في اليوم العالمي.. صحافيو غزة على خط النار: تقارير وصور بين القصف والدمار تفضح جرائم الاحتلال

أشرف الهور
حجم الخط
2

غزة – “القدس العربي”:

في الوقت الذي كان فيه صحافيو العالم يحيون اليوم العالمي لحرية الصحافة، وسط تأكيدات على تسهيل عملهم وحقوقهم في الحصول على المعلومة والنشر دون أي عوائق أو ملاحقات، كان صحافيو فلسطين وبالأخص صحافيي قطاع غزة، يدفعون من دمائهم ثمنا لنقل الحقيقة، في ظل استمرار الحرب الشرسة التي تشنها دولة الاحتلال ضد قطاع غزة، منذ سبعة أشهر.

مهام صعبة

وفي غزة حيث لا تزال الحرب الإسرائيلية مستمرة بوتيرتها العنيفة، يكابد الصحافيون أكثر من أقرانهم في العالم، كثيرا لنقل الحقيقة وفضح جرائم الاحتلال، وهو أمر كلفهم حياتهم وحياة أفراد عوائلهم.

135 صحافيا فلسطينيا قضوا على مدار الأشهر السبعة الماضية، وهو عدد كبير، إذ لم يُشهد من قبل أن قضى هذه العدد من الصحافيين من كافة أنحاء المعمورة في هذه المدة القصيرة.

135 صحافيا فلسطينيا قضوا على مدار الأشهر السبعة الماضية، ولم يُشهد من قبل أن قضى هذه العدد من الصحافيين في هذه المدة القصيرة

وجاء سقوط هذا العدد الكبير من الصحافيين، ليؤكد أن دولة الاحتلال الإسرائيلي، تمارس حربها أيضا على الكلمة وعلى الصورة وعلى الصوت الذي يخرج من غزة، لفضح الجرائم، غير أن الصحافيين الغزيين ردوا على ذلك بالإصرار على العمل، رغم كل المعيقات، سواء تلك المباشرة بالقتل والملاحقة، أو تبعات الهجمات المتمثلة في قطع خطوط الكهرباء والإنترنت والاتصالات.

وفي هذا اليوم الذي يصادف الثالث من مايو، وبدلا من قضاء الصحافيين يوما للإجازة بين أفراد عوائلهم، أو من خلال حضور فعاليات تكريم لهم، أو أخرى تؤكد على تسهيل مهامهم، كان صحافيو غزة يحضرون مبكرا أدواتهم للنزول إلى ميدان العمل، سواء في المشافي أو في أماكن الاستهداف والنزوح، ينقلون قصص المأساة، دون أن يعرفوا إن كانوا سيعودون مجددا إلى عوائلهم، أو سيلاقون حتفهم بفعل غارة إسرائيلية، وهو أمر تكرر كثيرا مع زملاء لهم في العمل، خلال الأشهر الماضية.

أصعب قصص الصحافيين المأساوية في هذا الوقت، أن غالبيتهم من نازحي الحرب، فهؤلاء إما من سكان غزة والشمال، أو هدمت -كغيرهم من سكان قطاع غزة- منازلهم، وحاليا إما يقيمون في خيام بلاستيكية في أماكن عشوائية مزدحمة، أو في “مراكز إيواء” مكتظة، أو في غرف ضيقة عند أقارب وأصدقاء، لكنهم رغم ذلك يؤدون رسالتهم بشكل لم يتوقعه أحد.

جبريل أبو كميل أحد هؤلاء الصحافيين، الذي نزح وأسرته منذ الأسبوع الأول للحرب، تنقل في أماكن عدة، أولها في مدينة غزة، قبل أن يتركها ويتجه إلى وسط القطاع، ومنه إلى مدينة خان يونس، التي نزح فيها مرتين، قبل أن يتركها مجبرا إلى وسط القطاع، ومنه بعد أوامر عسكرية إسرائيلية للسكان بالإخلاء، إلى مواصي خان يونس مرة أخرى، يقول لـ “القدس العربي” إن “مشقة العمل تضاعفت مئات المرات بسبب الحرب”، ويشير إلى أنه مجبر على السكن حاليا في خيمة النزوح، والموازنة جيدا بين متطلبات أسرته، وهي مكونة من زوجته وخمسة أطفال، وبين تأدية عمله.

