«لا شيء مستحيل»: مآلات أول وزيرة مسلمة في بريطانيا

في 5 آب/أغسطس 2014 استقالت سعيدة وارثي من منصبها وزيرة في حكومة حزب المحافظين الذي كانت رئيسة مشاركة له، وأول مسلم يخدم في مجلس الوزراء، وأول مسلمة تصبح وزيرة في المملكة المتحدة. سبب الاستقالة أنها لم تعد قادرة على دعم سياسة الحكومة نحو قطاع غزة، لأنها «لا يمكن الدفاع عنها أخلاقيا».
نشأ والدا سعيدة وارثي، أول وزيرة مسلمة في بريطانيا، كمسلمين سنة، يتبعون طريقة (أهل السنة والجماعة) القريبة من الصوفية، لكن عائلتها الموسعة تضم مسلمين شيعة. تقارب الأهل القادمين من البنجاب في باكستان، مع مسلمي الهند القادمين من غوجارات وأرسلوا ابنتهم وأخواتها الى مدارس الشريعة، لكنهم لم يتقيدوا بالتعليمات المتشددة لجماعتهم، فاحتفلوا بعيد مولد النبي، وحزنوا في عاشوراء ولم يعلموا أولادهم نسخة ضيقة من الإيمان، في محاولة لإبعادهم عن الطائفية التي يمكن استغلالها سياسيا، وتأجيجها ضد المذاهب والأديان الأخرى، ما دفع وارثي، في يفاعتها، لعدم الاهتمام بخطورة هذه المسألة سياسيا.
الهوية الأقوى من الهويات الأخرى لوارثي، كما تقول، كانت أنها فتاة، وهي المسألة التي احتلت الكثير من نقاشات البيت، والأساس الذي صنع قراراتها في الحياة، فصاغت نشأتها، وحياتها المهنية، وشخصيتها و»العبء الذي حملته على كتفها». ولادة اختها الثالثة بشرى كان سببا للتعاطي مع العائلة، كما لو أنها تعرّضت لمصيبة. أطلقت ولادة هؤلاء البنات، كما تقول وارثي، معركة مع الأهل لإثبات القيمة والأهمية، وصار عمل الأب الشاق، وإصرار الأم على تعليم بناتها سياقا لرحلة وارثي وأخواتها في الحياة. كان اعتقاد وارثي ان إعطاء أولوية وأهمية للذكور على الإناث خاص بمجتمعات جنوب آسيا، لكنها علمت لاحقا أن الرحلة للمساواة متشابهة في كل المجتمعات، وتفترق بالدرجة، وأن انتخاب دونالد ترامب، بعد حملة مسيئة للنساء، دليل على أن المجتمعات تتراجع أحيانا بعد تقدم.
كانت عائلة وارثي، خلال العطلة الصيفية، تتوجه إلى منزل العمة في مقاطعة كنت، وكانت الأسرة بالثياب الباكستانية الكاملة في طقس حار تبدو غريبة على شاطئ مدينة هاستنغ، لكن البريطانيين كانوا حينها معتدلين تجاه الثقافات الأخرى، أو لا تثير اهتمامهم. تمثلت الأيام الجميلة الأخرى بالنسبة لوارثي والعائلة في الذهاب للمشاركة في قطاف الفريز في يوركشير، أو التفاح والخوخ والأجاص في كنت. كانت هذه الفعاليات تذكر الأبوين بطفولتهما الفلاحية في البنجاب، فيما كانت لوارثي أقرب ما يمكن لأجواء مغامرات المراهقين في روايات إينيد بلايتون. تستعيد وارثي أشكال أفراد أسرتها في صور تلك الأيام حيث تظهر الفتيات بقمصان الشالوار، والبناطيل تحت الفساتين القصيرة التي خاطتها والدتهن على ماكينة سنغر، التي تعمل بالضغط على بدالة، وهي موهبة لم تستطع الكاتبة، حسب قولها، أن ترثها من أمها، فرسبت في فحص منهاج الخياطة في امتحانات الإعدادية، في دليل على أنها لن تكون النموذج المناسب للابنة «الآسيوية» الجيدة! لقد ظنت أن هذه العناصر جعلت من أسرتها عائلة مميزة، لكنها اكتشفت أن من كانوا حولها اعتبروا تلك المزايا دليلا على أنهم أدنى منهم. كانت العائلة، مع ذلك، تحضّ بناتها على احتضان ما تعتقده «جيدا» في بريطانيا، وعلى تحصيل تجارب التقدم فيها. من ذلك أن الوالد أخذهن إلى همبر بريدج المبني حديثا في منطقة هل، معتبرا أن على البنات أن يشهدن إنجازا هندسيا وبشريا كبيرا، وكالعادة، فإن الأم قامت بإلباس بناتها أفضل قمصان الحرير، والشالات التي تغطي الرؤوس، رغم أنها ملابس لا تستطيع مقاومة جو المنطقة البارد. كان الإحساس بهذه الإنجازات التقدمية وإطراء الأب الإيجابي على ما فعله «البريطانيون» يعزز في بناته الإلهام بأن يكن مثلـ»هم».
في عمر الثامنة زارت عائلة وارثي باكستان عام 1979، وكانت تلك زيارة الأم الأولى لبلادها بعد وصولها لبريطانيا عام 1970. في محاولة لـ»غمر» البنات الأربع، بثقافة البلاد التي جاؤوا منها. تصاعدت آمال الأقارب، مع رغبة الأب، في عودة العائلة للاستقرار في باكستان، لكن ولادة الطفلة الأخيرة جعلت المهلة تطول. كانت دعوات الأقارب في بريطانيا وباكستان لإعادة البنات للبلد الأصلي كي لا يتعرضن لـ»المخاطر» المتوقعة في مجتمع غربي أحد دوافع هذه الفكرة. ساهمت عدة حوادث في زواج فتيات باكستانيات من خارج مجتمعهن في بريطانيا على إشعار الأب بأنه يمكن ان يفقد السيطرة على بناته. كان ذلك خطرا جاثما يمكن أن تغدو الفتيات ضحايا له. الأم، من جهتها، كانت ترى أن لا مستقبل للفتيات في باكستان، وأن التحديات التي تواجهها، وبناتها، في باكستان، هي أكثر سوءا بكثير من البقاء في المملكة المتحدة. كان السؤال أين «البيت» (والوطن كما توحي الكلمة الإنكليزية homeland) ينمو معهم، وكان ذلك سؤالا يؤرق كل الآسيويين في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ما ميز عائلة وارثي أن الجميع شارك في النقاش، لكن في أغلب بيوت الباكستانيين والهنود المسلمين كانت النساء مستبعدات. لقد أصبح والد وارثي، حسب قولها، «نسويا بحكم الأمر الواقع» وكانت نتيجة أغلب تجارب من عادوا لباكستان الفشل، بعد أن واجهوا التحديات اليومية للبيروقراطية والفساد والنزاعات العائلية.
توقفت تجربة العائلة وهم في باكستان بسبب إصابة الأم بالتهاب السحايا، وكاد يقضى عليها بسبب سوء التشخيص والعلاج. دفعتها حسابات الموت واحتمال استكمال الفتيات دراستهن في مدارس باكستان لرفض حاد لفكرة البقاء في البلد الأصلي، وخلال صيف 1980 عادت العائلة بشكل نهائي لبريطانيا.
باستثناء الرحلة الى باكستان لم تسافر عائلة وارثي إلى بلدان أخرى، واقتصر دخولها صالة السينما في طفولتها على مرات قليلة مع أطفال آخرين وأهاليهم لمشاهدة أفلام هندية. لم يكونوا يذهبون للمطاعم، ولم تكن لدى العائلة هوايات، أو متابعة نواد أو نشاطات رياضية. كانت التجارب محدودة لكن «لم يكن أي شيء مستحيلا». أثرت رحلة باكستان في الفتيات بعمق، وجعلتهن يشعرن بالانتماء، لكن الغيبة الطويلة أثرت على دراستهن وعلى حياتهن اللاحقة. انضافت الرحلة إلى الترعرع في مدينة سافيل، وإلى غلبة الأنوثة على العائلة، في تركيز الإحساس بالاختلاف: الاختلاف عن المجتمع الآسيوي الذي عاشت العائلة فيه، والمجتمع المسلم الذي يحيط بها، والاختلاف عن المجتمع الإنكليزي. لكن وارثي عرفت ان الاختلاف لا يعني الحد من قدراتها، عبر التكيف والتجاهل وعبر النجاح. توضّح وارثي، خلال سرد قصتها في كتابها «العدو الداخلي: حكاية عن مسلمي بريطانيا» عاملا مهما لدى المجتمعات الوافدة والمتوطنة وهو، حاجة عائلتها للتأقلم مع العالم، لتكون جزءا من الانتماءات المتعددة للمكان، لباكستان ولمدينة سافيل، ولإنكلترا، ولآسيا، وللإسلام، وللغرب، ولتكامل هذه الانتماءات مع بعضها. كانت قد ملّت، في مقتبل شبابها، من وضع الاختلافات في صناديق مختلفة، ومن عيش حياة مزدوجة. لقد توصلت لنتيجة ترتاح فيها مع نفسها، ولون بشرتها، والإشكالات التي تميز أصولها: نحن باقون. بريطانيا هي الوطن، وهي الهوية التي تنتمي إليها، والمكان الذي تريد أن تحدث فيه فارقا.
ولذلك، حين عاد أبواها للحديث عن إمكانية الهجرة المعاكسة إلى باكستان والتقاعد فيها، أحست وارثي بالانزعاج. لقد تصالحت تماما مع بريطانيا ومع تعدد انتماءاتها الثقافية، ومع التنوع في الهوية الآسيوية البريطانية، وإذا كان ممكنا لها فهم وضع أبويها، لكن ما لم تقبله أو تستطيع تقبله هو أن تجبر على ترك بريطانيا والسفر لباكستان. نقطة سجالها الرئيسية كانت أن بريطانيا لا يمكن ان تصبح مكانا طاردا لمجتمعات، بحيث تشعر جماعة بأكملها بأن لا خيار لديها إلا الرحيل. البريطانيون الباكستانيون، كانوا بالنسبة لها، جزءا ينتمي بشكل طبيعي للأمة المتعددة الثقافات التي صار إليها مواطنو هذه الجزيرة: عدد كبير من أعراق الأقليات يشكل مجموعها نسيج بريطانيا الحديثة.
تعترف وارثي، بأنه لم يخطر في ذهنها، قبل ثلاثين عاما من نقاشاتها الحادة مع أبويها أن يواجه جيلها، السؤال مجددا حول: أين الوطن؟ لم تكن وارثي قادرة على التنبؤ بأن هويتها الدينية ستكون قاعدة لرفضها وللنزاع داخل المملكة المتحدة بشكل أكبر مما واجهه أبواها في فترة العنصرية الكريهة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. أحد أكبر الأسئلة التي تطرحها الكاتبة: كيف يمكن لجيل ولد وتربى في بريطانيا أن يناقش اليوم مخاوف ازدياد صعوبات الحياة لأقلية محددة، لسبب بسيط هو هويتها. كيف حصل أن أشكالا من رغبة التلاؤم، والفخر ببريطانيا، والدفء بين الجيران والتطلع لعمل شيء جيد والاستمرار، والإيمان بأن لا شيء مستحيل أدت إلى نجاح عظيم، من جهة، وإلى إحساس باغتراب عميق، من جهة أخرى؟ تحول مجتمع جاء أفراده للعمل والعودة فأصبحوا مجتمعا مستقرا، لكن ينظر إليه الآن على أنه غير مستقر ولا منتم؟
في المقالة المقبلة سأحاول تقديم جواب وارثي: هل المسلمون في بريطانيا هم «العدو الداخلي»؟

كاتب من أسرة «القدس العربي»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية