثانية فن الأهالي indigenism أصبح موروثا حضاريا يجب الافتخار به. ثم تم التعاطي مع ما وصفه النقاد الغربيون بالفن الهجين hybrid art بالحوار الفني مع ثقافات الآخر دون سمو فن على الآخر. وبدأ النقاد في أمريكا اللاتينية والفنانون ينساقون كما كان يحدث في الماضي مع كتابات الغربيين في تصنيف التيارات الفنية وتفضيل أسماء على أخرى، وأصبح النقاد في أمريكا اللاتينية يعيدون كتاب تاريخ الفن في منطقتهم وفق تصورات واعتبارات جمالية تأخذ الموروث الثقافي والحضاري والظروف والسياقات الخاصة بهم.
كل هذا، جعل المنجز الفني التشكيلي في أمريكا اللاتينية ينفرد بطبيعته الساخرة وغير المتجانسة، وثرائه اللوني وبناءه لوجهات نظر وأشكال تمثيل تقدم طرقاً غير تقليدية لفهم الواقع. تمثل هذه الأعمال، كل منها على طريقته الخاصة، جهوداً هامة للتعبير وإعادة خلق وتكوين ذلك التكتل الصعب من التصورات الكونية التي تشكل ثقافات أمريكا اللاتينية، في حوارها غير المستقر على الدوام بين التقاليد لمراحل ما قبل الكولومبية والأفريقية والاستعمارية والحديثة والتغيير القهري للزمن المعاصر.
عندما يقف الناقد أو المتلقي عموما أمام لوحة الجدارية العملاقة «من البورفرتيسمو إلى الثورة» التي أنجزها دفيد ألفارو سكيروس، بألوانها المتداخلة وشخوصها التي تجمع بين الانطباعية والتكعيبية والرسم الكلاسيكي، سيشعر بعظمة الفن الحديث في أمريكا اللاتينية، وكيف قام بتوظيف الموروث الضارب في التاريخ مع التقنية الحديثة لترك إبداعات لا تقل عن رواد رسامي النهضة الأوروبية والحقب التي تلتها.