قلق من ارتفاع معدل البطالة في المغرب وباحث يشدد على ضرورة «تجاوز الضعف الكبير لوزارة الشغل»

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي»: كشفت «المندوبية السامية للتخطيط» (هيئة رسمية للمسوح والإحصائيات الاقتصادية والاجتماعية) عن تواصل معاناة سوق الشغل في المغرب خلال الفصل الأول من عام 2024 من آثار الجفاف، وخصت بالذكر الأرياف التي فقدت 159 ألف منصب شغل معظمها غير مؤدى.

وتابعت المندوبية رسم ملامح صورة سوق الشغل خلال هذا الفصل، حين أشارت في تقريرها، إلى إحداث 78 ألف منصب شغل بالوسط الحضري (المدن) فيما تراجع الحجم الاجمالي للشغل بـ 80 ألف منصب.
الباحث والفاعل السياسي، سامر أبو القاسم، استهل حديثه لـ «القدس العربي» بالإشارة إلى أن «المجهود الذي تقوم به المندوبية السامية للتخطيط، من تسليط للضوء بشكل جزئي على مثل هذه القضايا المصيرية مُقَدَّر ومفيد» واستطرد قائلا «لكن آن الأوان لكي تعمل على إحداث تغيير في طبيعة وشكل ومنهجيات التعامل مع قضايا تدبير الشأن العام بصفة عامة». وبالنسبة للباحث المغربي، فإن «عالم الشغل في حاجة ماسة إلى تعزيز أدوار وتركيبة القطاعات الحكومية والمؤسسات الوطنية ذات الصلة، وإحداث نظام للرصد والتتبع الاقتصادي والاجتماعي، وتوسيع دائرة الحماية الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز التنسيق والتعاون الدولي».
وشدد أبو القاسم، على أنه اليوم «الضرورة تقتضي الحرص على عدم إضاعة جهود التضامن والحس الوطني لمؤسسات الدولة وإطارات المجتمع المدني في مواجهة أعطاب سوق الشغل والحد من تداعياتها على الأسر والمواطنين. خاصة وأن واقع الشغل بالمغرب يعرف مشاكل أكبر وأعمق بكثير من هذه الأرقام المقدمة، وما التذرع بالجوائح والكوارث مجدٍ لتبرير الإخفاق.».
ووضع السياسي المغربي «نعم» أمام «خطاب الطمأنة» كما سماه، لكنه رفع «لا» في وجه «أي تملص من إثارة المشاكل والقضايا البارزة في عالم الشغل في المغرب، سواء في القطاعات المنظمة أو غير المنظمة» لأن «الضرورة تتطلب إعادة ترتيب الأولويات بخصوص إنعاش الاستثمار المنتج للثروة وفرص العمل، والنهوض بمستوى عيش المواطنات والمواطنين، والانطلاق من التشغيل كأساس للاندماج الاجتماعي، واتخاذ تدابير تشجع على التشغيل وتخلق مناصب عمل جديدة، للحد من ارتفاع نسبة البطالة، وللوقوف على مؤشرات ملموسة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، باستحضار التفاوتات المجالية الحاصة بين الجهات والأقاليم».
ووصف الباحث والسياسي أبو القاسم الأرقام الواردة في تقرير المندوبية حول سوق الشغل بـ«المخيفة» مؤكدا «على أنه لابد من استحضار ضرورة الانضباط لما ينص عليه الدستور من حقوق اجتماعية والتجاوب مع انتظارات المغاربة وتنفيذ التوجهات الملكية في الموضوع بالمنظور الجديد للنموذج التنموي. وكذلك استحضار التشغيل كأساس للدخول في مجال الحماية الاجتماعية، وذلك بتقوية القدرة على استيعاب خريجي معاهد التكوين والجامعات، وتعزيز القدرة على الإدماج المهني، وسد الخصاص وإلزام القطاع الخاص بالاستجابة للضوابط القانونية المؤطرة للشغل وتفعيل الملاءمة مع المعايير الدولية، للإجابة على معضلة الهشاشة والفقر والفوارق الاجتماعية».
ويوضح الفاعل السياسي متحدثا لـ«القدس العربي» أن تلك الوضعية «تتطلب تجاوز الضعف الكبير لوزارة الشغل والإدماج في مجال تتبعها للمشاكل بالدقة والوضوح المطلوبين، وبمعطيات وأرقام وإحصائيات تعكس الواقع الفعلي على البعدين الاقتصادي والاجتماعي. إذ أن ما خفي في المجال كان أعظم. وقد أثبتت الوزارة عدم نجاعة أدائها، عبر أجهزة مراقبتها الداخلية، في إطار وقف نزيف التجاوزات المرتكبة في مختلف القطاعات، وعدم القيام بإجراءات وتدابير في إطار تقويم الاختلالات الحاصلة هنا وهناك، وغياب خطة لتجاوز هذه التداعيات ولطمأنة المشغلين والأجراء».
«ولكي تكون الوزارة في مستوى القيام بمهامها في مجال الشغل» يقترح أبو القاسم، «تغيير بنيتها وطبيعة اختصاصها، لتنتقل من الاكتفاء بلعب دور الوساطة في مجال التشغيل إلى لعب دور الفاعل في توفير مناصب العمل والحفاظ على توازن المصالح بين المُشغِّلين والأجراء وحفظ حقوقهم وإلزامهم بتنفيذ الالتزام بواجباتهم تجاه بعضهم البعض».
وحسب المتحدث، «فالفئات والشرائح المتضررة والهشة، سواء في البوادي والمناطق النائية وهوامش المدن هي التي ينبغي أن تحتل مركز الصدارة في إعانات صندوق تدبير الجائحة، وقد يكون بالإمكان تمتيع المقاولات المتضررة عن طريق إجراءات أخرى خاصة، مثل تخفيض الضريبة أو الإعفاء منها خلال فترة الحجر الصحي».
وختم تصريحه لـ«القدس العربي»، بالإشارة إلى أن «هذا يقتضي من المندوبية السامية للتخطيط اليوم أن تقدم لنا الصورة كاملة وواضحة عن سوق الشغل، ليس بشكل جزئي ومفصول، بل في إطار بنيته ومجالاته وقضاياه ومشاكله ومتدخليه، وانعكاس كل ذلك على الأسر والمواطنين».
تقرير المندوبية حافل بالأرقام والمعطيات الإحصائية التي تستعرض وضعية سوق الشغل على الربع الأول من هذا العام، ومنها أرقام تفيد بتزايد حجم البطالة بـ 96 ألف شخص، كما أبرزت أنه باستثناء قطاع الزراعة والصيد البحري، فقد ساهمت قطاعات اقتصادية أخرى مثل الخدمات والصناعة بما فيها الصناعة التقليدية والبناء والأشغال العمومية، في إحداث مناصب العمل.
وبسط تقرير الهيئة الرسمية، معدلات ونسب البطالة على المستوى المغربي، ثم التفصيل فيها بين نسب الأرياف والوسط الحضري، وارتفاعها لدى فئة الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 عاما، والأشخاص الحاصلين على شهادة.
إلى جانب البطالة، هناك حالات تعيش الشغل الناقص وفق توصيف المندوبية، والمرتبط بعدد ساعات العمل، وأخرى مرتبطة بالدخل غير الكافي أو بعدم ملاءمة الشغل مع المؤهلات، وإجمالا، يفيد التقرير، بأن حجم السكان النشيطين المشتغلين في حالة شغل ناقص بشقيه، تجاوز المليون شخص.
في باب النشاط والشغل، خلص التقرير إلى انخفاض في معدلات النشاط ما بين الفصل الأول من سنة 2023 ونفس الفترة من سنة 2024 وذلك نتيجة ارتفاع حجم السكان في سن النشاط (15 سنة أو أكثر) ما بين الفترتين، وارتفاع طفيف في حجم السكان النشيطين البالغين من العمر 15 سنة فأكثر. وتراجع معدل العمل كذلك في الأرياف مقابل شبه استقرار في المدن، من جهة أخرى، فقد انخفض معدل الشغل على المستوى الوطني.
ومن المعطيات اللافتة التي أوردتها المندوبية، ارتفاع الشغل بالمدن مقابل انخفاضه بالأرياف، كما انخفض حجم الشغل بـ 80 ألف منصب، وذلك نتيجة فقدان 159 ألف منصب بوسط الأرياف، مقابل إحداث 75 ألف منصب شغل مؤدى عنه على صعيد المغرب ككل، نتيجة إحداث 87 ألف منصب في المدن وفقدان 12 ألف منصب في الأرياف.
وباستثناء قطاع الزراعة والغابة والصيد فقد سجلت القطاعات الأخرى إحداث مناصب الشغل، ومنها قطاع الخدمات الذي وفر 63 ألف منصب، قطاع الصناعة بما فيها الصناعة التقليدية أيضا، أحدث 34 ألف منصب، كما وفر قطاع البناء والأشغال العمومية 25 ألف منصب.
وتوقفت المندوبية عن معطيات تتعلق بارتفاع حجم البطالة، مشيرة إلى أن عدد العاطلين ارتفع بـ 96 ألف شخص ما بين الفصل الأول من سنة 2023 ونفس الفصل من سنة 2024 وكان نصيب الوسط الحضري من العاطلين هو 59 ألف شخص مقابل 38 ألف شخص في الأرياف.
النساء بدورهن نالهن نصيب من ارتفاع أعداد العاطلين، كما هو الحال لفئات الشباب ما بين 25 34 عاما، والذكور ما بين 35 و44 سنة، وبالنسبة للأشخاص الحاصلين على شهادة، فقد عرفت فئتهم بدورها ارتفاعا في معدلات البطالة، وكان هذا الارتفاع أكثر حدة في صفوف الحاصلين على شهادات التأهيل والتخصص المهني والحاصلين على شهادات الثانوي التأهيلي.
الشغل الناقص حاضر بقوة أيضا في تقرير المندوبية، مؤكدة استقرار أرقامه، كما أن عددا من القطاعات عرفت تراجعا في معدلاته ومنها قطاع البناء والأشغال العمومية وقطاع الصناعة بما فيها الصناعة التقليدية، في حين سجل قطاع الزراعة والغابة والصيد وقطاع الخدمات ارتفاعا.
على المستوى الجهوي، أفادت المندوبية بأن خمس جهات تضم 72.4 في المئة من مجموع السكان النشيطين البالغين من العمر 15 سنة فما فوق.
وتأتي جهة الدار البيضاء سطات في المركز الأول، متبوعة بجهة الرباط سلا القنيطرة، ومراكش آسفي، وجهة طنجة تطوان الحسيمة، وجهة فاس مكناس.
وسجلت وفق التقرير أربع جهات ذات معدلات نشاط تفوق المعدل العام على صعيد البلاد، ويتعلق الأمر بجهة الشمال، وجهة الدار البيضاء سطات، وجهات الجنوب، بالمقابل، سجلت أدنى المعدلات بجهة بني ملال خنيفرة والجهة الشرقية، وجهة سوس ماسة.
وتتمركز أعداد العاطلين بخمس جهات، تتقدمهم جهة الدار البيضاء، تليها جهة فاس مكناس، ثم جهة الرباط سلا القنيطرة، والجهة الشرقية، ثم جهة الشمال.
اما أعلى مستويات البطالة، فيبرز التقرير انها سجلت بكل من الجهة الشرقية وجهات الجنوب، وبحدة أقل، وتفوق جهتان المعدل العام، ويتعلق الأمر بجهات والدار البيضاء سطات، وفاس مكناس. في المقابل، سجلت أدنى مستويات البطالة في جهات مراكش أسفي وطنجة تطوان الحسيمة ودرعة تافيلالت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية