قبل أكثر من سبعة أشهر بقليل، في نهاية أيلول الماضي، قبل أسبوعين من هجمة حماس الإجرامية على بلدات الجنوب، وقعت مفاجأة كبرى من جهة السعودية. وقف ولي العهد محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي، أمام كاميرات شبكة “فوكس” وأعلن بأن “في كل يوم، نقترب أكثر” من صفقة مع إسرائيل و”سنرى قريباً كيف سيكون هذا”.
غير أن هجمة حماس أوقفت الخطوات. السعودية مثل إسرائيل (مع مصر والأردن)، تمقت حماس، الناشئة عن منظمة الإخوان المسلمين، وكل ما يرتبط بالإرهاب الإسلامي.
في تلك الأيام ما قبل 7 أكتوبر، كانت الإدارة الأمريكية في ذروة جديدة من الاتصالات مع السعودية، وقفز الضغط على السعوديين في فترة سابقة إلى المياه العميقة، إلى صفقة تطبيع مع إسرائيل.
قال محمد بن سلمان في حينها في مقابلة مع “فوكس” إنه يأمل في أن “نصل إلى صورة وضع نتمكن فيه من التخفيف عن حياة الفلسطينيين”. غير أنه لم يقصد إلا الفلسطينيين في الضفة. أما حماس في غزة، فلم يذكرها حتى ولا بكلمة واحدة.
وعندها جاءت هجمة 7 أكتوبر. السعودية إحدى الدول القليلة في العالم العربي التي رغم غناها وقدراتها، لم تبعث بمساعدات إلى غزة؛ لا طائرات محملة بالعتاد ولا شاحنات، ولم تطلب وساطة مصرية أردنية لنقل بطانيات وأدوية ووجبات غذائية. ليس سوى 40 مليون دولار، وهو مبلغ زهيد بالنسبة لها، حوّلته إلى الأونروا، لرفع العتب.
السعودية، التي استأنفت العلاقات الرسمية مع إيران في تلك الأيام، جلست على الجدار وشاهدت الحرب. تحدث الرسميون في أوقات بعيدة عن الحاجة إلى إقامة دولة فلسطينية، ووجهوا النظر إلى رام الله. وحتى الطلبات التي وصلت إلى الرياض، وكانت غير قليلة، للمشاركة في تمويل إعادة بناء غزة، ردت بالرفض. أجهزة استخبارات السعودية فضلت ملاحقة إجراءات إيران الخفية، وبحثت عن مسارات نقل الأموال من طهران إلى القطاع عبر دول ثالثة أو تجار وهميين.
على مدى سبعة أشهر الحرب بقي اتصال محدود جداً بين الرياض والقدس، من خلال مبعوثين سعوديين في الولايات المتحدة وأوروبا. بالتوازي، من اللافت أن نكتشف بأن السعودية تجري متابعة لفرص نتنياهو للبقاء في الحكم. في الأسبوع الأخير، يحرص المتحدثون السعوديون على الإيضاح بإجراء هامش علاقات “حتى مع نتنياهو”.
وبالتالي، ما الذي تريده السعودية في واقع الأمر؟ لهذا الغرض، من المرغوب فيه متابعة رحلة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، الذي وصل أمس إلى افتتاح المؤتمر الاقتصادي في الرياض، لكنه التقى مسؤولين سعوديين وعلى رأسهم الحاكم الفعلي بن سلمان، للحديث مجدداً عن مستقبل العلاقات مع إسرائيل.
يدور الحديث هذه المرة عن صفقة دوارة: واشنطن تمنح الرياض غلافاً أمنياً، وتوفر السلاح، وتوقع اتفاقات لتعاون استخباري ضد الإيرانيين. بالمقابل، تستأنف السعودية الجهد الذي قطع، بالتطبيع مع إسرائيل.
