كانت مهارة الشاعر التونسي الراحل محمد الغزي تتجلّى أكثر في «القصيدة الوجيزة» أو «القصيرة» أو «القصرى» على قلق المصطلح، منذ كتابه الشعري الأوّل «كتاب الماء كتاب الجمر» 1983. وقد ظلّ وفيّا لهذا «النوع» من حيث هو في تقديري، عمليّة طرح بالمعنى الرياضي للكلمة، قد يكون التلفّظ بالكائن أو بالفكرة، إلى الحد ّالذي يتلاشى فيه الموضوع ويتبدّد، هو المقصد الأظهر فيها. ومثال ذلك نصّه الشهير:
«إن يجئْ قبل صياح الديك موتي
ويفتّحْ باب بيتي
سأناديه: تمهلْ سيّدي
فعلى الأرض خمورٌ لم أذقْ أطيبها
وذنوب جمّة لم أقترفْ
أجملها
فاذهبِ اليوم
وذرني لغد».
وكنت بحكم عشرتنا وصداقتنا، أوّل من قرأه، إذ كان كلّ منّا يطلع الآخر على جديده؛ ويبدي رأيه فيه؛ وقد يقوّم صورة، أو يقترح لفظة محلّ أخرى. وكان السطر الثاني في الأصل: «ويفتّحْ بابَ بيتي الموصدِ» بكسر الدال، وقلت له يومها إنّ الأصوب «الموصدَ» بفتح الدال؛ فهذا نعت للباب، وليس للبيت؛ إلاّ أن تكون أجزت الكسر، على مقتضى ما يسمّى قديما «الخفض على الجوار». واقترحت عليه حذف هذا النعت، فهو ليس أكثر من «حشو» وتقفية لا مسوّغ لها؛ إذ أن الفعل «فتّح» بتشديد التاء، يغنيك عن هذا النعت. والحقّ كان له من رحابة الصدر، فقبل اقتراحي؛ وأعاد نشر القصيدة بصيغتها أعلاه. وتتحقّق الشعريّة في هذا النوع، في قفلة القصيدة وفي تراكب كلماتها التي تنشئ نوعا من الإيقاع الكمّي النبري؛ وهي تستدعيهما لضرورة سياقهما:
«فاذهب اليوم وذرني لغد». وهذه التكملة السياقيّة وهي أشبه بتتمة المسند في النحو، تستدعي ملاحظتين: إحداهما أن لغز المشهد الذي يعرضه السطران الأوّلان، يمكن أن يحلّ جزئيّا؛ إذ نستحضر «صياح الديك» و»باب البيت» المغلق» و»الخمور» و»الذنوب». وهذه أشبه بـ»استعارة مداريّة» إن صحّ لي هذا، أي راجعة إلى مدار السرطان أو المنقلب الصيفي؛ في تعارض مع مدار الجدي أو المنقلب الشتوي، إذا نحن سوغنا لأنفسنا أن نقرأ ما يرشح به النص، أو ما يخفيه أو يضمره ظاهره استئناسا بنصوص الشاعر الأخرى، وهي ذاكرة الزمن نفسه. أما الملاحظة الأخرى التي يمكن أن نثيرها فهي سؤالنا «من المتكلم» أو المتلفظ؟ هي تتعلّق عيانا بسلطة يمكن تعيينها هي سلطة شيء «مثبت» وسط عالم من الظلمة هو عالم الليل: أيّ عالم هذا الذي يومئ إليه المتكلّم، قبل أن يعلن الديك صيحة الفجر؟ لعلّه ذاك الذي يطرح على نفسه سؤال منشئه أو أصله؛ أي هذه الحمأة الأوّليّة، حيث يضرب بجذوره؛ هذا الموت صانع الحياة.. أعني صانع الشعر.. والدين.. والعلم…
وليس لي إلا أن أشاطر المتخصّصين في الفلسفة، في أن القصيدة «تمسرح» سؤال سلطتها الخاصّة بها، حسب حدس الفيلسوف وهو هنا الشاعر؛ وهي تنشر مساحة من مقروئيّة إشكاليّة على قدر ما هي غير إشكاليّة؛ وأقصد صورة البيت الموصد، ولعلّه ليس سوى الضريح نفسه، كما في قول الجاهلي دويد القضاعي «اليَومَ يُبنى لِدُوَيدٍ بَيتَهُ/ لَو كانَ لِلدَهرِ بَلىً أَبلَيتُهُ».
ومن هنا يتسنى القول إنّ القصيدة «لا موضوع لها» أو هي تلغي الموضوع من حيث هو قادح معنى أو حامل دلالة. أو لأقل إنّ الموت هو الموضوع الذي يشغله، وليس الحياة بلذائذها ومتعها، ومكرها وألاعيبها. فالقصيدة عنده أقرب إلى نوع من اللعب اللغوي الذكي والاسترسال الخيالي والمفارقات المحكمة، التي لا ينهض له منطق أو سند إلا من النصّ نفسه؛ ذلك أنّ المقصود عند الشاعر هو «فعل الشعر» وليس موضوعه، أو هذه الحركة اللغويّة الحرّة من حيث هي غاية في ذاتها. والشعر بهذا المعنى نشوء وتكوين وحركة حرّة، حتى وهو يفضي إلى الاستهانة بأنساق اللغة وأعرافها وسننها. وفي هذا ما يؤكد أن القصيدة عنده لا تسعى إلى عرض موضوعيّة عالم ما، يمكن اقتسامها؛ وإنما تكابد العمق المرن لسؤال ما في كلّ أصدائه أي سؤال الموت وهو سؤال الحياة نفسها.
كانت الصوفيّة ولا تزال تحاور الشعر أو تساجله؛ أو هي في خصومة معه أو منافسة، كما في تجربة صديقنا أو تجربة أدونيس وعبد الصبور والبياتي ومحمد عفيفي مطر وأديب صعب.. والغزّي إنّما يلتقط هذا الخيط أو هذا الحبل السري الواصل بين الصوفيّة لغة الحدس، والحلم والكشف الباطني، والشعر لغة الرموز وصانعها؛ الرموز التي بها نحيا ونعيش ونلعب.
وهو تقريبا ما يقوله باديو من أنّ قسما كبيرا من الشعر يهدف تحديدا إلى نبذ الموضوع، وإلى أن يكفّ الفكر عن أن يكون في علاقة بالموضوع. والموضوع في السياق الذي أنا فيه هو ما يقابل الذات. وهو عند الغزّي عملية مخالفة أو إبدال ينزع إلى تذويب الموضوع بتوزيعه الاستعاري اللامتناهي. وهذا المنحى أشبه بالمجموع غير المتناهي في الرياضيات، أي الذي يكون عدد عناصره غير محدود. غير أن هذا لا يسوق إلى القول بـ»لزومية» القصيدة، وكأنّها إطلاقا في حالة الفعل اللازم غير المتعدّي؛ فمحو الموضوع أو تذويبه، ليس دليلا ولا قرينة على تخلّ أو عدول شعري عن القول أو عن التفكير؛ وإنّما هو محصّلة نزوع إلى تسمية «ما هو كما هو». والمقصود هذا الكائن أو هذا الوجود الذي يتعذّر حدّه، إلاّ انطلاقا من فرضيّة طرحيّة، بالمعنى الرياضي؛ أو إخراج شيء من شيء: إخراج الحياة من الموت والموت من الحياة.
سؤال الشعر في علاقته بالصوفيّة والميتافيزيقا عامة هو سؤال الشاعر. وثمّة سحر خبيء متبادل بين المتصوّفة والشعراء والفلاسفة. ولعلها غبطة فكل منهما يرغب في أن يكون له ما للآخر. لكنّ الشاعر يضع الوهم في مرتبة أعلى من حقيقة الشيء، مثل الصوفي أو الفيلسوف الذي يضع الفكرة أعلى من الشيء ومن الواقع. ولا بدّ من الإشارة ها هنا إلى التمييز بين ثلاثة أنماط من الخطاب، حيث الفلسفي معقود على المفهوم، فيما الفني على الإدراك، والديني على الانفعال. والشعر أمسّ رحما بالإدراك والانفعال، حتّى في نزوعه إلى نوع من الفكر الذي يفكّر في الكوني والأبدي. ومن هذا المنظور فإنّ القصيدة عند الغزّي، لازمنية ولا فردية تستعلي حتى في المثولية، أو حالة الكائن الماثل في كائن آخر، على محسوس التجربة أو ما يدرك منها بالحس أو بالعقل، أو ما يتعلّق بالمعاني والمبادئ الباطنة. وهذا مجال الصوفيّة مثلما هو المجال أو الفضاء الذي تتنامى فيه تجربة محمد الغزّي.
كانت الصوفيّة ولا تزال تحاور الشعر أو تساجله؛ أو هي في خصومة معه أو منافسة، كما في تجربة صديقنا أو تجربة أدونيس وعبد الصبور والبياتي ومحمد عفيفي مطر وأديب صعب.. والغزّي إنّما يلتقط هذا الخيط أو هذا الحبل السري الواصل بين الصوفيّة لغة الحدس، والحلم والكشف الباطني، والشعر لغة الرموز وصانعها؛ الرموز التي بها نحيا ونعيش ونلعب.
وفي هذا المستوى تتميّز القصيدة عن الفلسفة وربّما عن الصوفيّة بالمعنى القديم أي الحلول؛ أو «تفكير في الفكر» أو هي «فكر الفكر»؛ إذ تلوح من حيث هي فكر في حالة فعل، أو «فكر محسوس». وبعبارة أخرى لعلها أقل تعقيدا فإنّ الصوفيّة إنّما تعضدها الرغبة في تفكير شيء ما حتى لو كان الفكر نفسه، وأمّا القصيدة فتفكّر هذا الشيء حتى يكون شيئا ما. ومثاله النصّ الذي تمثّلت به، أو قصيدته «النشيد» التي يمكن نعتها بـ»الرعوية» إذ يحضر فيها من حيث هي تنويع على «نشيد الأنشاد» عالم النبات حضورا لافتا. و»أن لا تفكر في شيء، فيعني أنّ روحك هي لك كاملة/ أن لا تفكّر في شيء، فمعناه أنّك تعيش عميقا مدّ الحياة وجزرها».
ما أختتم به هذا المقال هو ما ترسخ لديّ من أن ما تفكّر فيه القصيدة عند صديقنا هو «قصيدة الكون التواجديّة» تلك التي لا تصوّر الشيء أو تشهد له وحسب، وإنّما تتوق إلى أن تكون الشيء نفسه الذي تستدعيه أو تستلهمه. ومن عجيب المفارقات أنّ محمد الغزّي كان صبيحة رحيله يوم 18 يناير/كانون الثاني 2014، يبشّر بديوانه الجديد الذي يتهيّأ لنشره «الجبال أجدادي/ الأنهار إخوتي «، إذ نهض لفتح باب شقّته في مدينة سوسة، للزائر الطارق، ويسقط ميّتا؛ وكأنّه»يستقبل موته» أو «يحتفل به» كما في قصيدته «إن يجئْ قبل صياح الديك» وفي نصوص أخرى كثيرة. لكأن من أبرز وظائف الشعر عنده أن يعيد إلينا وعي الأشياء وعيا كليا، ويبعث زمنا جديدا من الكتابة، زمن ما قبل اللغة، حيث كانت علاماتنا أشياء. ومن ثمة كانت مطلقة، لكن المسافة بين العلامة والشيء، تمّ قطعها. ونعني الشيء الذي لا تنتظمه أي موضوعية، على نحو ما نجد عند تراكل «ثمة ضوء ما أطفأته الريح». لعلها إذن الكتابة التي تحاول أن تحوز خصائص الشيء نفسه، أو شعريّة بنيته لا محتواه، في سياق من دلالاته تعزيز التسمية وتقوية الإحساس بها أو تكثيفه؛ بكل ما يمكن أن تفضي إليه التسمية من تثبيت الوجود وسدّ ثغراته ومهاويه.
كاتب تونسي