فبالقدر الذي يقوم به بعمله الصحافي، حيث اعتاد على الخروج مبكرا من مكان نزوحه، يتجول بين أماكن الدمار والمشافي، لتصوير القصص الإنسانية، يراعي أن يوفر لأسرته مستلزمات الحياة، فعليه البحث عن الطعام الشحيح، وتوفير مياه الشرب، وأيضا المياه العادية، ليعود في نهاية النهار منهكا، يبحث عن قسط من الراحة، دون أن يجده منذ اليوم الأول للحرب.

عمل وسط الصواريخ وبين الدمار

ويقول الصحافي أبو كميل لـ “القدس العربي”، إنه في كثير من الأوقات يضطر لترك خيمة النزوح، بعد العودة من العمل، والتوجه من جديد للعمل، بسبب حدوث تطورات جديدة في الميدان، ويؤكد أنه في كل مرة يترك فيها أسرته، يضع في حسبانه عدم العودة من جديد، ويقول “الموت ينتشر في كل مكان”، وكثيرا ما رأينا غارات تقع على مقربة من أماكن تواجدنا.

ولا يعرف هذا الصحافي كغيره من صحافيي غزة مكانا للراحة، ويأمل في انتهاء الحرب قريبا، مشيرا إلى أن حجم الخسائر فاق كل التوقعات، بما في ذلك الضحايا من الصحافيين.

وهذه المشاهد التي تحدث عنها أبو كميل، يعايشها يوميا صحافيو غزة، فمن بينهم من خرج للعمل تاركا ابتسامة على أعتاب المنزل أو خيمة النزوح، ليعود بعدها مباشرة من مكان عمله إلى إحدى مقابر الشهداء، بفعل صاروخ إسرائيلي استهدفه في ميدان العمل، ومنهم من أصيب أو فقد أحد أطرافه، ومنهم من يتحدث عن مشاهدته الموت مرات عدة، فيما تفاجأ الكثير منهم بوصول أفراد من عوائلهم ضحايا للهجمات الإسرائيلية خلال تغطيتهم للأحداث، كما استقبل آخرون منهم تلك الأخبار، وهم على الهواء مباشرة.

كان لكاتب التقرير تجربة مماثلة لتجارب صحافيي غزة، بعد أن نجا من قصف إسرائيلي استهدف أحد الأماكن وسط قطاع غزة، يبعد عن مكان تواجده نحو خمسة أمتار

وكان لكاتب التقرير تجربة من هذا النوع، بعد أن نجا من قصف إسرائيلي استهدف أحد الأماكن وسط قطاع غزة، يبعد عن مكان تواجده نحو خمسة أمتار، وقتها كان في مهمة عمل، ولم ير بفعل الانفجار الكبير، سوى الدخان والشظايا تتطاير من حوله، وقد ظن في ذلك الوقت أنها النهاية التي واجهها العديد من زملائه، ليكتب له القدر في ذلك الوقت النجاة.

وتفاعلا مع هذه المناسبة التي كان صحافيو غزة يأملون أن تمر بهدوء كباقي زملائهم في العالم، كتب الصحافي سامي أبو سالم “في اليوم العالمي لحرية الصحافة، تحية لمن وراء الكاميرا، لمهندسي الاتصالات والستلايت، الذين من دونهم لما رأى العالم الصورة وسط قطع الاحتلال للإنترنت وللاتصالات”.

كما وجه التحية للمنتجين والمنسقين الذين يزودون المراسلين بالمعلومات والمستجدات، وللمصورين ومهندسي الصوت، وللسائقين الذين لا يقل دورهم عن أي فرد في الفريق الصحافي، ولمراسلي الصحف (الصحافة المكتوبة الرصينة) الذين قال إنهم “يقومون بأول خطوات التأريخ”، ومراسلي الاذاعات، ولصحافيي الاعلام الرقمي، وللمراسلين الذين يعملون تحت الضغط ٢٤/٧.

وأشاد بكل هؤلاء الذين قال إنهم “ينقلون آلام الناس، وربما ينقلون خبر استهداف عائلاتهم على الهواء مباشرة”.

المطالبة بمحاكمة الاحتلال

ويؤكد نائب نقيب الصحافيين الدكتور تحسين الأسطل، أن الأعراف والقوانين الدولية، لم تستطع حماية الصحافيين الفلسطينيين بغزة، وأشار لـ “القدس العربي” إلى أن هذا الحجم الكبير من الانتهاكات التي اقترفتها قوات الاحتلال ضد الصحافيين، “تفرض على المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية توفير الحماية لهم”.

وشدد في ذات الوقت على ضرورة قيام محكمة الجنايات الدولية بفتح التحقيق في القضايا التي رفعتها النقابة ضد الاحتلال.

 هذا وقد كتب الأسطل تدوينه على موقع “فيسبوك” جاء فيها وهو يصف ما حل بالصحافيين في القطاع “لم تحمهم دروعهم ولا الإشارات التي توضح طبيعة عملهم”، وأضاف “اصبحوا هدفا، جيش الاحتلال يلاحقهم في كل مكان”.

وتابع “أن تكون صحافيا تعمل بالميدان في غزة، فاعلم أنك ملاحق بأحدث التكنولوجيا والطائرات المسيرة والطائرات الحربية، التي ستلاحقك حتى لا يرى العالم بعينك ما يرتكبه جيش الاحتلال من جرائم بحق الابرياء في حرب الابادة التي يشنها على شعبنا”.

ووجه الأسطل التحية لكل صحافية وصحافي يعمل بغزة، كما أشاد بكل الضمائر الحية، وطلاب الجامعات الأمريكية والأوروبية الذين تحركت ضمائرهم الإنسانية، ولم يتحملوا “قتل الانسانية في غزة بالسلاح الامريكي والأوروبي”.

جدير ذكره أن منظمة “اليونسكو” انتصرت لصحافيي فلسطين، حيث منحت جائزتها السنوية لحرية الصحافة، للصحافيين الفلسطينيين في غزة، وقد تسلمها نيابة عنهم نقيب الصحافيين الفلسطينيين ناصر أبو بكر.

منظمة “اليونسكو” انتصرت لصحافيي فلسطين، حيث منحت جائزتها السنوية لحرية الصحافة، للصحافيين الفلسطينيين في غزة

وقال أبو بكر في كلمة له خلال تسلم الجائزة “إن هذا الحدث تاريخي وعظيم، أن تمنح اليونسكو جائزة حرية الصحافة للصحافيين الفلسطينيين، الذين غطوا العدوان الإسرائيلي على غزة”.

وتطرق إلى ما يعرقل عمل صحافيي غزة في هذا الوقت، حيث يوجهون بعد مرور سبعة أشهر الحرب بكل تفاصيلها وفصولها المرعبة، والتي قال إن الاحتلال “قتل فيها خيرة الصحافيين، ودمر أكثر من 80 مؤسسة إعلامية، وشرد الصحافيين في الخيام، وساحات المستشفيات، وأصاب بجروح العشرات منهم، وقتل المئات من عائلاتهم، ودمر بيوتهم ويتم أطفالهم”.

وفي السياق قال رئيس لجنة التحكيم الدولية ماوريسيو فايبل “في مثل هذه الأوقات المظلمة واليائسة، نود أن نشارك رسالة تضامن واعتراف قوية مع الصحافيين الفلسطينيين الذين يغطون هذه الأزمة في مثل هذه الظروف المأساوية”.

أما المديرة العامة لـ “اليونيسكو” أودري أزولاي فقالت “إن الجائزة تشيد بشجاعة الصحافيين الذين يواجهون ظروفا صعبة وخطيرة”.

من جهته اعتبر عمر نزال عضو الأمانة العامة للنقابة، أن هذا الأمر يمثل “صفعة جديدة للاحتلال، وإقرارا ببسالة الصحافيين ودورهم الهام في الكشف عن مجازر وجرائم الاحتلال في غزة خلال حرب الإبادة”.

وفي هذا السياق، قالت نقابة الصحافيين الفلسطينيين إن 135 من العاملين في القطاع الإعلامي استُشهدوا منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وكان رئيس لجنة الحريات في نقابة الصحافيين الفلسطينيين، محمد اللحام، قال إن 33 عاملا في القطاع الإعلامي استُشهدوا منذ بداية العام الجاري، يضاف إليهم 102 استُشهدوا نهايات العام المنصرم، فيما استُشهد زميل واحد في مدينة طولكرم، كما ارتكبت 33 جريمة إبادة بحق عائلات الصحافيين داخل منازلهم.

وقد أشار إلى أنه بسبب الحرب توقفت 25 إذاعة محلية في غزة عن العمل، كما تضررت الحالة الصحافية بسبب الانقطاع المتواصل والمكثف للاتصالات والإنترنت، وهو أساس العمل الصحافي ونقل الخبر والصورة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية