صراع الوجود بين الاندثار والتجدد في منحوتات العراقي وسام الدبوني

حجم الخط
1

بين الاندثار والتجدد، أي الخلق يمتد طرفا الصراع الذي تكمن فيه فلسفة الوجود وجدليته وفق ظاهرة (الموت والانبعاث) وهو مدار وجودي قديم قِدَم الحضارات وما طُرحت من أفكار ونظريات. فسريان الحراك بين طرفي الثنائية في الحياة أولي، والفنان معني من خلال منحوتاته بمثل ما يشد الوجود إلى صراع لا ينقطع، مستغلا المادة الخام (مخلفات الأشياء في البيئة) ليخلق منها وجودا آخر مغايرا يمتلك خصائص ذاتية، ويحمل إشارات لمعان واسعة تكشف عن طبيعة العلاقات على كل الأصعدة في الوجود.
إذن هو ينطلق من رؤى منبثقة من فلسفة الموت والحياة، ويعمل على التركيز على تجاوز التأثيرات السلبية للظواهر العابرة والمعطلة للفعل الإنساني، فالمتروك والتالف زائد ويوحي بانتهاء حياة الأشياء واضمحلال وجودها، والفنان يعمل على إعاد الحياة لمفردات الموت ليخلق منها حيوات جديدة تمارس فعل الخلق، وتعمل على تجميل صورة الحياة.. هذا ما تجسده منحوتات الفنان وسام الدبوني وهو يعمل على تصعيد وتيرة الدلالة لأشكاله الفنية مستعيناً بمتخيله الفني، الذي أعطى لأداته الفنية قدرة مضافة فيها تحد لكل صيغ الفعل التدميري الذي مارسه المجتمع في بعض مفاصله وتشخيص ما تنتجه اللعبة السياسية في تصعيدها لوتيرة التناقض الوجودي الاجتماعي. لذا فهو فنان يعي مسؤوليته الإنسانية قبل الفنية، مستعيناً بأكثر من وسيلة فنية بهدف جمعها واستكمال وجودها المادي، الباعث على تخيّل آخر لدى المتلقي من خلال فحص المنتج وتفسير مكوناته، دون معرفة مصادرها وبنيتها الذاتية لأنه منشغل بالجمال الماثل على منصة العرض. هذا الجدل المنطقي والمساير لفعل الفنان، هو إضافة نوعية لا يُفسد كشف المصادر للمادة أي نوع من التوقف والتذرع بالرفض، إذا ما كان عقل المتلقي بمستوى الجمال المبتكر. إن فعل استعادة الجمال ونقد الواقع، حصيلة فكرية، لاسيما بعض ما استعان به الفنان لخلق الدلالة كالكتب وأدوات الكتابة.

مستويات التعبير

اختيارات الفنان للأُسلوب الفني والكيفية الموضوعية لتجسيد الأفكار تخضع إلى الحراك الذهني والنشاط المرتبط بالإبداع، بمعنى يُنشّط ما يمكن تحريكه لصالح الحامل لجدل التفكير والخاضع لآلية الابتكار للوسائل والحاجات التي تستعين بالممكن المتوفر. غير أنه يضع الأشياء بتنافرها موضعاً يجده أكثر ملائمة لرؤيته القارّة لمجريات الحياة. لذا يستل الدلالة بسهولة ويشخصها بحكمة العارف للفعل ورد الفعل، مقاوماً بذلك عوامل الرفض التي تجانب داخله الذي يتشكل من صراع القصد المحفوف بالجرأة الفنية ودوافع صنع الجمال، حيث دأب على تشكيل وحدات أنيقة لكنها ذات هدف يعبر من خلاله إلى معالجات جريئة الطرح وهادفة، لأنها ترمي وتضع الأشياء وفق نظرته التي تسفر عنها أناقة الشكل ورشاقته؛ إذ يوظفه لصالح المعنى الذي يعنيه من الشكل بما يختزنه من رموز دالة يمكن فك تشكلها من أجل الوقوف على ما تعنيه الأشكال فنياً وموضوعياً. إن كشف سلبيات الحياة يتطلب قدرة تُساعد على احتواء حرية التعبير دون مُحددات، وهذا ما تم امتلاكه في الأشكال النحتية التي تتخذ لها أنماط من التعبير. فهو يركز على رموز مكشوفة، هي الكتب وأقلام الكتابة وعربات الدفع وحاويات النفايات والمتروكات. هذه الكيانات تكون مكباً ومحتوى لما تنتجه الرؤى والمصادر المعرفية التي يرتكز عليها الفنان، فالحاوية الصغيرة تكون حاملة لأقلام الكتابة، والحاويات الكبيرة لمجموع الكتب، كذلك عربات الدفع. بمعنى أن كل هذه الوسائل من التعبير تعني طرد متون المعرفة من مجالها بوضعها من حيّز لا يتناسب مع طبيعتها ومنافعها. فالأمكنة غير ذات نفع عند البعض فهو يقرنها بما هو نافع، حيث يتوسع الوجود على حساب النافع. فالفنان يضعها موضع الجدل وفق المنطق القائم على التزاحم والطارد للوعي الذي يتنافى مع جدل الواقع ومساره. ولهذا أبعاد نقدية شديدة الحساسية، لكن الفنان يدخل مجالها ويعالجها برؤية جريئة من خلال البتى الفنية التي تمثلها المنحوتة أو النصب. فالاهتمام بجمالية الشكل نوع من خلق الغلق للسان التأويل السلطوي، بينما يفتحه بمرونة الجمال والندرة الفنية.

وسام الدبوني

مفردات ودلالات

تتوزع منحوتات الفنان لتخلق أشكالا معنية بالبناء الفني ودلالته التي لا تتطلب جهداً لاستخلاص المعنى، فهي خطابات مكشوفة الدلالة، على الرغم من الالتزام بالهيئة الفنية الجاذبة لذائقة المتلقي البصري، والخالقة لتحفيز الرؤية الساكنة نسبياً لدى البعض، فالنص، مهما كان جنسه، حامل لعوامل تحريك الآخر، وخلق الانفعال الفني والمنطقي في ذات المتلقي، والنص الفني وحصراً النحتي يعمل على تحفيز عوامل الفحص الجادة، لأنه حامل للمتحرك الكائن أو المفترض، فلا سبب دون مسبب، مثلما لا شكل دون معنى. لذا نجد في الأشكال توزيع سردي حاو للمعاني. وقد لعبت الظروف الموضوعية دوراً في خلق المناخ وخلق الظواهر الطاردة لوجود الوعي. ومن هذه المؤثرات الخالقة للظواهر، هي الحروب والنكسات السياسية والاجتماعية وسُبل مصادرة حرية الرأي. لذا كان الفنان يستخدم مشاهد دالة على تأثيرات مثل هذه الأحداث والممارسات عبر مفردات قادرة على تطوير الأداة الفنية التي توسع المعاني من خلال طبيعة المنحوتة وما تؤديه من فعل إبداعي يتوزع على مساحة فكرية، تكون الظواهر أكثر فعلاً.
تتوزع الأشكال لتتخذ لها وسائل تعبير وفق متطلبات ونشاط المتخيّل الفني المرتبط بالذهن وحراكه، مثل (حاويات النفايات وعربات الدفع، الطير، الزورق، الكراسي). هذه العيّنات أنتجت معاني ارتبطت بمركز الصراع الدائر في الوجود الذي ينحصر في(الوعي واللاوعي).لكن ظاهرة الصراع دائمة الحدوث، فقط الوسائل تتغيّر.
ولا تبتعد المنحوتات عن تجسيد ظواهر الحروب، حيث يعمد الفنان إلى طرد وسائلها (الأسلحة) في عربات نقل التالف والمؤذي أيضاً. ولعل أبلغ تعبير تجسد في منحوتة كرسي السلطة مرفوعاً على تل الكتب المرصوفة فوق بعض، كذلك الإنسان حامل الزورق ونصف الزورق. كل هذا يركز على عمق العلاقات المصيرية في الوجود. والفنان تعامل معها بجرأة موضوعية. والتعبير الفني الراقي. فكل منحوتة تميّزت برشاقتها باعتبارها جسدا فاعلا. فهو لم يخل بوسائل تعبيره بل وازن بين المتن الفكري ووسيلة التعبير. فالرشاقة والندرة اجتمعت على اختيار أساليب التعبير. الفنان شديد الحرص والاهتمام بمقومات الارتقاء بالشكل شأنه شأن الفنانين العرب أو العراقيين، من خلال الالتزام بكل ما من شأنه التصعيد للبنية الجمالية والدلالية المتشعبة في خريطة الحياة والظواهر الطارئة الحاملة لعوامل تشويه الوجود الإنساني.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية