مذكرات اعتقال دولية بحق أعتى قيادات الأسد الأمنية والسجن المؤبد بات قرارا قضائيا محكمة الجنايات الفرنسية تضرب أركان النظام السوري

حسام محمد
حجم الخط
1

الطريق نحو العدالة يشبه إلى حد كبير طريق الحرية، فهو وعر المسير، وتحدياته شاقة، تحتاج إلى جهود جبارة للقفز نحو القمة لتحقيق إنصاف ولو جزئي للكل الضحايا وللذين تكبدوا خسائر فادحة خلال مساعيهم لتأسيس غد أفضل خلال معركة انتزاع حريتهم من قبضة الأنظمة القامعة لشعبها والطامسة للقانون والحاكمة بالحديد والنار، فالحرية مفتاح العدالة والأخيرة هي الحارس الأمين للحريات.
سنوات أقل ما توصف به بالمريرة مرت على الشعب السوري منذ عام 2011. سنوات عجاف، ذاق فيها الشعب السوري ويلات من الظلم ولا يزال، في ظل نظام لم يأبه يوم بنزيف الدم المستمر، وعدالة لم يتعرف عليها السوريون قبل عام ثورتهم، فيما كانت السنوات التاليات أشد مرارة وظلما مضاعفا، إذ تأمل الشعب السوري بدعم حراكه من الدول المتحضرة والحاكمة بالقانون والعدالة، إلا أن آمالهم تناثرت جراء عدة عوامل وتضارب مصالح وأسباب غير معلنة، فعانى السوري داخل حدود بلاده، وعانى من نزح مكرها، وحال اللاجئ السوري في دول الجوار لم يقل مرارة عن من ما زال في الشمال السوري، فيما كانت فرص من حالفهم الحظ بالعبور إلى الدول المتقدمة أفضل من سواهم.

أعمدة كيان الأسد بمواجهة العدالة

في سابقة طال انتظارها من قبل السوريين المظلومين والباحثين عن العدالة منذ سنوات، أشرقت بارقة أمل من العاصمة الفرنسية باريس قبل أيام، عندما أقرت محكمة الجنايات الفرنسية قرارات عالية السقف بحق ثلاث من أعتى قيادات بنية النظام السوري الأمنية، بعد الإعلان عن إصدار أحكام بالسجن المؤبد «مدى الحياة» بحق كل من المدير السابق لمكتب الأمن الوطني علي مملوك، والمدير السابق للاستخبارات الجوية جميل حسن، والمدير السابق لفرع التحقيق في الاستخبارات الجوية عبد السلام محمود، إثر محاكمتهم غيابيا بتهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، على خلفية مقتل فرنسيين سوريين اعتُقلا عام 2013.
كما أمرت محكمة الجنايات في باريس، بإبقاء مفاعيل مذكرات التوقيف الدولية بحق القيادات الأمنية النافذة في دولة الأسد الأمنية، في سابقة من نوعها، من خلال ملاحقة وإصدار قرارات بحق الشخصيات التي تأتي في المرتبة الثانية بعد بشار الأسد مباشرة.
ولعل من أبرز الشخصيات المستهدفة في قرارات محكمة الجنايات الفرنسية، هو اللواء علي مملوك وهو المدير السابق للمخابرات العامة السورية وأصبح في 2012 رئيسا لمكتب الأمن الوطني السوري، وفق «فرانس 24».
أما اللواء جميل حسن فهو رئيس إدارة المخابرات الجوية السورية وكان يتولى المنصب حين اختفى دباغ ونجله، فيما اللواء عبد السلام محمود هو المكلف بالتحقيق في إدارة المخابرات الجوية في سجن المزة العسكري في دمشق.

أعلى رتبة أمنية.. بات مطلوبا!

مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، أشار من جانبه خلال تصريحات لـ«القدس العربي» إلى أهمية خاصة اكتسبتها قرارات محكمة الجنايات الفرنسية بحق ثلاثة من أهم أعمدة بنية النظام السوري الأمنية، وأن أهمية هذه القرارات تنطلق من رتب الشخصيات الأمنية والعسكرية المستهدفة والمتواطئة بارتكاب جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية بحق الشعب السوري، خلاف المحاكم السابقة التي كانت تستهدف قيادات من رتب أمنية أو عسكرية متدنية، وصولا إلى قرارات طالت منشقين عن النظام السوري.
ووفق عبد الغني، فإن علي مملوك الذي يعتلي في الوقت الحالي منصب المستشار الأمني لبشار الأسد، يعتبر أعلى رتبة أمنية في سوريا يمكن محاسبته، فيما لا يمكن محاسبة بشار الأسد في هذه المحاكم، كون المحكمة فرنسية وصدرت القرارات بموجب القوانين الفرنسية وليس بموجب الولاية القضائية العالمية، وذلك لأن بشار الأسد في الوقت الراهن يمتلك منصب الرئاسة وليس لشخصه.
وأشار المتحدث إلى أهمية المحكمة والقرارات الصادرة عنها كونها تستهدف أعلى شخصية رفيعة المستوى في النظام السوري، وأن حزمة القرارات المنبثقة عنها تعد الأقسى، كما أن جميل حسن وكذلك عبد السلام محمود، يصنفان ضمن القيادات بالغة الأهمية في بنية نظام الأسد، وكرتب عالية.

العدالة تطارد
النظام السوري

العديد من المزايا تضمنت قرارات محاكمة الجنايات الفرنسية بحق رجالات الأسد وأعمدة نظامه، ولعل من أبرز تلك المزايا، أن الأحكام الصادرة اتهمت الشخصيات الثلاث بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهذه انتهاكات لا يمارسها أفراد بعينهم، وإنما نظام حكم كالنظام السوري.
وأشار مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان خلال تصريحاته، أن كل سوري يجب أن يهتم بنتائج محكمة الجنايات الفرنسية، سواء كان معارضا للنظام أو مواليا له أو حتى من الطيف الرمادي، لأن سوريا برمتها متضررة من انتهاكات هذه الشخصيات، واصفا القرارات بـ «الصفعة» ضد النظام السوري كونها جعلت أعمدته الأمنية تصنف كشخصيات مجرمة في المحاكم، خاصة أن الحكم هو «المؤبد» وهو حكم قوي للغاية، وهو أيضا حكم بجرائم هي الأخطر كالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
ومن آثار قرارات المحكمة الفرنسية، أن العشرات من دول العالم باتت محظورة على الشخصيات الثلاث الذين شملتهم قرارات محكمة الجنايات الفرنسية، في حين سيكون باستطاعتهم السفر إلى الدول التي تُصف بالمارقة، وأن هذه الأحكام ستستمر مدى الحياة، وحتى لو لم يتم القبض عليهم سيكونون تحت الأنظار والملاحقة طيلة حياتهم، حتى أن هناك عددا كبيرا من الدول العربية لديها اتفاقيات مع فرنسا، وبالتالي لن تجرؤ تلك القيادات على زيارة العديد من الدول العربية خوفا من الاعتقال والتسليم للمحاكم الفرنسية بموجب القرارات التي صدرت عن محكمة الجنايات في باريس.

التطبيع مع الأسد.. ممنوع

رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية أنور البني وصف من جانبه قرار محكمة الجنايات الفرنسية بـ «المهم جدا، والسابقة» كونه صادر عن محكمة حيث أن مذكرة التوقيف بحق الشخصيات الضالعة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية صادرة عن محكمة لا عن قاضي تحقيق، وهذا الحدث لم يسبق وأن طُبق بحق شخصيات نافذة وما زالت على رأس عملها.
وبالتالي فإن حزمة القرارات المتبعة وضعت النظام السوري برمته في ذات التصنيف، على اعتبار أن التهم الموجهة لأزلام النظام لا تنفذ من قبل أشخاص وإنما من قبل نظام متكامل الأركان بأوامر عليا وباستمرارية واسعة النطاق، وبالتالي فإن هذا الحدث يعتبر سابقة بالغة الأهمية.
ومن الأحداث المهمة التي ترتبت على النظام السوري بعد قرارات محكمة الجنايات في باريس، أن النظام لم يعد قابلا للتعامل معه قانونيا، من خلال التهم الموجهة لثلاث من أعلى قياداته الأمنية، وأشار البني خلال تصريحات خاصة بـ«القدس العربي» بإن هناك عدة محاكم أخرى في المستقبل القريب، وبعضها سيكون في بلجيكا والسويد وألمانيا وكذلك هولندا، ضد مجرمي حرب، وأن قضية العدالة بما يخص السوريين تسير بمنحى تصاعدي ووتيرة جيدة.
المحامي السوري، أشار إلى أن القرارات الصادرة بحق علي مملوك، جميل حسن وعبد السلام محمود، ستعمم عبر مذكرات توقيفهم عبر الانتربول الدولي، وبالتالي لن يكون هناك إمكانية لأي تعامل سياسي معهم على الصعيد الدولي، بمن فيهم رأس النظام السوري بشار الأسد، وكل من دعم أو شارك في هذه الأنواع من الجرائم.
وأشار إلى قانون منع التطبيع مع الأسد، الذي يتم العمل عليه في الولايات المتحدة الأمريكية عبر المنظمات السورية النشطة في هذا الاتجاه، وكل هذه التحركات تتم وفق الإطار القانوني. كما أن قرارات محكمة الجنايات الفرنسية أصابت أركان النظام السوري وكل من تورط بجرائم ضد الإنسانية بحق السوريين بالرعب. وأشار البني إلى أن العدالة هي طريق السلام في سوريا، وليس ضد النظام السوري فحسب بل ستكون هذه العدالة وراء كل جهة تورطت بجرائم في سوريا، وأن للعدالة أوجه عدة، منها التعويضات وعودة الضحايا إلى منازلهم بشكل آمن، وتخليد ذكرى الضحايا، والسردية عن كل ما جرى في سوريا، وهذه العدالة هي سبيل استقرار سوريا والطريق الممهد لبناء مستقبل البلاد بالشكل الذي يطمح إليه كل مواطن.

مدلولات سياسية
للقرارات القضائية

الباحث في مركز الحوار السوري، الدكتور أحمد قربي، رأى من جانبه، أن الشخصيات التي صدرت بحقها مذكرات اعتقال فرنسية، تعد من أعلى الشخصيات الأمنية التي تمت محاكمتها في محاكم خارجية، وأن علي مملوك الذي كان يستلم زمام الأجهزة الأمنية في كل سوريا، بالتالي فهو يُصنف كأعلى رتبة أمنية ضمن أركان النظام، وأن مملوك مع جميل حسن وعبد السلام محمود يأتون بعد بشار الأسد مباشرة على اعتبار النظام الحاكم في البلاد، نظاما أمنيا.
وأهمية القرار تأتي من خلال صدور مذكرات اعتقال بحق شخصيات عالية الرتبة ومستوى المنصب وما زالت تمارس أعمالها في مكاتبها، ولم تنشق عن النظام أو أنها باتت خارج دوائر صناعة القرار في سوريا، ومما حملته محكمة جنايات باريس من أهمية أيضا، هو المدلول السياسي لقرار المحكمة، من خلال توجيه تهم للشخصيات الثلاث تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فضلا عن البعد القانوني، وفي نص القرار جاء أيضا ارتكاب هذه القيادات لـ«انتهاكات ممنهجة».
وهذا يشير علانية إلى أن هذه السياسة هي منهج للنظام الحاكم، وبالتالي تم تثبيت هذه التهم على كل أجهزة النظام السوري، وهو ما قد يمهد لمحاسبة شخصيات أخرى بموجب القرار الصادر عن محكمة الجنايات في باريس.
من الناحية السياسية، تحظى قرارات محكمة الجنايات الفرنسية بسقف سياسي مهم أيضا، من خلال إمكانية تحريك الملف الحقوقي وفق أطر أوسع، وهو من أهم الملفات المتبقية بيد قوى الثورة والمعارضة، خاصة بعد حالة الهرولة في المكان للقوى السياسية، من خلال ملاحقة شخصيات النظام في مختلف دول العالم، والتضييق على هذه الشخصيات الأمنية التي تتولى أعلى مراتب النظام.
وأن هذا القرار يعد بارقة أمل للسوريين، والتركيز على أوراق القوة لمحاسبة أركان النظام، وأن القانون الدولي يمكن أن ينصف الضحايا، ولو بشكل جزئي، مشيرا إلى ضرورة تحريك الملف القانوني من قبل الجهات القانونية السورية من خلال رفع دعاوى قضائية ضد قيادات الأسد، إذ هي ستكون السبيل لتخفيف المعاناة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية