الأشد لهجة ويبين حالة الغليان الداخلي.. قائد في الجيش الإسرائيلي: أخفقنا في 7 أكتوبر وما بعده

حجم الخط
2

عاموس هرئيل

في نهاية الأسبوع القادم ستحيي إسرائيل ذكرى الثمانية أشهر على اندلاع الحرب في قطاع غزة، التي بدأت بهجوم حماس على بلدات الغلاف. رئيس مجلس الأمن القومي، تساحي هنغبي، توقع أول أمس استمرار القتال لأكثر من سبعة أشهر أخرى. نأمل أن تنتهي هذه الأشهر بنتائج أفضل. في الوقت الذي تنبأ فيه هنغبي، قال الجيش إنه استكمل احتلال محور فيلادلفيا، الممر الضيق على طول الحدود بين القطاع ومصر. ونشرت إحدى وسائل الإعلام تقارير انفعالية جداً تقول: إسرائيل تسيطر على أقصى زاوية في جنوب القطاع، وتم الكشف عن أنفاق ووسائل قتالية كثيرة، وتم بالفعل قطع حماس عن أنبوب الأوكسجين الذي يتم عبره تهريب السلاح والتموين من مصر.

رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي تشاجر لأشهر مع الإدارة الأمريكية حول العملية في رفح، حقق هدفه. الجيش الإسرائيلي يعمل الآن في أجزاء كبيرة في المدينة، ولا يبدو أن هناك أحداً يوقفه، تحديداً حماس التي بقي لها في المدينة كتائب أربعة أخيرة نشطة. تعتبر كتائب ضعيفة نسبياً، ويبدو أن الكثير من المسلحين غادروا رفح مع مليون مواطن هربوا منها منذ اللحظة التي بدأت فيها العملية العسكرية. ولكن العملية في رفح قد تستغرق فترة طويلة إذا أراد الجيش استكمال مهمته هناك. هذه العملية تنطوي على خطر تورط كبير، مثلما سبق وحدث في بداية الأسبوع، إزاء احتمالية حدوث قتل عدد كبير من المدنيين الفلسطينيين الآخرين. سيكون كما يبدو هناك المزيد من الخسائر العسكرية، حتى بعد ذلك سيطرح سؤال “ماذا بعد؟”.

في الأشهر التي أعد فيها مؤيدون لاحتلال رفح، بث لهم نتنياهو وعوداً يرتبط ببعضها ببعض: سنهزم رفح، ونصرنا على حماس هناك سيضع إسرائيل على بعد خطوة من “النصر المطلق”. هذا إذا لم يحققه على الفور بالكامل. ولكن رئيس الحكومة يقلل في الأسابيع الأخيرة من ذكر الشعار الذي لم يغب عن أي خطاب له في الأشهر الأخيرة، الذي طبعه مستشارون ورجال إعلام من مؤيديه على قبعات. عميت سيغل من “أخبار 12″، المحلل السياسي الذي يبدو أنه يفهمه أفضل من الجميع، شرح أول أمس بأن وعد نتنياهو ليس سوى لـ “أغراض الدعاية”. مسموح التخمين أن الشك إزاء “النصر المطلق” بدأ يتسرب أيضاً إلى قلوب الأتباع المخلصين جداً لرئيس الحكومة وأنه لم يعد في متناول اليد، وأن تقدير هنغبي أقرب للواقع من وعود زعيمه.

وقد أحسن صنعاً الوزير دودي امسالم، الذي قال أمس إن الأمر سيستمر “كلما كانت حاجة إلى ذلك، حتى لو عشر سنوات” حتى النصر. لم يشر إلى ما إذا كان النصر سيتحقق بإنقاذ رئيس الحكومة من الحصار الذي يتعرض له. كبديل، في ظل غياب الحسم، سيكون بالإمكان دائماً إلقاء الفشل على الآخرين الذين لم ينجحوا في المهمة أو شوشوا عليها – الجنرالات، الأمريكيون، اليسار ووسائل الإعلام – في الحقيقة جميعهم معاً. هذا ما حدث في كل ما يتعلق بإخفاقات 7 أكتوبر.

لقد انشغلت وسائل الإعلام والمجتمع الدولي هذا الأسبوع بالحادثة التي وقعت في مخيم النازحين في حي تل السلطان غربي رفح، الذي قتل فيه -حسب التقارير- 45 مدنياً في قصف لسلاح الجو الإسرائيلي. أطلقت الطائرات قنبلتين صغيرتين نسبياً ودقيقتين، قتلتا اثنين من كبار قادة حماس (قيادة الضفة)، التي تعمل على تشجيع وتوجيه العمليات الإرهابية في الضفة الغربية. ولكن بطريقة ما، اشتعلت النار في المخيم القريب وقتل مدنيون. في اليوم التالي، نشر تقرير عن قتل جماعي في منطقة المواصي، وهي المنطقة الآمنة التي تقع على الشاطئ والتي انتقل إليها مئات آلاف النازحين من رفح. تلاشت الادعاءات من الخطاب الإعلامي بعد بضع ساعات، دون إثبات بوجود حدث آخر، أو اعتبار إسرائيل المذنبة.