أمس، في المؤتمر الاقتصادي إياه في الرياض، فاجأ رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن حين أعلن بأن “إسرائيل تستحق الأمن”، وأن السلطة الفلسطينية ملتزمة بالتعاون، من الجانب الأمني، مع دولة إسرائيل. كما أن وزير الخارجية المصري تحدث بشكل يريح الآذان الإسرائيلية، وأوضح بأنه “يوجد اقتراح موضوع على الطاولة” حول صفقة مخطوفين، وأنه يأمل “بأن يقبله الطرفان”. هذا هو الطريق الدبلوماسي المصري للضغط على حماس التي بعثت أمس بوفد رفيع المستوى إلى القاهرة، لكن جوابها غامض.
ولا يزال يحوم خطر الهجوم الإسرائيلي على رفح، الأمريكيون يعارضون، والمصريون يضغطون لمنعه، ورئيس الوزراء نتنياهو لا يتعهد. هكذا يبدو الأمر: لا يمكن تهدئة قطاع غزة بدون رفح. مع رفح متوقع مزيد من المصابين الإسرائيليين. وكأننا لم نعرف، وأعلنت حماس أمس بعد الظهر بأن رجالهم يبحثون عن مسار جديد للمفاوضات بنية ضغط إسرائيلي أكثر.
حتى لو أعطى خليل الحية وموسى أبو مرزوق إحساساً بالاقتراب من نهاية المفاوضات، فلا يزال الجواب في يد السنوار.
السيسي، رئيس مصر، الذي يدير المفاوضات من خلال رئيس المخابرات المجرب عباس كامل، يعود ليوضح بأن بلاده لا تعتزم السماح للفلسطينيين بالعبور بجموعهم إلى سيناء. فمن يملك عشرة آلاف دولار للبالغ و2500 دولار للطفل حتى سن 16، يمكنهم اجتياز معبر رفح إلى الجانب المصري.
استغل وزير الخارجية المصري، أمس، المنصة الدولية في الرياض للضغط على حماس لتحرير 33 مخطوفاً إسرائيلياً. بالمقابل، تلتزم مصر والولايات المتحدة بكبح الخطة لاجتياح رفح.
توجه بلينكن أمس مباشرة إلى السنوار لقبول “الخطة الإسرائيلية السخية” وربط على الفور ثلاثة عناصر: وقف نار لسنة، وتحرير مخطوفين إسرائيليين مقابل سجناء فلسطينيين بينهم “سجناء ثقال”، وبدء ترميم وإعادة بناء غزة. ويشدد بلينكن على أن حماس ملزمة بأن تقرر بسرعة.
من المهم متابعة مسار رحلات وزير الخارجية الأمريكي. خرج أمس من السعودية إلى الأردن للقاء الملك عبد الله وقادة الأجهزة. الموقف غير العلني لمسؤولي الحكم في المملكة وعلى رأسهم الملك عبد الله، اجتاز تغييراً منذ الهجوم الصاروخي الإيراني والتحالف المؤقت الذي أقامته الولايات المتحدة لإسقاط “الأجسام الطائرة” في الأردن.
لفرحة الجميع، لم تلحق أي أضرار، والأردن الرسمي تعلم درساً صعباً حين أوضحت إيران بـ “أنتم على بؤرة الاستهداف”. منذ فترة طويلة، يلوح تخوف أردني من هجوم إيراني في أراضي المملكة. لا تخفي إيران نواياها لضم الأردن إلى العراق وسوريا وحزب الله في لبنان. إذا نجحوا، فسيكسبون اختصاراً مهماً للطريق نحو أراضي إسرائيل والسعودية.
ومع ذلك، يفضل الأردن، لاعتبارات أمنية، الجلوس على الجدار وإرسال وزير الخارجية أيمن الصفدي لتشديد تصريحاته ضد إسرائيل. مسؤولو الأجهزة والقصر الملكي في عمان يعرفون بأن إسرائيل ملتزمة بالأردن حتى لو كانت العلاقات بين نتنياهو والملك عبد الله، وبالعكس، تبدو سيئة. مسموح التخمين بأنه ستأتي اللحظة التي ستتفرغ فيها الإدارة الأمريكية لإعادة تنظيم هذه العلاقات أيضاً.
بقلم: سمدار بيري
يديعوت أحرونوت 30/4/2024