الرباط ـ «القدس العربي»: انضمت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان في مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان المغربي) إلى نظيرتها في مجلس النواب (الغرفة الأولى) وصادقت على القانون المتعلق بالعقوبات البديلة الذي قدمه وزير العدل عبد اللطيف وهبي.
مشروع القانون المتعلق بالعقوبات البديلة، الذي تمت المصادقة عليه في البرلمان المغربي بغرفتيه، يهدف إلى وضع إطار قانوني متكامل للعقوبات البديلة سواء من حيث تأصيلها وفق القواعد الموضوعية لمجموعة القانون الجنائي المرتبطة بالعقاب، أو من خلال وضع آليات وضوابط إجرائية على مستوى قانون المسطرة الجنائية تهم تتبع وتنفيذ العقوبات البديلة.
وكانت الفرق والمجموعات النيابية بالغرفة الأولى للبرلمان، قد تقدمت بتعديلات عديدة على هذا النص همّت بشكل أساسي، تحديد العقوبات البديلة وتدابير تنفيذها سواء كانت رقابية أو علاجية أو تأهيلية.
وخلال مناقشة المشروع، أشار وزير العدل وهبي، إلى أن الوضع الحالي للمؤسسات السجنية في البلاد يستوجب اعتماد نظام للعقوبات البديلة، مشددا على ضرورة وضع إطار قانوني متكامل لهذه العقوبات، يتماشى مع قواعد مجموعة القانون الجنائي المتعلقة بالعقاب، ويتضمن آليات وضوابط إجرائية ضمن قانون المسطرة الجنائية لتتبع وتنفيذ العقوبات البديلة.
تياران متباينان
الباحث في القانون وعلم الاجتماع، عبد الحكيم قرمان، اعتبر أن المصادقة على القانون المتعلق بالعقوبات البديلة، يتموقع «بين رومانسية النوايا الحسنة والعقلانية والاحتراز من انزياحات التطبيق» مبرزا أن الساحة السياسية ومعها الفضاء التشريعي في المغرب، تشهد «نقاشات وسجالات كبيرة صاحبت مختلف مراحل إعداد وتقديم ومناقشة والمصادقة على القانون المتعلق بالعقوبات البديلة، بحيث توزعت المقاربات والتحاليل إلى تيارين متباينين من حيث المنطلقات والقناعات والغايات».
وأوضح أن «فريق المتوجسين يعبّر عن موقفه من عديد المضامين والمسوغات النظرية والقانونية والتطبيقية التي وردت في نص القانون من خلال اعتماد عقوبات بديلة (للعقوبات الحبسية) تتمثل في تعويض العقوبة السجنية بالعمل لأجل المنفعة العامة، وإقرار المراقبة الإلكترونية للمعاقبين جنائيا، مع تقييد بعض الحقوق أو فرض التدابير الرقابية أو العلاجية وكذا تطبيق بعض الغرامات اليومية، وفي هذا السياق يعبر أنصار الفريق التوجس من انزياح الممارسات حين التطبيق على أرض الواقع بالنظر للسياقات الاجتماعية والسياسية والسوسيوثقافية المركبة للمجتمع المغربي (بالمقارنة مع المجتمعات المتقدمة في هذا المجال) ناهيك عن تأكيد المنتقدين للنص التشريعي الجديد على الصعوبات العملية والإجرائية والتأويلية التي قد تعتري تنفيذ هذا المشروع، خاصة أنه لم يحدد بشكل صارم ودقيق وحاسم لكل التدابير والمساطر الخاصة الممكنة وغير الممكنة في مختلف الحالات التي سينظمها هذا النص».
وبالنسبة لقرمان، فإن «النص التشريعي المصادق عليه يتضمن مقتضيات غامضة وفي حالات غير محكمة، لا منطقية وغير قابلة للتطبيق» ولأجل ذلك استعرض على سبيل المثال، أنه «لا يوجد تعريف صاف ومنطقي ومتعارف عليه لمفهوم (العمل لأجل المنفعة العامة)» وأضاف «أنه من الصعب تعليل وتبرير تعويض الفعل الإجرامي، كيفما كان نوع الجريمة المقترفة، بالعمل لأجل المنفعة العامة».
وتساءل الخبير القانوني: «هل يستقيم نظريا وفلسفيا تقعيد المماثلة القانونية لجعل (العمل لأجل المصلحة العامة) بمثابة عقوبة يمكن أن تعوض العقوبة السجنية التي تستوجبها الجريمة المقترفة، والأهم من ذلك له، بأي معنى أو مسوغ أو تبرير يمكن للقانون أن يوفر الضمانات اللازمة للجهة، الهيئة أو المصلحة أو المرفق العام عند استقبال مرتكب الجريمة لتشغيله كعقاب له على ما اقترف؟ هذا على افتراض أن هذه الجهات والمصالح ستقبل بتشغيل محكوم بجريمة (مجرم)؟».
واستطرد المتحدث قائلا: «يصرح وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن المشروع يأتي في إطار وفاء المغرب بالتزاماته الدولية، وتخفيف اكتظاظ السجون، وأن هذا المشروع يأتي لمواكبة التطورات التي يشهدها العالم في مجال الحريات والحقوق العامة، من خلال إيجاد بدائل للعقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة، والحد من آثارها السلبية، وفتح المجال للمستفيدين منها للتأهيل والاندماج داخل المجتمع، وذلك قصد المساهمة في الحد من مشكل الاكتظاظ داخل المؤسسات السجينة وترشيد التكاليف إلى الاعتقال الاحتياطي، الذي تطالب عدد من الجمعيات الحقوقية بترشيده. وللتذكير فإن المشرع المغربي يجعل من الاعتقال الاحتياطي (تدبيرا استثنائيا) يتم اللجوء إليه في حالة التلبس، وخطورة الفعل الجرمي، وانعدام ضمانات الحضور، وتوفر دلائل قوية على ارتكاب المشتبه فيه للجريمة، لكن الأرقام الرسمية تؤكد أن 45 في المئة من نزلاء السجون مصنفين ضمن فئة المتابعين في اعتقال».
ومن جهة ثانية، يتابع الخبير القانوني توضيحاته قائلا «إن لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان في مجلس النواب، صادقت على تعديل مثير للجدل يهم مقتضيات مشروع قانون العقوبات البديلة، وفي هذا الصدد، صادقت بالأغلبية على تعديل يسمح بشراء العقوبات الحبسية. ووافق 19 نائبا برلمانيا على تعديل تقدمت به فرق الأغلبية في مجلس النواب يرمي إلى إضافة عقوبة الغرامة اليومية إلى أصناف العقوبات البديلة مقابل معارضة 7 برلمانيين يمثلون فرق المعارضة. واعتبرت فرق الأغلبية، أن هذا التعديل يتماشى مع توجهات السياسات الجنائية لبعض الدول التي تعتمد هذا الصنف من العقوبات في أنظمتها الجنائية وتعتبرها عقوبة أساسية ومحورية في قانونها الجنائي».
وفي كل الأحوال، بالنسبة لقرمان، «يظل السؤال المركزي المؤطر لماهية وغاية إقرار هذا النص متمثلا بشكل أساسي، حول: كيف يمكن رصد وضبط وتوثيق وتحديد (ريبرتوار الجرائم المصنفة تحت طائلة العقوبات البديلة) وعلى أي اعتبارات قانونية وقيمية وأخلاقية يمكن تحديد العقوبات البديلة وتدابير تنفيذها سواء كانت رقابية أو علاجية أو تأهيلية».
اكتظاظ السجون
هشام لمليح المحامي بهيئة الرباط، في حديثه لـ «القدس العربي» قال إن «قانون العقوبات البديلة إذا تم النظر إليه من زاوية ما تعرفه وضعية السجون حاليا من اكتظاظ؛ سيكون له أثر إيجابي في حلحلة الإشكاليات التي تعيشها سجون المملكة» موضحا أن هذا القانون «له إيجابيات بخصوص فئة من مرتكبي الجرائم التي لا تتعدى العقوبة بشأنها 5 سنوات».
