«عاصفة التغييرات» السعودية وتداعياتها

في خطوة دراماتيكية غير مسبوقة، شهدت المملكة العربية السعودية «عاصفة تغييرات» استهدفت أساسا ترتيبات انتقال العرش، وإن جاءت متنكرة ضمن سلسلة من الأوامر المفاجئة، هي الثالثة خلال سبعة وتسعين يوما، وشملت إعفاء ونقلا وتبديلا في العديد من الوزراء، كان أهمها في حقيبة الخارجية.
وكان طبيعيا ان يربط بعض المراقبين «العاصفة الجديدة» بعواصف سابقة، ابتداء من تلك التي اعقبت وفاة الملك عبدالله بن عبد العزيز، وانتهاء بـ»عاصفة الحزم» التي بدلت اسمها فقط الى «إعادة الامل». فهذه ليست المرة الاولى اذن، وقد لا تكون الاخيرة، التي يستيقظ فيها السعوديون على عشرات القرارات التي شبهها البعض بـ»زلازل سياسية»، في بلد شديد المحافظة طالما اعتمد لعقود «الهدوء والاستقرار والاستمرارية» نهجا لسياساته في الداخل والخارج.
وليس من المبالغة القول إن تغييرات امس الاول انما هي استكمال مباشر للقرارات التي اتخذت غداة وفاة العاهل السعودي الراحل، التي عكست موازين القوى الجديدة في الداخل السعودي، بدفع وزير الداخلية القوي الى تصدر احفاد المؤسس في الطريق الى العرش، مع تولية الامير محمد بن سلمان وزارة الدفاع، التي ستصبح سريعا العمود الفقري للحكم، مع دخول البلاد في حالة حرب.
وتتعدد المقاربات التي يمكن بها قراءة هذه «العاصفة» وأبعادها وتداعياتها موضوعيا بالنسبة الى مستقبل السعودية:
اولا- انها سابقة مهمة، وربما خطيرة، ان يتم إعفاء ولي عهد، خاصة وهو الذي تم تعيينه بتأييد اغلبية كبيرة من اعضاء هيئة البيعة، حسب الامر الملكي ا- 86، الذي يعتبر غير مسبوق في تاريخ المملكة، ليس فقط لانه سمي «وليا لولي العهد» لاول مرة، ولكن لما شدد عليه من أنه «لا يجوز بأي حال من الأحوال تعديله ، أو تبديله، بأي صورة كانت من أي شخص كائناً من كان، أو تسبيب، أو تأويل، لما جاء في الوثيقة الموقعة منا ومن أخينا سمو ولي العهد رقم 19155 وتاريخ 19 / 5 / 1435هـ وما جاء في محضر هيئة البيعة رقم 1/ هـ ب وتاريخ 26/ 5/ 1435هـ المؤيد لاختيارنا واختيار سمو ولي العهد لصاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبدالعزيز بأغلبية كبيرة تجاوزت ثلاثة أرباع عدد أعضاء هيئة البيعة»، حسب النص الرسمي.
ثانيا – لا يمكن استبعاد ان تؤسس هذه السابقة لاجراءات مشابهة في المستقبل، أي ان تفتح الباب، ولو نظريا، الى تغييرات جديدة اكبر، وهو ما لا يتفق مع «الاستقرار» الذي سعت تحليلات الى اعتباره الهدف من القرارات الاخيرة. اما الواقع فإن الاستقرار يتطلب تغييرا يتخطى الاشخاص، مهما كان عددهم، الى تصويب في المنهج، ما يؤسس لقيام دولة عصرية حديثة، تعتمد آليات التحول الديمقراطي، والادارة المؤسسية، وليس العائلية، للبلاد.
ثالثا- ان «عاصفة التغيير» الاخيرة حاولت تفادي «الثغرات» التي سمحت عمليا بتقويض بعض قرارات العاهل السعودي الراحل وسياساته الاقليمية، سواء من جهة اعفاء او تهميش ابنائه والمحسوبين عليه من كبار رجال الدولة. وهكذا ذهب محللون الى توقع ان يتنحى الملك سلمان نفسه، وان يكتفي بأن يكون رئيسا لمجلس العائلة، وهكذا يتمكن نجله الامير محمد من الاقتراب خطوة اخرى على طريق العرش، الا ان كون «الملك هو الملك» ايا كان اسمه، يبقى الدرس النهائي الذي اكدت عليه هذه «العاصفة» بعيدا عن أي قرارات او أوامر ملكية سابقة، وبالتالي يبقى مستحيلا توقع او معارضة ما يمكن ان يصدر عنه من قرارات في المستقبل.
رابعا – تركزت السلطة الحقيقية في ايدي فرع واحد، وتيار واحد من العائلة المالكة السعودية، يمسك بملفات الامن والجيش، ويشرف على «المجالس السياسية والاقتصادية والتنموية» ما يهمش باقي الامراء والوزراء، بمن فيهم اولئك الذين يملكون خبرات وعلاقات وولاءات قوية في الداخل والخارج. وليست مصادفة ان تكون العلاقة القوية مع واشنطن هي القاسم المشترك بين «الحكام الجدد»، بالاضافة الى وزير الخارجية الجديد، في وقت بالغ الحرج كهذا، في ضوء مستقبل التحالف التقليدي معها، واقتراب الاتفاق النووي المرتقب مع ايران، بل ومستقبل المملكة نفسه، في محيط اقليمي اشبه برمال متحركة تبتلع انظمة ودولة، طالما بدت اكثر تماسكا من غيرها.
خامسا – أما على الصعيد الاقليمي، وربما الداخلي ايضا، فان كثيرا سيتوقف على مصير «عاصفة الحزم» التي لم تؤمن «استراتيجية خروج» او «تحالفا حقيقيا» قبل انطلاقها، وإن كان متوقعا ان تركز السياسة الخارجية السعودية في المرحلة المقبلة على تحشيد سياسي واعلامي لقوى عربية واسلامية اساسية لمواجهة تبعات الزلزال الجديد المتوقع، جراء الاتفاق الايراني الامريكي، ولكن مع مزيد من ضبط النفس بعد «الدروس المهمة» التي انتجتها تجربة صعبة كهذه وربما مأساوية في اليمن.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية