يعيش سكان قطاع غزة أجواء حزينة مع حلول عيد الأضحى المبارك، حيث شكل استمرار الحرب الإسرائيلية للشهر التاسع على التوالي غصة في قلوب الغزيين الذين حرموا من الاحتفال بشهر رمضان وعيد الفطر وها هم يستقبلون عيد الأضحى بلا أضاحي ولا أجواء فرح، وسط الدمار واستمرار الاحتلال قتل المدنيين وارتكاب المزيد من جرائم الإبادة.
وبالعادة يخلق السكان في غزة أجواء من الفرح والسعادة في الأعياد بالرغم من الحصار المستمر منذ أكثر من عشرة أعوام وحالة الفقر والتضييق المستمر عليهم من قبل الاحتلال الإسرائيلي، فالأسواق الشعبية تعج بالناس في هذه الأيام وتتزين الشوارع استقبالا للعيد، ويتجه المواطنون بالرغم من ظروفهم الاقتصادية الصعبة إلى إحياء شعيرة الأضاحي لكسب الأجر، لكن هذا العام باتت الأسواق خالية من البضائع والسلع، والحزن يرافق المواطنين الذين يلاحقهم شبح النزوح والقتل، كما أن أصحاب مزارع المواشي تعرضوا لخسائر كبيرة جداً من هذه الحرب، حيث دمر الاحتلال جميع المزارع ومنع ادخال المواشي منذ بداية الحرب، حتى أن الحجاج منعوا بفعل الحرب من الخروج لأداء المناسك، وهذا زاد من حالة اليأس لدى المواطنين الذين نالوا الفرصة للخروج هذا العام ولم يحالفهم الحظ بذلك.
وفي مناطق النزوح المنشرة وسط قطاع غزة، لم يعد المواطن ينتظر قدوم العيد والغالبية لم يعلموا متى موعد العيد، في ظل انشغالهم بالحرب ومتى تنتهى المعاناة التي انهكتهم على مدار الأشهر الطويلة، في ظل تأزم الأوضاع المعيشية وانتشار الأمراض والفقر والجوع بينهم.
في أحاديث منفصلة لمراسل «القدس العربي» عبر نازحون في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة عن حزنهم الشديد من حلول عيد الأضحى مع استمرار الحرب الإسرائيلية، وأبدوا آمالاً بأن تفضي جهود المفاوضات إلى حل ينهي معاناة النازحين ويعودوا إلى ديارهم في مناطق شمال قطاع غزة، على الأقل يخرجوا من حالة التكدس في مناطق النزوح الضيقة، مع ارتفاع درجات الحرارة وعدم توفر المياه الصالحة للاستخدام الآدمي، وانتشار الجوع.
ويقول المواطن عوض أبو ياسين الذي يسكن في مخيم للنازحين غرب المدينة، يخيم الحزن على المخيم الذي يعج بآلاف النازحين مع استمرار الحرب وحرمان السكان في غزة من الاحتفال بالمناسبات الدينية والأعياد كباقي المسلمين حول العالم، حتى أن موعد حلول العيد لم يعد أمرا مهما بالنسبة للكثيرين، بسبب انشغالهم بأزمات الحرب المتراكمة وفقدان العديد من أحبائهم.
ويقول لـ«القدس العربي»: «بالرغم من تردي أوضاعنا كسكان محرومين من أبسط حقوقنا في الحياة، إلا أننا من أكثر الشعوب حول العالم نهتم بالأعياد ونخلق أجواء من الفرح والسرور فيما بيننا، ونخرج إلى العالم بصور تظهر حبنا للحياة ونصنع الفرح بالرغم من الألم والحصار والفقر، لكن هذا العام الجرح غائر ولم نعد قادرين على إحياء طقوس العيد».
أما مؤنس أبو عبدو فعبر عن استيائه من حلول العيد مع استمرار حرب الإبادة، كونه يعمل تاجر حلوى ويعتبر موسم الأعياد فرصة بالنسبة له لكسب المال، فهو يجهز محاله التجارية المنتشرة في مناطق متفرقة من قطاع غزة قبل حلول العيد بأيام لاستقبال الزبائن، لكن الحرب حرمته من الاستفادة من موسم عيد الفطر وعيد الأضحى، وهذا بالطبع زاد من معاناته الاقتصادية في ظل استمرار إغلاق المعابر، وعدم توفر فرصة عمل يكسب من خلالها المال.
ويضيف في حديثه لـ«القدس العربي»: «أصحاب المهن تأثروا بالحرب، وحرموا من اغتنام فرصة قدوم العيد والعمل في مهن خاصة بالمناسبة، فعلى سبيل المثال أصحاب محال شحذ السكاكين يعتمدون على عيد الأضحى في كسب المال، كما أن الشركات المختصة ببيع هدايا الحجاج تستفيد كثيراً من هذا الموسم لكنها خسرت هذا العام، كما أن أصحاب مزارع المواشي تعرضوا لخسائر فادحة، بعد تدمير المزارع وقتل العديد من المواشي مع بداية الحرب بفعل القصف العشوائي على المناطق الحدودية من القطاع والتي تنتشر فيها المزارع».
ويقول محمد صالح صاحب مزرعة للمواشي تقع شرق مخيم جباليا شمال قطاع غزة، «تأثرت كثيراً من الحرب على غزة خاصة مع اقدام الاحتلال الإسرائيلي على تجريف المزرعة الخاصة بي خلال اجتياح مخيم جباليا في يناير الماضي، حيث قتل الاحتلال عشرات المواشي وجرف المزرعة بشكل كامل دون منحي فرصة مسبقة للإخلاء».
وأوضح لـ«القدس العربي» أن «الخسائر التي تعرضت لها بلغت ما يقارب مليون دولار، على إثر تجريف المزرعة التي قمت بإنشائها حديثاً وبوسائل مكلفة، إلى جانب قتل أعداد من المواشي واتلاف كميات كبيرة من الأعلاف المخصصة للأبقار والأغنام، والخوف يزداد من عدم إمكانية إعادة إنشاء المزرعة بعد الحرب كونها تقع في منطقة حدودية».
ويتمنى صالح أن تتوقف الحرب وينتهي جزء من المعاناة القاسية التي تقع على المدنيين، ويحاول المواطنون لملمة جراحهم وإعادة ترتيب أوضاعهم المعيشية الصعبة، خاصة بعد أن دمر الاحتلال كافة مناحي الحياة، ويواصل نسف وتدمير ما تبقى من حياة في مختلف مناطق القطاع لجعل غزة منطقة غير قابلة للعيش.