فيلم «كل ما نتخيله ضوء»: نساء محملات بالأمنيات في المدينة الكبيرة

كان ـ «القدس العربي»: في أحد مشاهد فيلم «كل ما نتخيله ضوء» للمخرجة الهندية بايال كاباديا، الذي فاز بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان كان في دورته السابعة والسبعين (14 إلى 25 مايو/أيار) تسند آنو، الممرضة الشابة، رأسها المجهد المثقل بالأفكار على كتف برابا، صديقتها وزميلتها الأكبر سنا وشريكتها في السكن، وهما في رحلة قطار بعد يوم عمل مجهد. لم تكن أي منهما بحاجة للكلام، فهما تفهمان بعضهما بعضا دون حديث. كانت المرأتان فقط تحتاجان إلى الاتكاء على بعضهما بعضا وسط زحام وضجيج المدينة الكبيرة.
المدينة الكبيرة هي مومباي، ويبدأ الفيلم بمشهد علوي يصور أحد أسواق، أو شوارع المدينة التي تعج بالبشر والضجيج والحركة، وصوت امرأة تقول إنها عاشت في تلك المدينة أعواما وأعوام لكنها، لم تشعر بأنها بيتها أبدا. يصحبنا الفيلم في رحلة حميمية إلى عالم عدد من هؤلاء النساء والفتيات، اللاتي أتين من قراهن الصغيرة إلى المدينة الكبيرة محملات بالأمنيات والأحلام والرغبات والاشتياق.
«كل ما نتخيله ضوء» وهو الفيلم الروائي الأول لمخرجته بايال كاباديا، وهو أول مشاركة للهند في المسابقة الرسمية لمهرجان كان منذ ثلاثين عاما، فيلم عن النساء وعالمهن. على الرغم من الهموم والأعباء، هن يحلمن ويمتلئ عالمهن بحسية تخفي الكثير من الرغبات. ملمس ثوب جديد على جسد يشتهي أن يبدو جميلا، شعر طويل معقوص ترخي صاحبته عقصته بعد أن بلله المطر، التمايل على نغمات أغنية يتردد صوتها من بعيد. كلها لفتات تبوح دون كلمات، تبوح عن نساء يتقن إلى الحب والحنان، وتضج أجسادهن وأرواحهن حنينا ورغبة.
آنو (ديفيا برابا) وبرابا (كاني كوسروتي) ممرضتان في أحد مستشفيات مومباي، تتشاركان السكن في شقة صغيرة في المدينة. آنو هي الأصغر سنا والأكثر تهورا، وبرابا تكبرها بعدة أعوام وهي الأكثر تعقلا ورجاحة. لكل من الاثنتين لوعة قلب. آنو شغفت حبا وعشقا بشاب اسمه شياز، يبادلها العشق وقلبه معلق بها، لكنه مسلم بينما هي هندوسية. أما برابا فقد تزوجت زيجة تقليدية، وإثر ذلك غادر زوجها للعمل في ألمانيا، وانقطع اتصاله بها منذ أعوام. تتوق برابا روحا وجسدا إلى الحب، إلى لمسة حانية، إلى أن تشعر بأنها مشتهاة مرغوبة.

لأنو وبرابا صديقة وزميلة أكبر سنا، وهي برافاتي (شايا كادام) وعبر قصتها تقدم كاباديا تعليقها على القوانين التي تكرس ظلم المرأة، كما تقدم تعليقها أيضا على التمييز الطبقي في البلاد. برافاتي أرملة تقيم منذ سنوات طويلة في شقتها التي كانت تعيش فيها مع زوجها، لكن شركة تطوير عقاري اشترت المبنى لتهدمه وتبني محله ناطحة سحاب، لا يقدر على شراء شقة فيها إلا الأثرياء. وترفض شركة التطوير العقاري منح برافاتي تعويضا، لأنها لا تملك مستندات تثبت أنها وريثة لزوجها. وهكذا بعد سنوات طويلة من الكدح والعمل والعيش في المدينة الكبيرة، تجد برافاتي نفسها بلا مأوى. تتعرض برافاتي للظلم لأنها امرأة ولأنها لا تملك من المال ما يمكنها من البقاء في مومباي.
عبر قصص النساء الثلاث تنفذ كباديا إلى أعماق العطب في مجتمعها. آنو لا تستطيع الإفصاح بحبها لشياز ولا يتسنى لحبهما أن يرى النور لاختلاف دينيهما. تضطر هي ذات يوم لشراء حجاب وزي إسلامي حتى تتمكن من لقائه في مسكن عمه في منطقة مسلمة في المدينة، وتضطر إلى لقائه سرا بعيدا عن الأنظار، في الوقت الذي تمطرها فيه أمها بصور شباب هندوس يرغبون في الزواج منها. وتضطر الظروف الاقتصادية زوج بايال للسفر إلى ألمانيا، تاركا إياها وحيدة، في حاجة إلى لمسة حانية. لا يوجد لديها ما يذكرها بزوجها الغائب إلا طنجرة كهربائية لإعداد الأرز أرسلها لها من ألمانيا. يكاد قلبنا ينفطر حزنا ونحن نراها في عتمة الليل تخرج الطنجرة وتحتضنها في حنين ورغبة، كما لو كانت زوجها الغائب. لكن كيف يمكن لهذا الكتلة البلاستيكية الصماء أن تعوض الدفء الإنساني والحميمية. لا تبكي برابا ولا تنتحب، لكن يكفينا النظر إلى وجهها الذي يكسوه حزن صامت لنعرف ما يعتمل في داخلها من ألم.
لكن كاباديا لا تقدم شعارات سياسية أو اجتماعية طنانة، جوهر فيلمها هو النساء الثلاث آنو وبرابا وبرافاتي وعلاقتهن ببعضهن بعضا وحياتهن وما يعتمل داخلهن.
ثمة نعومة وعذوبة وإنسانية جمة في الفيلم. يذكرنا تناول كاباديا لشخصياتها ولسردية الفيلم بأفلام الياباني الكبير ياسوجيرو أوزو. هو فيلم هادئ كوجه برابا المكسو بملامح الشجن، لكن هذا الهدوء يخفي صخبا من المشاعر الفياضة والفقد والحنين. وكما لو أن المدينة الكبيرة بصخبها وزحامها تؤجج الشعور بالوحشة والوحدة، فالنساء الثلاث وحيدات وسط كل هذه الجموع، ولا سند لهن إلا أنفسهن وصداقتهن. وحين تقرر برافاتي مغادرة مومباي التي لا مأوى لها فيها والعودة إلى قريتها الصغيرة المطلة على المحيط، يكون هذا إيذانا لآنو وبرابا لمغادرة المدينة أيضا، وإن كان لأيام قليلة، ليساعدن برافاتي في نقل أغراضها وترتيب بيتها في القرية. البحر الواسع وموجه والحرية والتحرر من القيود والانفلات من المشاكل الذي يجلبه البحر هو ما تحتاجه النساء الثلاث في تلك اللحظة من حياتهن. ترتب برافاتي بيتها الصغير في القرية، ومع زجاجة شراب معتق كانت تحتفظ بها برافاتي منذ أعوام، ترتسم الابتسامة على وجه الصديقات الثلاث، وينسين ما يزعج أو يقلق حتى لفترة وجيزة. تقدم آنو حبيبها، الذي تبعها للقرية، لصديقتيها وتتمكن للمرة الأولى أن تكون معه بحرية وفي العلن، دون الحاجة إلى لقاءات مختلسة. أما برابا فيهديها البحر هدية لم تكن تتوقعها. أتراها تحلم أتراها تتخيل؟ لا يهم تفسير ما حدث ورأته برابا، لكن ما يهم هو أن برابا وجدت متنفسا لكل ما يعتمل في داخلها من شوق وارتسمت على وجهها ابتسامة بعد سنوات من الانتظار لرجل لا يعود.
«كل ما نتخيله ضوء» ينساب كقصيدة عذبة، أو كموج البحر في يوم هادئ. رغم مشاهد المطر في أسواق وشوارع مومباي، التي تكثر في الفيلم، لكنه ليس بالمطر العاصف الهادر، بل المطر الذي يليه الاحتماء بدفء المنزل وتناول طعام شهي ساخن. وهو ما حدث بالضبط في الفيلم عندما عادت آنو إلى البيت في يوم ماطر، فوجدت برابا قد أعدت لها طعامها المفضل. يقدم الفيلم صورة تمتلئ بالدفء والعذوبة والإنسانية لثلاث نساء في المدينة الكبيرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية