ليست، البتة، قليلة الشأن سلسلة الخطوات التي أعلنها الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو ضدّ دولة الاحتلال، ابتداء من قطع العلاقات الدبلوماسية وإيقاف مبيعات الأسلحة؛ وليس انتهاء بانضمام بوغوتا إلى جنوب أفريقيا في الدعوى المرفوعة ضدّ الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية، بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزّة. وليست ضئيلة الأثر لدى مجموعات الضغط الإسرائيلية في العالم بأسره، وفي الولايات المتحدة خصوصاً، وللمرء استطراداً أن ينتظر أكثر المخططات المضادة خبثاً وشراسة وقذارة.
أوّل الغيث قد تكون التحركات، ذات الطابع الانقلابي الصريح، التي يقودها المدعي العام السابق فرنشيسكو باربوزا؛ ضمن سيناريو غير غريب على كولومبيا، لأنه تكرر مع رئيس سابق أطاحت به أجهزة قضائية عليا. وإذا رُجّحت الإجراءات المناهضة لدولة الاحتلال بوصفها السبب غير المباشر خلف مناخات التآمر الانقلابية، فإنّ حقيقة وجود رئاسة تقدمية ويسارية في كولومبيا، بعد قرابة 200 سنة من التسلط الرجعي واليميني والمحافظ، يمكن أن يكون الباعث المباشر والأبرز.
هذا، كما يتوجب التشديد، بلد شهد حرباً أهلية طاحنة تجاوز عمرها نصف قرن، وذهبت بأرواح عشرات الآلاف، وانخرط فيها مئات الآلاف من أعضاء الميليشيات، يميناً ويساراً؛ لكنّ البيت الأبيض، وبصرف النظر عن هوية شاغله الأوّل وما إذا كان جمهورياً أم ديمقراطياً، ظلّ يختصر هذا التعقيد إلى مجرّد حرب أمريكية ضدّ المخدرات.
والاختزال أنطوى، وينطوي بالطبع، على طمس الحقائق السياسية والاجتماعية وراء تلك الحرب الأهلية، وكيف أنّ الجوهريّ فيها بدأ من مصادرة أراضي مئات الآلاف من الفلاحين، وطردهم من مئات القرى على امتداد عقود؛ الأمر الذي أطلق شرارة العصيان الشعبي الذي تزعمته «جبهة القوات المسلحة الثورية الكولومبية»، أو الـ FARC. الحقائق الأخرى الصلبة ظلت، في المقابل، تشير إلى أنّ الزمر العسكرية التي واصلت الهيمنة على المؤسسات الديمقراطية الشكلية هي التي كانت تسهّل زراعة المخدرات وتصنيعها والاتجار بها، لأنها شريكة مباشرة في الـ«بزنس»، بل هي شريك لا غنى عنه.
وذات يوم غير بعيد كان الرئيس الكولومبي الأسبق أندريس باسترانا قد سارع إلى فتح حوار مع جبهة الـ FARC، رافضاً التصنيف الأمريكي الذي يضعها في خانة عصابة مخدرات، ومعتبراً أنها حركة ثورية ذات مطالب سياسية واجتماعية؛ فمَن الذي فرمل الحوار؟ الولايات المتحدة وحدها، سواء عن طريق الضغط المباشر على الرئيس، أو تحريض الطغمة العسكرية على تصعيد العمليات ضد الـ FARC بالتزامن مع إطلاق مفاوضات السلام بين السلطة والجبهة، أو ــ كما تقتضي العادة ــ عن طريق زيادة دراماتيكية في حجم ونوعية المساعدات العسكرية الأمريكية، ورفعها إلى مستوى التدخل العسكري.
«هذه ظلال فييتنامية»، كتب روبرت وايت، السفير الأمريكي المتقاعد الذي عمل في السلفادور والباراغواي، وترأس «مركز دراسات السياسة الخارجية»؛ وتساءل: هل فات السادة الذين يخططون لمزيد من مظاهر التدخل العسكري الأمريكي أنّ الحرب الأهلية الكولومبية تدور حول ظلم الفلاحين وذبح الأبرياء العزّل، أكثر بكثير مما تدور حول حروب الكوكايين؟ ألا يدرك هؤلاء أنّ إعلان الولايات المتحدة الحرب على القوات المسلحة الثورية الكولومبية يعني اصطفاف البيت الأبيض مع الطغمة العسكرية، المتورطة تماماً في تجارة السموم، والمتحالفة مع ــ والساكتة عن ــ ميليشيات اليمين التي تمارس المذابح البربرية كلّ يوم؟
لقد أسمعَ وايت لو كان قد نادي الأحياء في البنتاغون ومجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية. ولكن لا حياة لمن نادى بالطبع.
وكلّ هذا قبل انتخاب الرئيس الحالي التقدمي وقبل انحياز حكومة بوغوتا إلى مأساة الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة، ومقارعة دولة الاحتلال؛ فكيف لمبدأ الجريمة والعقاب الإسرائيلي/ الأمريكي أن يقف، اليوم، عند حدّ أو وسيلة أو… انقلاب؟