بيروت- «القدس العربي»: هو خبر مبهم في صحيفة محلية أفاد أن «فكرة فلسطين الحرّة أصبحت ممكنة». فلسطين وحدها أرشدتني إلى العنوان في منطقة الأشرفية، فكان الوصول يسيراً. وكانت الحافز لإستكشاف الهدف الذي وضعته بترا سرحال لنفسها، وكيفية لمسها بأن «فكرة فلسطين الحرّة أصبحت ممكنة».
بالدخول إلى المكان الموازي للطريق خلف جامع بيضون المشهور في الأشرفية، نسمع صوتاً مألوفاً، يسرد حكايات عن قرى فلسطينية محى الصهاينة أثرها، وبنى المستوطنات على عظام سكّانها الذين قتلوا على أيدي عصابات الهاغانا. الصوت أليف ويعود لإذاعة صوت الشعب، الذي بثّ برنامجاً يستذكر مئات من القرى الفلسطينية المهجّرة. يسميها، ويحدد مواقعها، وعدد سكانها، ومتى هاجمتها العصابات الصهيونية وقتلت سكّانها، وهجرها من كُتبت له الحياة. واسم المستوطنة التي أقيمت على أنقاضها.
الحشائش والفاكهة
تجلس بترا سرحال وسط غرفة صغيرة، تحيط بها الكثير من الحشائش والفاكهة، والأزهار البرية المتنوعة، فنحن في فصل الربيع. نسألها بعد المشاهدة الأولى عن أقمشة بيضاء تحمل ألواناً تشبه الرسم المائي؟ تقول: إنها طباعة الأزهار الطازجة على القماش. وهي جزء من المشروع الذي نحن بصدده، والذي يحمل اسم «هناك حيث رائحة الليمون».
ولماذا رائحة الليمون؟ تشرح بترا سرحال: بعد حرب الإبادة المستمرّة في غزة منذ ثمانية أشهر، وبعد التضامن الشعبي العالمي الكبير مع قضية فلسطين، شعرت كلبنانية بأن احتمال زيارتها بات قريباً. ولأن فلسطين أضحت قريبة، وكوني أعمل على مشروع الرائحة، تواصلت مع فلسطينيين يعرفون وطنهم، يعيشون فيه أو تهجّروا منه ويحتفظون منه بذاكرة خصبة. طلبت منهم مرافقتي إلى منزلهم في مشوار دليله الرائحة فقط لا غير. وتواصلت مع أشخاص يعيشون إما في الضفة الغربية أوغزة، أو في الداخل.
وعن حصيلة اقتفاء أثر الرائحة تقول: كانت رحلات شخصية ممتعة للغاية بالنسبة لي. تميزت تلك الرحلات بالكثير من العاطفة وعادت بمن رافقني خلالها إلى الأمكنة والرائحة التي ما تزال تسكن ناسها.
لم تصل تلك الأزهار والفاكهة من فلسطين بالبريد السريع إلى بترا سرحال؟ تقول مبتسمة: بالطبع لا. بعد البحث احضرت المشترك بيننا، فنحن نتميز بطبيعة واحدة. على سبيل المثال اخبرني رجل عن الروائح التي تميز رحلته من المطار إلى بلدته في شفا عمرو الواقعة بين مدينتي حيفا وعكا، والتي يسكنها أهلها. كتبت كافة الروائح التي ذكرها وصولاً إلى منزله حيث رائحة الأم الدافئة، والقهوة والجدة والأقارب، وبالطبع رائحة الحقل. وهذه القماشة التي امامك توثّق رحلة الرجل من خلال الرائحة، وتشير إليها بالخط، ونقاط الرائحة العالقة في ذاكرته.
وتنتقل إلى شخصية أخرى تواصلت معها من بيت ليد. شخصية ميّزت رحلتها الكثير من الحواجز الصهيونية، والتي لها رائحتها الخاصة الممزوجة بالخوف والغضب.
إنها بالطبع بداية المشروع. سوف انتقل لاحقاً لتركيب الروائح لتكون تلك الرائحة حاضرة مادياً، بحيث نتمكن من تصوّرها في احساسنا أينما كنّا.
الفنون الجميلة
عن صلتها بعالم الرائحة تشرح أنها خريجة معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية. تؤلّف عروضاً راقصة متعددة الوسائط بين حركة وفيديو وصوت وغيرها، وتقدّمها للجمهور. وتخلص للقول: أهتمّ بالعمل على الحواس. وقبل سنتين بدأت العمل على الروائح وكيفية تركيب العطور. فقد سبق ونفّذت مشروعاً حول العطور مرتبطاً بمدينة بيروت. وأنا الآن بصدد مشروعي الثاني من خلال العطور، ويتمثّل باقتفاء أثر الرائحة في وطن محتل، وأهله لاجؤون داخله وخارجه. حافز المشروع أن فلسطين باتت قريبة منا أكثر مما نتصوّر، أقلّه بالنسبة لي.
من النباتات المشتركة والتي تنمو في الطبيعة بين لبنان وفلسطين، تذكر بترا سرحال الوزال الذي يُعرف في فلسطين بزهرة القندول. وبعض أنواع شجر الكينا، إلى شجر الفستق البري، والبابونج الذكي الرائحة. والبحث متواصل لتوثيق خاص برائحة الليمون في سهول يافا وحيفا وعكا وغيرها.
إذاً الرائحة تختصر المسافات بيننا وبين فلسطين وتحملنا إليها في لقاء عاطفي وربما واقعي قريب كما ترى بترا سرحال. «تيك أوفر بيروت» استقبلت العرض الأول لتلك الرائحة. الرائحة تستوطن الذاكرة واللاوعي. وفلسطين ذاكرة حاضرة بكافة الحواس، حتى وإن كنا بعيدين عن ترابها.