الحادثة في تل السلطان لم تتبدد بشكل مشابه؛ ثمة صور قاسية لأشلاء محروقة نشرت عبر الشبكات الاجتماعية وفي وسائل الإعلام الأكثر مأسسة، وعلى إثرها تم توجيه انتقادات شديدة لإسرائيل. المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، العميد دانيال هاغاري، الذي راكم موثوقية عالية في نظر وسائل الإعلام الأجنبية، قدم إحاطة مفصلة في محاولة لإثبات أن أيدينا لم تسفك هذه الدماء. وحسب تقدير إسرائيل المدعوم فقط بإثباتات جزئية، كان قد احتفظ في هذا المكان بمخزن ذخيرة يعود لحماس. وهذا المخزن اشتعل نتيجة إصابة شظايا قنبلة إسرائيلية وهكذا تم قتل المدنيين. باستثناء الإدارة الأمريكية، التي تفهمت تفسيرات إسرائيل، هناك شك أن سيؤثر هذا على أي أحد في العالم.

في المقابل، هناك ادعاءات رئيسية تطرح: الأول، أنه يجب عليكم، لأنكم هاجمتم قرب مدنيين، تحمل المسؤولية. والثاني، الرغبة في قتل اثنين من قادة حماس بمستوى متوسط لم يعد أحد يذكر أسماءهما، ولا يمكن أن يبرر بهذا قتل جماعي للمدنيين، خصوصاً في ساحة ما زالت عيون العالم تشخص إليها بعد بضعة أيام على تحذير محكمة العدل العليا في لاهاي، إسرائيل من تنفيذ عمليات قد تفسر كجزء من الإبادة الجماعية أثناء اجتياح رفح.

خطر “لاهاي” ما زال يحلق فوق إسرائيل، باحتمالية تحقيق أوامر اعتقال ضد نتنياهو ووزير الدفاع غالانت. يمكن رسم مسار مستقبلي خطير، ستحرك فيه إجراءات المحاكم قراراً في مجلس الأمن يحظر استمرار الحرب في غزة بدون صفقة تبادل، وتهدد إسرائيل بفرض عقوبات عليها. حينئذ، يصعب الالتزام بأن الولايات المتحدة ستفرض الفيتو على هذا القرار في هذه الحالة.

استمرار العمليات في رفح والخسائر العسكرية هناك وفي جباليا، عادت وأبعدت قضية المخطوفين عن وعي الجمهور. الفيلم الذي ظهرت فيه المراقبات الخمسة بعد فترة قصيرة على المذبحة في موقع “ناحل عوز” أشغل الجمهور في إسرائيل لعدة أيام، لكنه اختفى من الوعي لاحقاً تحت ثقل الأنباء السيئة الجديدة. المفاوضات نفسها ما زالت عالقة، والوفود تذهب وتعود، لكن لا يلوح في الأفق حتى الآن أي انعطافة تتجاوز العائق الأساسي، وهو طلب حماس الحازم بإنهاء الحرب شرطاً للتوقيع على الصفقة، وهو ما يرفضه نتنياهو رفضاً تاماً.

حول درجة نجاح الجيش الإسرائيلي في الحرب، نشر في موقع “ان 12” أول أمس مقالاً حول هذا الأمر، ربما هو الأشد من بين ما نشر منذ بداية الحرب. الكاتب، العقيد حانوخ دؤوبا الذي يوشك على إنهاء خدمته، وجه انتقاداً شديداً لأداء قادة كبار في 7 أكتوبر ولوضع القتال منذ ذلك الحين. فقد كتب أن المذبحة كانت “فشلاً شاملاً” في كل المستويات، من المستوى الاستراتيجي وحتى التكتيكي. غياب الاستخبارات لا يعفي فرقة غزة من المسؤولية عن الطريقة التي تم فيها اختراق خط الدفاع بشكل كامل في الصباح الذي فوجئت فيه إسرائيل. ويقول دؤوبا أيضاً إن الجيش الإسرائيلي لا يفي بالمهمة. “هل يبدو الواقع الذي هزم فيه القادة والزعماء على يد العدو ويحاولون كل يوم وساعة إصلاح عارهم الشخصي بإرسال المقاتلين إلى الجحيم- أمراً مقبولاً على الشعب الذي يعيش في صهيون؟”، تساءل. بالنسبة له “أسطورة الاستيقاظ المدهش لقيادة الجنوب” بعد الهجوم المفاجئ، غير مقنعة.

لا يكتب دؤوبا هذه الأقوال من منطقة راحة لشخص متقاعد في الجبهة الداخلية؛ فهو قائد سابق للواء مدرعات في الاحتياط، كان على وشك إنهاء خدمته الدائمة قبل الحرب (مجرد قرار نشر هذه الأمور بدون مصادقة رئيس الأركان والمتحدث بلسان الجيش، يدل على حالة الغليان الداخلي والانضباط في الجيش). في حرب لبنان الثانية، بصفته قائد فصيل دبابات، منح دؤوبا وسام الشجاعة بعد إصابته أثناء إنقاذه مصابين في منطقة بنت جبيل. في الحرب الحالية، تطوع لاستبدال قائد لواء مدرعات قتل في المعارك، المقدم سلمان حبكة. أخوته الثلاثة، جميعهم من كيبوتس “عين تسوريم”، خدموا كضباط كبار في الحرب، أحدهم قائد لواء قطري على الحدود مع لبنان.

من الجدير أن نذكر محطة أخرى في سجله العسكري؛ فقبل أكثر من عقد، عمل كرئيس لمكتب نائب رئيس الأركان في حينه غادي آيزنكوت.
هآرتس 31/5/2024

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية