هنري ماتيس فنان منفتح على عوالم جمالية تشكيلية تطبيقية وتزويقية عديدة، متأثر بالبحر والزهر وعاشق للمرأة والجسد، تنقل في أرجاء فرنسا بداية بالشمال وكوليور، مرورا بمختلف الإقامات الباريسية، التي ألهمته الازدحام والحدة والضوء، وصولا إلى الجنوب الفرنسي ثم بعد ذلك فانس، فكورسيكا الجزيرة، التي أهدته الوهج والعودة إلى التسطيح، واللعب في المساحات الكبرى، والإبحار في الأزرق، كتجربة أنتجت تحولا طلائعيا راديكاليا يتجه من الرومانسية إلى التعبيرية، فالوحشية. وهو تماشٍّ ساير فيه صديقيه سيزان وديران، لاسيما في إعادة بناء الشخصية اللونية، كما ظهر في «الورشة الحمراء» (1911) و»عار مع الوشاح الأبيض» (1909) وقبلهما «التّرف» (1907) الذي ازدحمت فيه الأجسام وتداخلت الوضعيات والتحمت المساحات الزرقاء والخضراء والحمراء، وبرزت الفراغات البيضاء. فاحتفى الأحمر الفيروني ( فيرونا / إيطاليا) الدموي بحضور رمزي طلائعي متسارع في تشكيلات الجدران والأثاث والفضاء والنبات والجسد، كما استلهم ماتيس إشارات كبرى من زياراته لبلاد المغرب (الجزائر، تونس، المغرب الأقصى) انعكست أساسا في الخلفيات الهندسية عبر انفتاح المساحات اللونية، وانطلاق الرغبة، وانفلات الأحجام، في الفضاء البصري وتعاظم وهج الأصباغ وانطلاق الشدّة اللونية، تماثلا مع لانهائية الصحراء، وانفتاح السباسب وتناظر غراس الزيتون وسطوع قرص الشمس وشفافية وسحرية الهندام التقليدي الأنثوي، إضافة إلى الحضور البارز للمعطى الاستشراقي، خاصة بعد معاينته واطلاعه على تجربة ديلاكروا وآخرون ، وكلها معطيات تعمل على تجاوز الواقع واستحضار التجريد. فلا تلتزم ريشة الفنان بحدود معينة غير التي يرسمها على المحامل مشكّلة محطاته الفنيّة.

جانيت والآخرون
كل هذا متوقّع لكن أن يفلح ماتيس في دعك الطين ودكّ الفولاذ والبرونز، خصوصا في سلسلة العارضة جان التي سماها «جانيت» بداية من 1910. أنجزت في خمسة أعمال منها الطينية والجبسية والمعدنية، بحضور مورفولوجي لا يحاكي الواقع، بل يستنبط من اللحظة والرغبة والذاكرة والجغرافيا عددا من الملامح المتباينة، ما أعطى هيئة واحدة بإيماءات مختلفة استحضرت في الآن ذاته الشخصيّة الأوروبية والمغاربية والافريقية والشرقية، لإنجاز خلقة متخيلة بمنطقية شكلية مستقلة (شعر كثيف، أنف مقوس، شفاه عريضة، عيون منغلقة، رقبة رقيقة وشفافة) لتدخل جانيت إلى أفق تجريبي حامل لهوية مستنبطة من التعبيرات والفترات المتداخلة والمتعاقبة، نجدها في الملامح نفسها التي طبعت عددا من أعمال الصباغة كـ»البحار الصغير» (1906) و»المستحمون» (1907). وهي مميزات حاضرة كذلك في منحوتات وصناعات عدّة، ظل أغلب الجمهور يجهلها لعقود وما زال. من ذلك «شخصية زخرفية» من البرونز والعمل الطيني (تاراكوتاي) «العارية الواقفة» التي قدمها مقطعة الأطراف مبتورة الرأس تنشد الانعتاق عبر اعتماد كونترا بوستو مغاير بطريقة تكلفية مستلهمة من صورة فوتوغرافية بحوزته.
براعته حضرت كذلك في الأعمال الخزفية وإن بدرجة أقل نظرا لمحدودية الأعمال، جاء الإنجاز بمثابة صنعة يدوية بتفصيل صحن أبيض من الخزف يُضيفُ إليه مسحوق البلور، ثم يُثبّتُ رسمة زرقاء لفتاة عارية في وضعية جلوس، ليقدم بذلك اتحاد الفخار اللماع مع اللون، كثمرة تعاون مع أحد المحليين أنتجت عشرات الأعمال الخزفية التي قادته حتما إلى التجربة الحرفية التزويقية، كمرحلة فنيّة قديمة جديدة ملحقة محلقة في سماء إبداعاته البصرية اليدوية (البلاستيكية).
كاتب تونسي