يتامى وراقصون: لماذا لا يزال البعض يتذكّر 25 يناير؟

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: ربما يكون التساؤل مشروعاً، وأيضاً يثير الضحك، أو الأسى والشفقة. فلماذا بعد كل هذه السنوات يتذكّر البعض الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني؟
وتأتي المناسبة مصادفة بعقد ندوتين بفارق يوم واحد، كل منهما تناقش كتاباً يستعرض بعضا من ملامح يناير. والمفارقة أن وجهتي النظر في الكتابين متناقضتان تماماً.. أولاهما من خلال عين أحد الثوار أو المحتجين، والثانية تجسد رؤية أحد رجال الأمن وقت الأحداث. ولك أن تتصوّر مدى الدراما الناتجة عن ذلك. وباستعراض بعض مما جاء في الندوتين لنا أن نتخيل مشاهدة فيلمين، أولهما يمكن أن نطلق عليه من أفلام السينما المستقلة قليلة التكاليف، يجذب قِلة من المشاهدين، أما الثاني ففيلم جماهيري بامتياز ـ كله أكشن ـ بداية من أبطاله وبمشاركة جمهوره المعتاد على هذه الأجواء.
الندوة الأولى أقيمت ضمن فعاليات (نادي الكتاب) في مقر حزب التجمّع في القاهرة، وناقشت كتاب «أشباح يناير» لمؤلفه محمود فطين، والصادر عن دار المرايا للنشر، بمشاركة الكاتب والمترجم مارك مجدي. أما الندوة الثانية فأقيمت في مركز (إنسان) للدراسات والنشر، التي أصدرت كتاباً بعنوان «شاهد من أهلها.. سيرة من الضفة الأخرى» للكاتب العميد خالد سلامة، وناقشة الأكاديمي شوكت المصري أستاذ النقد الأدبي في أكاديمية الفنون والمدير التنفيذي السابق لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.

محاولة فهم ما حدث

بدأ محمود فطين بمقدمة محاولاً الإلمام بمحتويات الكتاب، موضحاً أن أغلب الكتابات مجرد انطباعات عن ثورة يناير، أو أنها ذات طابع استثنائي، إضافة إلى عبارات لا يمكن قياسها اجتماعياً.. كـ(أطهر ثورة في التاريخ) وما شابه. وبالتالي فأغلب ما قيل غير علمي، ولا ندّعي ـ حسب فطين ـ التوثيق العلمي بالكامل، لكن ربما طرح أسئلة صحيحة، بغض النظر عن الإجابات، وهذه الأسئلة تعتمد على عدة مفارقات.. يتمثل أولها في حالة وائل غنيم مؤسس صفحة (كلنا خالد سعيد) ثم تحوله وصورته الآن خلال عشر سنوات، وهو إلى الشخصية الدرامية أقرب.
ثم فن الغرافيتي المتعلق بالثورة، الذي لم يظهر بهذا الشكل إلا مُصاحباً لها، والمفارقة وجود بعض الكتابات بالإنكليزية في ميدان التحرير! فكانت تخاطب مَن؟ بعيداً عن التخوين والتمويل. فهم لا يخاطبون الشعب، أو السلطة، ربما يخاطبون ذاتهم أكثر من أي شيء، بغض النظر عن مَن الذي سيسمع. ثم ديوان (مانفيستو) لمصطفى إبراهيم، الذي نجد كل نصوصه الخاصة بذات الشاعر، معاكسة تماماً لباقي القصائد التي تتكلم عن الثورة، فهو ضائع، ينحاز إلى رؤية القدر الجبرية في النهاية.
أما الهتافات فكانت في بداية الـ(18 يوما) هي «الشعب يريد إسقاط النظام» ثم تحول الهتاف باسم (الثوار) أو (الجيل) وهي مفارقة أخرى مهمة.
ونأتي إلى الشخصيات المتناقضة، والمتمثلة في علاء الأسواني، ككاتب سياسي دون الروائي، وقد أصدر عناوين متناقضة «لماذا لا يثور المصريون» في أكتوبر/تشرين الأول 2010، فتقوم الثورة، ليصبح الكتاب الآخر له.. «هل أخطأت الثورة المصرية». فهناك عدم قدرة على استشراف حدث وشيك، ثم الحديث عن الأخطاء بعد ذلك، فلا توجد رؤية من الأساس، وعن كيفية تجاوز هذه الأخطاء، اللهم إلا جملة شبه ثابتة هي «الديمقراطية هي الحل» فما هي هذه الديمقراطية؟ وما تعريفها بالنسبه له!
وكذلك شخصية محمد يوسف سلامة، المتحدث باسم (حزب النور) فقد كان من السلفيين الذين مع الثورة، ثم بعد ذلك انتقل إلى حزب الدستور. فما موقف الثورة من علاقة الدين بالحياة؟ هل قدمت إجابة على سؤال علاقة الدين بالمجال العام، وهل هي علاقة استمرارية أم انقطاع؟
ومنه نجد أن الكاتب اعتمد عدة مصادر شديدة التباين، لرسم صورة بانورامية للأحداث ومآلاتها، متأثرا بذلك بالدراسات السوسيولوجية الحديثة. «مش بقولك فيلم مستقل».

من ندوة كتاب أشباح يناير

حركة احتجاجية

وتساءل مارك مجدي بدوره.. هل قامت الثورة على كل ما هو قديم، أم فقط على مجرد وجوه سياسية على رأس النظام؟ واستعار من نبيل عبد الفتاح مصطلح (البورجوازية المدينية) وهي العنصر البارز في الثورة، فهل كان لديها تصوّر أو مشروع سياسي، وبالتالي تصوّر لنظام سياسي أو للحكم؟ بالطبع لا، فأساس هذه البورجوازية لا يتيح لها هذا الأفق السياسي والفكري. فحالة وائل غنيم، هي بالأساس نزعة معادية للسياسة، والافتخار بأنها ثورة غير مُسيّسة، فكان هتاف.. «إحنا شباب مش عاوزين أحزاب». فالأمر أشبه بعقل احتجاجي كاره للسياسة، فكيف سيعالج قضاياه السياسية!
من جهة أخرى تبدو حالة الميدان لحظية (الـ18 يوما) دون تحويل ذلك إلى برامج سياسية، وصولاً إلى صندوق الاقتراع. فشباب الثورة أسرى أحلام الـ81 يوما، وهو تصوّر مراهق يُعيد إنتاج المجتمع وفق هذه الأيام. فالبورجوازية المصرية عبر تاريخها لا ترقى إلى إنجاز المهام بطرق ثورية، بورجوازية لم تنتج مهامها، فقط.. تتفاوض. وأي افتراض باستمرار أو تكرار ما حدث في يناير 2011 هو ضرب من الخيال. فهي كما قال سمير أمين.. «أقل من ثورة وأكثر من انتفاضة». بمعنى.. حركة احتجاجية.
المفارقة الأخيرة، والخاصة بالمؤلف، الذي لا حيلة ولا يد له فيها ـ يا لسخرية القدر ـ أن اسمه بالكامل (محمود فطين السيسي).

قصة عِبرة بصحيح

قدّم أستاذ النقد الأدبي في أكاديمية الفنون والمدير التنفيذي السابق لمعرض القاهرة الدولي للكتاب شوكت المصري ـ والزبون في برنامج إبراهيم عيسى ويوسف الحسيني، والبرامج المُعتَمَدة من الدولة ـ صاحب الكتاب العميد خالد سلامة قائلاً.. إنه ينتمي إلى بيت أمني معني بالثقافة، ويروي ما شاهده من ثورة يناير 2011 حينما كان ضابطاً بالخدمة. وأن العنوان الفرعي (سيرة من الضفة الأخرى) لا يقتصر على كونه ينتمي إلى الجهاز الأمني، بل كلنا ضفتان لنهر واحد في مجتمع واحد، ربما يعانون المشكلات والأزمات نفسها. والكاتب هنا يروي في هذه المذكرات، أو السيرة ما لم يره المتظاهرون، وقد قمتُ ـ الحديث لشوكت ـ بتحرير الكتاب في أضيق الحدود، نظراً لقوة اللغة والنجاح في انتقاء التفاصيل، ما ساعد على سرد الأحداث وكأنها عمل أدبي رفيع. وعلى طريقة (هات وخد) تتواتر أسئلة الناقد ليجيب العميد..

لماذا هذا العنوان؟

يرد الكاتب بأن.. الشاهد في أي شيء هو ما يدل على الفيصل، يتلو الحق ـ لاحظ حالة اليقين في شهادة الحق ـ وكلمة أهلها لا يُقصد منها الشرطة فقط، بما أنني أنتمي إلى جهاز الشرطة، بل إلى مصر بالكامل، رغم أن أسرتي من قيادات الشرطة. ويستطرد.. كنا غير مصدقين لهذا الحدث الجلل، ما خلق حالة من (الصدمة) وأن معظم مَن نزل في هذه الأحداث كان يقصد التدمير والانتقام، ورغم ذلك كان لدى البعض مطالب مشروعة كالتعليم والصحة، شباب رومانسي لا ألومه على رومانسيته. لكن.. لماذا العنف؟! فالتغيير ليس بالعنف، ممكن بعض الانفلات حتى تسمعك السلطة، لكن ليس بهذه الطريقة التي حدثت.

من ندوة كتاب شاهد من أهلها

عماد الكبير

ويتساءل الناقد الأكاديمي عن سبب انتشار فيديو تعذيب عماد الكبير في مثل هذا التوقيت ــ عماد هذا سائق ميكروباص تم تعذيبه بوحشية في أحد أقسام الشرطة، وتم تصويره وانتشر المقطع على نطاق واسع، إضافة إلى فيديوهات قصيرة لآخرين ـ ليجيب العميد.. الفيديو تم تصويره في 2007، وفجأة انتشر في آواخر 2010، وبعد حادث خالد سعيد. وكان عماد هذا بلطجيا في موقف الميكروباص، ما جعل النقيب إسلام يفعل ما فعله، مع ملاحظة أن والد النقيب وقتها كان مدير أمن محافظة سوهاج. ولا شك أن هناك تجاوزات تحدث في أقسام الشرطة، لكن الضابط هنا ـ وهو ضابط بحث جنائي ـ لديه عقيدة وهي أن الفرد البلطجي مكانه ليس الشارع، خاصة أن القانون يحميه. وقد نال الضابط إسلام الجزاء، وعماد أصبح أكثر مكانة وبطشا في الموقف ـ مكان لتجمّع عربات الميكروباص وهي وسيلة من وسائل المواصلات المنتشرة ـ فظهور هذه القصص وبهذا الشكل فيها تعمّد بإظهار رجال الداخلية وكأنهم مجموعة من مصاصي الدماء. تعقيب بسيط يقطع السرد المشوّق للأحداث.. فيديوهات عماد الكبير وأشباهه تم تسريبها من داخل جهاز الأمن، والعمل على انتشارها بقصد إرعاب الناس أكثر، فما كان يحدث في الداخل يسمعون عنه ولا يرونه، وهذه عيّنة ليس أكثر، وقد انتشرت نُكتة (مزحة) وقتها.. فبدلاً من (ربنا هيوديك النار) أصبحت.. (ربنا هيوديك القِسم).

من يناير إلى يونيو

وسأل أحد الحضور عن سبب اختلاف العلاقة تماماً بين الشعب والشرطة، فالعداء في أحداث يناير أصبح تآخيا في 30 يونيو/حزيران ـ هذا السؤال يُشبه الفقرة الاستعراضية في الفيلم ـ فيجيب الضابط.. الموضوع اختلف بالفعل 180 درجة، كنا نتخفى حتى تنحي مبارك، مطاردون من الجميع، وشعرنا بإحساس المسجلين خطر، وكيف يمكنهم الاختباء بفضل قِلة تثق بهم. أما في ثورة 30 يونيو فالناس كانت شايفة إننا صمام أمان. فيونيو أكملت ما بدأته يناير، وعرف الجميع أن الإسلام ليس هو الحل.

من سوء الحظ إلى الثأر البايت

وتوالت أسئلة بعض الحضور، من سيدات أعضاء في نوادي الليونز، وأخريات أعضاء في جمعيات أهلية شهيرة ـ هنا يضيف الناقد الأدبي شوكت بأن والدته كانت تنتمي إلى الحزب الوطني، وكانت ضمن المسؤولات عن أنشطة الحزب في المحافظة التي ينتمي إليها، وهي للمصادفة محافظة المنوفية ـ فانتفضت إحدى المدعوات لتحلل الأمر قائلة.. إن ما حدث ما هو إلا استنساخ للثورة التونسية، فالشرطة كأي جهاز في الدولة فيها بعض الفساد، لكن اختيار يوم عيدها حتى يحدث ما حدث، فهو من سوء حظ الشرطة لا أكثر ولا أقل.
وللأمانة.. أضاف أحد الحضور ـ كان يعمل لفترة في وكالة رويترز ـ بأنه من غير الصحيح أن جميع أقسام الشرطة قد تم حرقها، لكن هناك أقسام بعينها حُرقت، نظراً لما كان يحدث فيها من تجاوزات تصل إلى الجرائم والجميع يعرف ذلك.

أحداث ماسبيرو

وفي ما يخص (أحداث ماسبيرو) يرى حضرة الضابط.. أن الأقباط وقتها صوتهم أصبح أعلى، وهذه كانت مفاجأة لنا، أما عمليات القتل التي حدثت فقد أصاب الضباط الصدمة والرعب الشديد، فحتى إن قاموا بالقتل فقد كان عن غير عمد، فالجميع كان داخلنا يولّع فينا.. «عبّر عن رأيك زي ما أنت عاوز، لكن ليه عاوز تقتلني؟!».
هنا ينتهي الفيلم مع التصفيق الحاد للجمهور، ومع الشاشة السوداء، نتساءل مع السيد العميد.. يا ترى ليه صحيح؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية