الخريطة الثلاثية الأبعاد للحرب: غزة والضفة ولبنان

وسام سعادة
حجم الخط
0

يجمع الرئيس الأمريكي جو بايدن في هذه الآونة بين القناعة بأنّه قد حان الوقت لوقف إطلاق النار في غزة، وبين الاكتفاء بتصوّر «إرهاصيّ» للمسار المفضي إلى ذلك. الضغط الذي تمارسه إدارة بايدن على الحكومة الإسرائيلية لا يزال يتحرّك ضمن هذا الإطار. فالحرب لا يمكن أن تستمر لأشهر إضافية من دون أن تتوسع. وتوسعها سينقل مركز المواجهة رأساً من قطاع غزة إلى لبنان ـ الجليل.
إذا ما توسعت الحرب على هذا النحو، ستزيد حاجة إسرائيل للدعم الأمريكي والغربي. وهذا لم يعد بالأمر البديهي تحصيله الآن.
إذاً، كي لا تتوسع الحرب بالشكل الذي لا يمكن لإسرائيل تحمّل كلفته إلا بالإسناد الأمريكي، فعلى هذه الحرب أن تتوقف بعد مدّة معقولة من الوقت.
وبايدن يفكر بشيء من هذا القبيل: «حان الوقت للتفكير في كيفية إخماد الحرب الحالية». وهذا يختلف عن: «أوقفوا الحرب الآن». ثمة فارق حقيقيّ. مع هذا، ليس بوسع إسرائيل أن تكون في حِلّ من الضغط الأمريكي «الترشيدي» لها، «الذي يخاف على مصلحتها» أكثر منها. في الوقت نفسه، ليس بنيامين نتنياهو فقط من يصرّ على أنّ هذه الحرب يجب أن لا تنتهي إلا بالانتصار الكامل على حركة حماس وتقويض سلطتها وجهازها العسكري والأمني في القطاع. هذا الموقف ما يزال يعبّر عن «مؤسسة الحرب المستدامة» الإسرائيلية برمّتها. وهو موقف يمارس أيضاً ضغطه المضاد على القناعات الأمريكية بأنه حان الوقت للتفكير في إخماد الحرب. نتنياهو حافظ على الالتباس بين التفاعل بإيجابية مع ما يطرحه بايدن، وبين إعادة التشديد على أن الحرب مستمرة إلى حين القضاء على حماس.
كما لو أن الحرب في واد، ووقف النار والمساعي إليه في واد آخر. بايدن أيضاً حافظ على مساحة من الالتباس بشأن مستقبل وضع حماس في قطاع غزة. لكن التباسه ليس كاملاً هنا. ما بات جو بايدن يقوله للإسرائيليين عملياً هو أنكم، من ناحية، خفضتم إلى حد كبير قدرة حماس على إلحاق الأذية بكم، وهذا معطى ينبغي الانطلاق منه من الآن فصاعداً والبناء عليه، لكنكم من ناحية ثانية لا يظهر أن لديكم القدرة على استئصال حماس بالكامل، ولا يظهر أن التمكن من ذلك ممكن أساساً، كما أن الفاتورة الإبادية للحرب، حتى ولو أردنا أن نتقاسمها معكم، فقد أصبحت باهظة أكثر فأكثر، وبالتالي عليكم وعلينا ايجاد مخرج.
عند هذه النقطة تدخل الحياة السياسية الإسرائيلية على الخط. إسرائيل نفسها التي تواصل حرب «جرف قطاع غزة» بتصميم وعناد، تتسلّح في المقابل بهشاشة التوازنات الحزبية في الكنيست الحالي، للقول بأنها ما عادت أصلاً تملك الفرامل لإيقاف مركب التدمير المتواصل هذا.
حصيلة هذا الأخذ والرد قد تكون التمديد أمريكياً لفترة التغطية الغربية للحرب بضعة أشهر أخرى، يعطى فيها لإسرائيل المجال لتخفيض قدرات حماس بعد أكثر، وقتل عدد أكبر من الفلسطينيين، ويصار بعدها للضغط بجدية لوقف الحرب. يستحسن أن يكون قبل موعد توجه الناخبين الأمريكيين للاقتراع بالانتخابات الرئيسية. حينها سيظهر «انجاز» بايدن «طازجاً» أكثر!
مع البناء على ما يكون قد تحقق لإسرائيل من خلالها حتى ذلك الوقت، ومع ما يوجبه هذا من ارتضائها في المقابل بأن ما لم تحققه في عام كامل من الحرب لا يمكن السماح لها بمحاولة تحقيقه في أجل غير محدود بما يعرّض مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.