واستطرد المحامي لمليح، مذكّرا بـ«الإشكالية المطروحة» والمتمثلة في «التنزيل الفعلي للقانون وهو أكثر الأمور تعقيدا خاصة وأن القانون جاء بمجموعة من البدائل التي تحتاج آليات وموارد مالية وبشرية، وهو الأمر الذي لن يكون سهلا خاصة فيما يتعلق بآلية السوار الإلكتروني، على سبيل المثال لا الحصر حيث يطرح التساؤل حول كيفية تفعيل هذه الآلية».
وختم المحامي بالإشارة إلى أنه «عموما قانون العقوبات البديلة بداية لمسار طويل من أجل تعديل باقي القوانين المتعلقة بالعقوبات وتنفيذها كالقانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية».
وحسب بعض المتتبعين، فإن الاكتظاظ الذي تعرفه السجون في المغرب، هو الدافع الأساسي لتشريع هذا القانون الخاص بالعقوبات البديلة، خاصة أنه في كل التقارير ذات الصلة الصادرة عن مؤسسات معنية بالأمر، تفيد بأن نسبة كبيرة من السجناء هم في الاعتقال الاحتياطي.
وكانت «المندوبية العامة لإدارة السجون إعادة الادماج» (مؤسسة رسمية) قد دقت ناقوس الخطر بخصوص وضعية الاكتظاظ في المؤسسات السجينة، وتضمن آخر تقرير لها رقما وصف بأنه قياسي لعدد السجناء في المؤسسات السجنية في المغرب.
المندوبية عبرت عن «قلقها البالغ» من حالة الاكتظاظ التي تشهدها المؤسسات السجنية، ووصفت الوضع بـ «التزايد المهول» مبرزة أنها «تطلب من السلطات القضائية والإدارية الإسراع بإيجاد الحلول الكفيلة لمعالجة إشكالية الاكتظاظ بالمؤسسات السجنية لتفادي ما قد يترتب عن هذا الوضع الإشكالي المقلق من اختلالات أو حتى انفلاتات أمنية، علاوة عن المشاكل التي من المفروض أن تنتج عنه فيما يتعلق بظروف الإيواء والتغذية والتطبيب والاستفادة من برامج التأهيل لإعادة الادماج».
ووفق تقرير المندوبية، فإن عدد السجناء في المؤسسات السجنية بلغ «بتاريخ 7 أب/أغسطس 2023 ما مجموعه 100 ألف وأربعة سجناء» مبرزة أنه «رقم قياسي، علما أن الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية حاليا لا تتجاوز 64 ألف و600 سرير، وذلك رغم المجهودات المتواصلة التي بذلتها المندوبية العامة لتحديث وتوسيع حظيرة السجون بالمغرب.»
وختمت المندوبية بيانها الذي وصف بـ «الصادم» بتوقعات تفيد أنه «من المرتقب أن يستمر تزايد الساكنة السجنية مستقبلا إذا ما استمر الاعتقال بالوتيرة الحالية، ولم تتخذ الإجراءات الضرورية والاستعجالية لتدارك الوضع».
وفي سياق مواكبة قانون العقوبات البديلة، نظمت وزارة العدل، بشراكة مع المعهد الدنماركي لمناهضة التعذيب «DIGNITY» بالرباط ندوة علمية حول موضوع «الإفراج المقيد بشروط… بين متطلبات التفعيل وتحديات توسيع فرص الإفراج وإعادة الادماج» وتوزعت عبر جلستين علميتين، تمحورت الأولى حول «الإفراج المقيد بشروط ومتطلبات التفعيل» والثانية حول «الإفراج المقيد بشروط وتحديات توسيع فرص الادماج وإعادة الادماج».
الندوة المذكورة التي عرفت مشاركة مؤسسات رسمية مغربية، إلى جانب عدد من الأكاديميين والخبراء المغاربة والأجانب، افتتحها وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، بكلمة أكد فيها أن التجربة أبانت في ظل التحولات التي طرأت على السياسات العقابية المتبعة في مختلف أنظمة العدالة الجنائية، أن العقوبات السالبة للحرية لا تشكل في أحيان كثيرة الهدف الردعي الذي يحول دون العود لارتكاب الجريمة، وهو ما أدى للتفكير في إقرار عقوبات بديلة لها منها نظام الإفراج المقيد.
الإفراج المقيد بشروط
مؤسسة وسيط المملكة كانت حاضرة من خلال مشاركة رئيسها محمد بنعليلو، الذي قال إن مؤسسته تعتبر موضوع الإفراج المقيد، فرصة لإبراز جوانب أخرى من مجالات تدخلاتها المتعددة، في إطار المهام التي تضطلع بها لفائدة مرتفقي الإدارة العمومية، والمتمثلة أساسا في الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقات بين الإدارة والمرتفقين.
وقال منير المنتصر بالله، الأمين العام للمجلس الأعلى للسلطة القضائية «إنه على هدي التوجيهات الملكية السديدة، وتفعيلا لاختصاصاته الدستورية كمؤتمن على الحقوق والحريات في إطار دولة الحق بضمان سيادة القانون، يساهم المجلس الأعلى للسلطة القضائية في المجهودات الكبيرة المبذولة من طرف جميع المتدخلين في المسارات الإجرائية لسلب الحرية، من الوضع تحت الحراسة النظرية إلى ما بعد صدور مقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي» وأضاف أنه من هذا المنطلق ودعما لمساعي الرفع من أداء لجنة الإفراج المقيد، سبق للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن وجه تعميمًا سنة 2021 إلى المسؤولين القضائيين قصد تذكير قضاة تطبيق العقوبات بمقتضيات المادة 596 من قانون المسطرة الجنائية التي أوكلت لقضاة تطبيق العقوبات صلاحية تقديم مقترحات العفو والإفراج المقيد بشروط.
المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الادماج، محمد صالح التامك، أبرز في كلمة تليت بالنيابة عنه، أن الإفراج المقيد بشروط يندرج ضمن مجموعة من الإجراءات القانونية التي ينعكس تفعيلها إيجابا على مستوى المساهمة في العملية الادماجية للسجناء، مبرزا أن هذا الإجراء يعتبر محفزا للسجناء لتقويم سلوكهم والانخراط في البرامج التأهيلية لاستيفاء الشرط الذاتي للاستفادة من الإفراج المقيد بشروط.
مؤسسات أخرى حضرت الندوة التي أنجزت عنها يومية «بيان اليوم» ورقة مفصلة، ومنها المجلس الوطني لحقوق الإنسان (مؤسسة دستورية) وكانت ممثلة بأنس سعدون، الذي قال إن تفاقم ظاهرة اكتظاظ السجون بشكل عام وارتفاع عدد المعتقلين الاحتياطيين بشكل خاص، يؤثر سلبا على جميع الحقوق التي ينبغي أن يتمتع بها النزلاء، رغم المجهودات المبذولة لتحسين شروط إيواء السجناء عن طريق إحداث مؤسسات سجنية جديدة وتوسيع أخرى، بالإضافة إلى التغذية والتطبيب والاستفادة من برامج التأهيل لإعادة الادماج، منوها باستجابة وزارة العدل لعدد من التوصيات التي قدمها المجلس حول مشروع قانون العقوبات البديلة.
وقال المنسق العام لـ«مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء» إن آلية الإفراج المقيد بشروط، أحد المعابر السالكة بيسر إلى اندماج آمن ومجد للسجين المفرج عنه في النسيج الاجتماعي، كما أنها أحد السبل التي تحقق غرض العقوبة في الإصلاح والتأهيل والدفع إلى حسن السلوك والاستقامة في السيرة.