هذه الأشهر التي تفصلنا عن الاستحقاق الأمريكي عسيرة، مضنية، وغدّارة. فالأمور يمكن أن تفلت بسهولة، عند كل انعطافة، عن كلٍّ ما سلف. لكن إسرائيل غير القادرة حتى هذه اللحظة على تقبّل فكرة «استمرار حماس» في غزة بعد إخماد الحرب، تدرك أيضاً بأن «شيئاً من حماس» في القطاع كفيل بتبديد كل الضغط المستقبلي عليها بشأن إقامة دولة للفلسطينيين. الفكرة الليكودية الأساسية أن هذه الدولة مشروع انتهى تماماً مع هجمات 7 أكتوبر. وهذا يختلف عند كل من هم على يسار الليكود (غانتس، لابيد، غولان). لكن الأكثر وزناً بين هؤلاء لا يسعه تقديم فكرة واضحة معاكسة للموقف الليكودي.
كل هذا ويصعب الاستشراف الآن حول مسار الأمور في الضفة الغربية. فإذا كان «جرف قطاع غزة» هو فحوى الحرب الذي يقودها جيش الاحتلال، فإن تسليط ميليشيات المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية يجهد لإنتاج واقع جديد في الضفة، يزيد من صعوبة الحياة في أجزاء منها، ويراهن من ثمة على تعبئة حماس والجهاد للفراغ الناشئ عن مهادنة السلطة الفلسطينية وضمورها لأجل زيادة شراسة الاحتلال، بذراعه العسكرية القمعية الرسمية، والميليشياوية الضاربة. والليكود من كل هذا يجمع بين موقفه بأن 7 أكتوبر كفيل بتمكين إسرائيل من طي صفحة الدولة الفلسطينية، بأي نوع كان، وبأي مساحة، «إلى الأبد» وبين تخوفه من الموقف الأمريكي – الغربي القائم على إسناد إسرائيل في حربها الحالية في مقابل الزامها بتسوية حول الأراضي الفلسطينية بعدها. إذاك يصبح تعديل الوقائع الديموغرافية والحياتية أمراً أساسياً، ليس فقط في غزة، بل في الضفة أيضاً. اشكالية الاحتلال منذ 1967 لم تكن لا حول القدس، ولا حول غزة، لا في سيناء أو الجولان. بل في كيفية ابتلاع جسم وازن تاريخياً وديموغرافياً بحجم الضفة الغربية. بالنسبة إلى جزء أساسي من الحركة الصهيونية، إسرائيل كانت حتى حرب 67 «دولة خارج نفسها» بما أنها خارج يهودا والسامرة (الضفة). لأجل ذلك، اليوم أكثر من ذي قبل، ستسعى إسرائيل لترجمة حصيلة ما تقوم به على أرض القطاع من خلال السعي لفرض معادلات ضاغطة بشكل مستفحل ولا يطاق على الحياة الفلسطينية في الضفة.
ضغط المستوطنين على أهالي الضفة يزيد. لكن القلق يبدو مركّزاً في الأسبوعين الأخيرين، وبشكل تصاعدي، حول مآل الوضع في لبنان.
المفارقة هنا أنه يكثر القال والقيل حول احتمالات اندلاع حرب شاملة في حين لا تزال الصورة المنتشرة حول الاشتباكات الدائرة رحاها على هذه الجبهة، هي الصورة المبثوثة في الأسابيع الأولى للحرب. تحتاج هذه الصورة إلى تحيين. فلبنان / حزب الله في حرب مع إسرائيل منذ ثمانية أشهر. ويمكن المجازفة بالقول بأن الحرب بمعناها الكلاسيكي هي تلك القائمة بين إسرائيل وبين لبنان / حزب الله اليوم، في حين أن ما يحدث في غزة ليس سهلاً ضمّها إلى تاريخ الحروب. إنها مقتلة. حرب ديموغرافية تامة. اللاتناسب لا يغيب بطبيعة الحال في احتساب القوى بين لبنان / الحزب وبين إسرائيل، لكنه غير قادر على التمظهر بهذا الشكل النافر بالشروط نفسها. أولا، إسرائيل أجبرت على الانسحاب من لبنان. أما انسحابها من غزة عام 2005 فإنه بقي انسحاباً لجيش من مساحة لا تزال محتلة بحكم القانون الدولي. بموجب هذا القانون، السيادة عادت إلى لبنان بعد 2000. أن تكون الدولة فيه مقصرة في النهوض بوظائف ومقومات هذه السيادة فهذا أمر آخر. لكن السيادة لم تنقل في قطاع غزة للطرف الفلسطيني عام 2005. الاحتلال الإسرائيلي واقع مستمر في كل الضفة وفي كل قطاع غزة منذ حرب 1967. اغفال ذلك هو المدخل لأوهام كثيرة. منها أوهام الذين دخلوا في عملية التسوية. ومنها أوهام من كابر على مقال التسوية من أساسه. إسرائيل تدير احتلالها للمناطق الفلسطينية منذ 67. لم تنسحب، بمعيار القانون الدولي، من أي شبر منها. وهنا، في هذه الحالة على الأقل، تتكامل تعريفات القانون الدولي تماماً مع تشخيصات الواقع. ما الذي يعنيه ذلك؟ أن 7 أكتوبر وسواها وكل شيء يحدث في هذه الأراضي يحدث في ظل الاحتلال المستمر. ليس معنى هذا أنه لا يمكن المناقشة في الوسيلة، كما في الكلفة، والجدوى، والنتيجة. لكن أرضية هذه المناقشة أما أن تكون الإقرار بأن الاحتلال مستمر بلا انقطاع، منذ 67 بصرف النظر عن أوسلو، والمفاوضات، والسلطة، والانتخابات، وسلطة حماس، وأي اعتبار آخر. الاحتلال احتلال، إدارته للملفات والمناطق والمراحل تتبدل، وهذا اختلاف مع حال لبنان، بموجب القانون الدولي.
التصور الليكودي واضح تجاه حماس: إخراجها من غزة. هذا من بعد تعريض القطاع لعطب ديموغرافي كبير يستمر مفعوله لأجيال.
واضح التصور أيضاً تجاه الضفة وعموم متفرعات المسألة الفلسطينية: الاجهاز نهائياً على فكرة الدولة. وتثبيت فكرة أنه لا دولة أخرى غرب نهر الأردن غير إسرائيل. إنما هناك مناطق ينبغي «ردعها» عن التطرف (تحرير كل فلسطين) والاعتدال (دولة على جزء من فلسطين) في وقت واحد.
ليس هناك في المقابل من تصور واضح حيال ما ينبغي القيام به تجاه حزب الله أو تجاه إيران. المطلوب فقط «تفهيمهما» بأنهما غير قادرين على تعديل مسار المشروع الاستئصالي الإسرائيلي في غزة. لا يعني هذا أن الحرب بين لبنان/ الحزب وبين إسرائيل لا تستطيع أن تفيض على ديناميتها الحالية المستفحلة أساساً. لكن هناك حواجز لا تزال تعترض ذلك.
منها قدرات الحزب وعدم انوجاده في فضاء ضيق كقطاع غزة، بل مفتوح على المد من بلدان محور الممانعة.
ومنها أن إسرائيل، غير صحيح أنها غير قادرة على خوض الحرب على جبهتين بالمطلق، لكنها يصعب عليها ذلك من دون تغطية أمريكية لها في هذه الحال. لا يستفاد من هذا أن هذه التغطية متعذرة حكماً، لكنها لم تعد بديهية في الوقت الحالي.
ومنها أيضاً، وللمفارقة القرار 1701. ليس لأنه يطبق، بل لأنه لا يطبق لكن الجميع يستظل به. الطرفان المتعاديان يطالبان به. هذا القرار، ولو كان الواقع أبعد ما يكون عن انتهاج بنوده، إلا أنه يساهم في تأطير الحرب اللبنانية – الإسرائيلية غير المعلنة، إنما المستمرة منذ 8 أشهر. تطور مسار هذه الحرب منذ اندلاعها إلى الآن، اختبرت أكثر من منعطف، غطت عليها المقتلة المتواصلة في غزة. لكن تخيل لو كانت هذه الحرب بين إسرائيل وحزب الله، مندلعة منذ الخريف الماضي وبشكلها الحالي، ولم يكن ثمة حرب في غزة! لظهرت حينها السمة العالية الاحتدام للاشتباك المتواصل. في غزة لا هي حرب جبهة ولا حرب مواقعة. في جنوب لبنان جبهة. بالسياسة حرب مواقع. في الميدان جبهة. جبهة لم تقطع شعرة معاوية بعد مع القرار 1701. وهي من خلال هذا القرار تذكر بالاختلاف الأساسي بين القطاع وجنوب لبنان. في جنوب لبنان، الانسحاب الإسرائيلي منه هو انتقال من مصادرة سيادة إلى استعادة وطنية للسيادة – مع وقف التنفيذ إلى حد كبير طالما لم تمتد سيادة الدولة بالشكل الوافي إلى هذه المناطق. أما في غزة فلم يؤد الانسحاب إلى نقل سيادة من أي نوع كان. ما زال المحتل يصادر السيادة. ليس هناك شيء اسمه في المقابل «خنادق سيادية تحت الأرض» ولا «سيادة من خلال البكاء على التسوية فقط». الأفضل دائما أن ينطلق الفلسطينيون من الواقعة المؤيدة من القانون الدولي بأن أراضيهم المحتلة عام 67 ما زالت محتلة من يومها، والانسحابات سواء كانت من رام الله أو من غزة، ضمن التسوية ومراحلها أو بشكل أحادي، فهي لا تخرج عن كونها إجراءات إدارية في ظل استمرار الاحتلال، ومعه الاضطهاد، من شعب على آخر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية